أخبار العالمأمريكاأوروبابحوث ودراسات

المبادرة الأمريكية للتهدئة الجزئية بين موسكو وكييف: شروط الاختراق ومكامن التعثر

المقدمة والتمهيد الاستراتيجي

تشير المعطيات التفاوضية المحيطة بالصراع الروسي الأوكراني إلى تحرك دبلوماسي تقوده واشنطن لإرساء صيغة “تهدئة قطاعية” تعتمد مبدأ خفض التصعيد التدريجي بدل الاتفاقات الشاملة. وتأتي هذه الخطوة في ظل قناعة لدى دوائر القرار الأمريكية بصعوبة تحقيق خرق دبلوماسي واسع في المدى القريب، مما دفعها للتركيز على مسارين محددين: حماية أمن الطاقة الإقليمي وضمان سلامة الملاحة البحرية في البحر الأسود.

تكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الرعاة وشكل الوساطات المطروحة، غير أن القراءة الدقيقة لمواقف الأطراف المعنية تكشف عن عقبات هيكلية تجعل إمكانية ترجمة هذه المقترحات إلى التزامات ميدانية أمراً محاطاً بالكثير من الشكوك.

أبعاد المبادرة الأمريكية والمسارات التفاوضية المطروحة

ترتكز الرؤية الأمريكية الجديدة على تسوية مرحلية تتألف من محورين أساسيين تُجرى بشأنها اتصالات غير مباشرة:

المحور الاول: اتفاق التهدئة الطاقية:

 يتضمن المقترح الامتناع المتبادل عن استهداف البنية التحتية للحيوية، ولا سيما محطات توليد الكهرباء، ومصافي النفط، ومنشآت الطاقة الرئيسية. وقد شملت التحركات التمهيدية لهذا المسار لقاءات عقدها المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف لبحث الترتيبات الفنية لهذا الخيار.

المحور الثاني: مسار الأمن البحري وسلاسل الإمداد:

 يستهدف المقترح الثاني إبرام اتفاق لحماية حركة الملاحة التجارية في البحر الأسود، يركز بشكل خاص على آمن سفن نقل الحبوب والبضائع الموجهة إلى الأسواق الحيوية في الشرق الأوسط وأفريقيا. وتتولى مصر أدواراً تيسيرية في هذا المسار لتوفير بيئة تفاوضية تقبل بها الأطراف.

اما بالنسبة للإطار الاجتماع المرتقب فتسعى واشنطن لعقد لقاء ثلاثي يضم ممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا خلال شهر أكتوبر، وتعد العاصمة الإمارتية أبوظبي المرشح الأبرز لاستضافة هذه المحادثات المحدودة.

شروط الامتناع الروسي ومواقف الأطراف الميدانية

رغم المساعي الأمريكية لتقليص نطاق المواجهة، تظهر المعطيات الميدانية والسياسية تبايناً جذرياً في التعاطي مع هذه المقترحات:

الموقف الروسي الحذر:

 تشير التقييمات التفاوضية إلى عدم صدور موافقة رسمية أو قبول مبدئي من جانب موسكو تجاه هذه الأطروحات. وتنظر الجانبية الروسية إلى أي تهدئة قطاعية بمعزل عن التسوية الشاملة كإجراء قد يستغل لإعادة تنظيم القدرات العسكرية والتقنية للطرف الآخر.

التقييم الأوكراني للترتيبات البحرية:

 تعكس تصريحات المسؤولين الأوكرانيين، وفي مقدمتهم وزير السياسة الزراعية تاراس فيسوتسكي، قناعة بعدم قُرب التوصل إلى هدنة بحرية وشيكة. وتعتمد كييف في تقييمها على إخطارات الوسطاء بشأن تعثر المحاولات السابقة للتوافق مع موسكو، مما يدفعها لإبقاء التقديرات الميدانية قائمة على خطورة استمرار تهديد الملاحة خلال الأشهر القادمة.

التوظيف السياسي الأمريكي:

 تراهن واشنطن على أن نجاح هذه الخطوات المحدودة قد يمهد الطريق لنزع فتيل المواجهة وتوفير مناخ يتيح عقد قمة ثلاثية تجمع بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، وهو المسار الذي لم تحسم الأطراف موقفها منه حتى الآن.

القراءة التحليلية والسيناريوهات المتوقعة

تتوقف فرص نجاح المبادرة الأمريكية على مدى قدرة الأطراف على التوفيق بين متطلبات الردع الميداني والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية:

سيناريو نجاح الهدنة القطعية المحدودة احتمالية منخفضة

يتطلب هذا المسار موافقة روسية مشروطة بتقديم ضمانات ملموسة تتعلق بتسهيل الصادرات الروسية وتخفيف بعض القيود الفنية. وفي حال تحقق ذلك، قد تشهد منطقتا البحر الأسود ومنشآت الطاقة تهدئة جزئية تُوظف كاختبار لنوايا الأطراف قبل الانتقال إلى ملفات أوسع.

سيناريو التعثر واستمرار النزاع الميداني احتمالية عالية

 يستند هذا السيناريو إلى تمسك موسكو بمرجعية الحل الشامل ورفض تجزئة الملفات، مقابل استمرار كييف في رفع مستوى التقديرات الاحترازية. يؤدي هذا المسار إلى إبقاء خطوط الملاحة البحرية والبنية التحتية للطاقة ضمن دائرة الاستهداف المباشر، مما يفرغ لقاء أبوظبي المرتقب من مضمونه التنفيذي.

سيناريو التهدئة التكتيكية غير المعلنة احتمالية متوسطة

 قد تتجه الأطراف إلى تفاهمات ضمنية أو خفض غير معلن لحدة الضربات الاستراتيجية على المنشآت الحيوية دون التوقيع على وثائق رسمية، تجنباً للالتزامات القانونية والسياسية المقيدة للتحركات العسكرية.

الخلاصة

تعكس المبادرة الأمريكية المحاولة الراهنة لإيجاد صيغة تقاطعات حد أدنى بين موسكو وكييف عبر مدخل الاقتصاد والأمن الغذائي، غير أن غياب التوافق على الأسس الكلية للصراع واختلاف الأولويات الاستراتيجية بين الطرفين يلقيان بظلال من الشك حول قدرة التهدئة القطاعية على الصمود دون وجود إطار متكامل للحل السياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق