واشنطن تشدد الخناق على كوبا: حين تمتد العقوبات إلى القطاع الخاص

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية: 30-09-2026
لم تعد سياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا تقتصر على الحفاظ على منظومة العقوبات والحظر الاقتصادي الممتدة منذ عقود، بل دخلت خلال عام 2026 مرحلة جديدة من تصعيد الضغط المالي والاقتصادي على الجزيرة. فقد أعلنت واشنطن إجراءات إضافية تشدد القيود على المعاملات المالية المرتبطة بكوبا، بما في ذلك بعض العمليات التي تخص القطاع الخاص، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة اقتصادية وطاقة حادة وتشرع في إصلاحات تهدف إلى توسيع مساحة النشاط الخاص والاستثمار الأجنبي.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز تفاصيل العقوبات الجديدة: إلى أي حد يمكن لسياسة الضغط الاقتصادي أن تحقق أهدافها السياسية بعد أكثر من ستة عقود من الحظر؟ وهل يؤدي توسيع العقوبات إلى إضعاف السلطة الكوبية فعلًا، أم أن جزءًا من كلفتها ينتقل إلى المجتمع والقطاع الخاص والاقتصاد المدني؟
ستة عقود من الحصار وسياسة لم تحقق التحول السياسي المنشود
يمثل الحظر الأميركي على كوبا واحدًا من أطول أنظمة العقوبات الاقتصادية المستمرة في العلاقات الدولية المعاصرة. وقد ارتبط منذ بدايته بسياق الحرب الباردة وبالصراع بين واشنطن والحكومة الثورية في هافانا، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى منظومة قانونية وتنظيمية أكثر تعقيدًا.
وتؤكد الولايات المتحدة أن سياستها تجاه كوبا تستهدف الضغط على الحكومة بسبب ما تعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان وغياب التحول الديمقراطي، وتقول إن الحظر يتضمن استثناءات تسمح بتصدير الغذاء والدواء وبعض السلع الأساسية. كما تؤكد واشنطن أن إنهاء الحظر مرتبط بتحقيق تغيير سياسي في كوبا.
غير أن المشكلة الأساسية التي تطرحها التجربة التاريخية هي أن العقوبات لم تؤدِ إلى النتيجة السياسية التي صُممت من أجلها. فبعد أكثر من ستين عامًا، لا يزال النظام السياسي الكوبي قائمًا، فيما تحولت العقوبات من أداة ضغط مؤقتة إلى عنصر دائم في البيئة الاقتصادية التي تتحرك داخلها الدولة والمجتمع الكوبي.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار النهج نفسه مع زيادة حدته يثير سؤالًا حول جدوى إعادة إنتاج الأداة ذاتها بدل إعادة تقييم نتائجها.
العقوبات الجديدة: حين يصل الضغط إلى القطاع الخاص
تكتسب الجولة الجديدة من العقوبات أهمية خاصة لأنها تأتي في لحظة بدأت فيها كوبا نفسها تنفيذ إصلاحات اقتصادية واسعة.
فخلال عام 2026، أعلنت هافانا سلسلة من الإصلاحات التي تسمح بمشاركة أكبر للقطاع الخاص، وتفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار الأجنبي، وتخفف بعض القيود البيروقراطية على الشركات، وتسمح بمزيد من المرونة في مجالات التجارة والسياحة والتمويل. ووصفت رويترز هذه الإجراءات بأنها من أكبر التحولات الاقتصادية التي شهدتها كوبا منذ الثورة عام 1959.
في المقابل، تأتي واشنطن لتشدد القيود على بعض العمليات المالية المرتبطة بالقطاع الخاص الكوبي.
وهنا تظهر مفارقة جوهرية في السياسة الأميركية: فمن جهة، تدفع واشنطن باتجاه توسيع النشاط الاقتصادي خارج سيطرة الدولة الكوبية، ومن جهة أخرى، يمكن للقيود المالية الجديدة أن تجعل وصول أصحاب الأعمال المستقلين إلى النظام المصرفي الدولي أكثر صعوبة.
وهذا التناقض لا يتعلق بالتفاصيل التقنية للعقوبات فقط، بل بمسألة أعمق: إذا كان القطاع الخاص يُنظر إليه في واشنطن باعتباره وسيلة لتغيير البنية الاقتصادية الكوبية، فلماذا تُفرض في الوقت نفسه قيود على بعض القنوات التي يحتاج إليها هذا القطاع للعمل؟
الضغط الاقتصادي كأداة لتغيير النظام
تكشف تصريحات الإدارة الأميركية عن أن الهدف من سياسة الضغط لا يقتصر على تعديل سلوك اقتصادي محدد، بل يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل النظام السياسي الكوبي.
فوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال في سبتمبر 2026 إن واشنطن تأمل أن تختار كوبا «مسارًا مختلفًا»، محذرًا القيادة الكوبية من أن رفض الإصلاح سيترتب عليه مزيد من الضغوط. وتواصل إدارة الرئيس دونالد ترامب بذلك سياسة تقوم على استخدام العقوبات والضغط الاقتصادي كوسيلة لدفع هافانا نحو تغيير سياسي واقتصادي.
وهنا يمكن طرح إشكالية سياسية واضحة: هل يؤدي إضعاف الاقتصاد إلى إضعاف السلطة، أم يمكن أن يؤدي أيضًا إلى زيادة اعتماد المجتمع على الدولة؟
ففي حالات الأزمات الاقتصادية، لا تنتقل تكلفة العقوبات بالضرورة بصورة مباشرة إلى النخب السياسية. وقد تتحمل الأسر والشركات الصغيرة والعاملون والمستوردون والمستهلكون جزءًا كبيرًا من تكاليف صعوبة الوصول إلى التمويل والطاقة والسلع والأسواق.
وبالتالي، فإن العقوبات الشاملة أو الواسعة قد تواجه معضلة أساسية: يصعب ضمان أن تكون الكلفة السياسية والاقتصادية محصورة في الجهات التي تستهدفها واشنطن.
أزمة الطاقة تكشف حدود سياسة الضغط
تزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى أزمة الطاقة التي تواجهها كوبا.
فقد فرضت واشنطن خلال 2026 عقوبات على شركة النفط الحكومية الكوبية «كوبت» وغيرها من الكيانات، ما زاد صعوبة وصول الجزيرة إلى إمدادات الوقود. وربطت الإدارة الأميركية سياستها بموقفها من الحكومة الكوبية، بينما حذرت تقارير من أن نقص الوقود ساهم في تفاقم أزمات الكهرباء والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وهنا يصبح السؤال الإنساني والسياسي أكثر تعقيدًا.
فحتى عندما تكون العقوبات موجهة رسميًا إلى مؤسسات حكومية، فإن الاقتصاد لا يعمل في جزر منفصلة. نقص الوقود يؤثر على النقل، والكهرباء، والزراعة، والمصانع، والمستشفيات، وسلاسل التوزيع، وبالتالي يمكن أن تتحول العقوبات من أداة تستهدف الدولة إلى عامل يؤثر في القدرة اليومية للمجتمع على الوصول إلى الخدمات والسلع الأساسية.
وقد أثارت هذه المسألة انتقادات متكررة داخل الأمم المتحدة، حيث جددت الجمعية العامة في 2025 دعوتها إلى إنهاء الحظر الاقتصادي والتجاري والمالي المفروض على كوبا. كما حذرت مداخلات أممية خلال 2026 من الآثار الإنسانية للقيود الاقتصادية ونقص الغذاء والأدوية والطاقة.
واشنطن تقول إن العقوبات لا تستهدف الشعب
في المقابل، ترفض الولايات المتحدة توصيف سياستها باعتبارها عقابًا للشعب الكوبي.
وتؤكد واشنطن أن هناك استثناءات للغذاء والدواء والسلع الإنسانية، وتشير إلى أن الولايات المتحدة نفسها تصدر منتجات زراعية إلى كوبا، كما أعلنت عن مساعدات إنسانية موجهة مباشرة إلى الشعب الكوبي عبر جهات دينية ومؤسسات أخرى بدل الحكومة.
لكن وجود الاستثناءات القانونية لا يلغي بالضرورة الأثر غير المباشر للعقوبات.
فالمشكلة ليست فقط في معرفة ما هو مسموح وما هو ممنوع، وإنما في قدرة الشركات والبنوك الأجنبية على التعامل مع السوق الكوبية دون التعرض لمخاطر العقوبات الأميركية. وفي ظل قوة النظام المالي الأميركي، يمكن للعقوبات أن تنتج تأثيرًا يتجاوز الحدود الأميركية نفسها، إذ قد تتجنب مؤسسات أجنبية التعامل مع كوبا خشية العقوبات أو التعقيدات التنظيمية.
وهنا يتحول الحظر من قرار ثنائي بين واشنطن وهافانا إلى عامل يؤثر في خيارات أطراف ثالثة أيضًا.
البعد الخارجي للعقوبات
هذه النقطة هي إحدى أكثر الجوانب إثارة للجدل في السياسة الأميركية.
فكوبا لا تتعامل اقتصاديًا مع الولايات المتحدة وحدها، بل ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية مع دول مختلفة. ومع ذلك، فإن العقوبات الأميركية يمكن أن تؤثر في حسابات الشركات والبنوك الأجنبية التي لديها مصالح في السوق الأميركية.
وقد انتقدت دول عديدة داخل الأمم المتحدة هذا الجانب من الحظر، معتبرة أن آثاره تتجاوز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وكوبا وتمس قدرة دول أخرى على ممارسة علاقاتها التجارية بحرية مع هافانا.
ومن منظور العلاقات الدولية، يعكس ذلك استخدام الولايات المتحدة لقوة النظام المالي العالمي كأداة من أدوات السياسة الخارجية.
فالقوة هنا لا تقوم فقط على حجم الاقتصاد الأميركي، بل على مركزية الدولار والمؤسسات المالية الأميركية وقدرة واشنطن على فرض تكلفة مرتفعة على الأطراف التي تتعامل مع الجهات الخاضعة للعقوبات.
التناقض بين الضغط والإصلاح
المفارقة الأكثر وضوحًا في المرحلة الحالية هي أن الضغط الأميركي يأتي في اللحظة التي تحاول فيها كوبا إعادة تنظيم نموذجها الاقتصادي.
فالإصلاحات التي أطلقتها هافانا خلال 2026 تشمل توسيع دور القطاع الخاص، وتسهيل الاستثمار الأجنبي، والسماح بمشاركة أكبر للشركات الخاصة في قطاعات كانت تهيمن عليها الدولة.
ومن ثم، فإن تشديد القيود المالية يمكن أن يؤدي إلى نتيجة عكسية من منظور الأهداف التي تقول واشنطن إنها تريد تحقيقها.
فبدل أن يؤدي فتح الاقتصاد إلى نشوء قطاع خاص أكثر استقلالًا وقدرة على التعامل مع الأسواق الدولية، يمكن أن يجد أصحاب الأعمال أنفسهم أمام بيئة مالية أكثر تعقيدًا، ما يدفع بعضهم إلى الاعتماد على قنوات غير رسمية أو شركاء خارجيين بعيدين عن النظام المالي الأميركي.
وهذا ما يثير سؤالًا أساسيًا حول اتساق السياسة الأميركية نفسها: هل الهدف هو دعم تحول اقتصادي داخل كوبا، أم استخدام الاقتصاد وسيلة للضغط السياسي بغض النظر عن كلفة هذا الضغط على عملية الإصلاح؟
من الحصار إلى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية
لا ينبغي النظر إلى العقوبات الجديدة باعتبارها مجرد إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات.
ما يحدث أوسع من ذلك.
فواشنطن تعمل على إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية التي تتحرك داخلها كوبا: الطاقة، التمويل، التجارة، الاستثمار، التحويلات، والسفر. وفي الوقت نفسه، تحاول هافانا إعادة بناء اقتصادها عبر توسيع دور القطاع الخاص وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وبذلك أصبحت المواجهة الأميركية الكوبية مواجهة على النموذج الاقتصادي نفسه.
واشنطن تستخدم الوصول إلى النظام الاقتصادي العالمي كورقة ضغط، بينما تحاول هافانا تقليل هشاشتها أمام هذه الورقة من خلال تنويع الشركاء وفتح اقتصادها بصورة أكبر أمام الاستثمار الأجنبي.
وهذه المعادلة قد تدفع كوبا تدريجيًا إلى البحث عن بدائل اقتصادية ومالية خارج المجال الأميركي، وهو ما قد يعمق علاقاتها مع قوى دولية مثل الصين وروسيا ودول أخرى.
كوبا بين واشنطن وبقية العالم
لم يعد الصراع الأميركي الكوبي منفصلًا عن المنافسة الدولية الأوسع.
ففي الأمم المتحدة، انتقدت الصين السياسة الأميركية تجاه كوبا ودعت إلى إنهاء الحصار، بينما عبرت روسيا أيضًا عن موقف معارض لاستمرار القيود الأميركية.
ويمنح ذلك كوبا مساحة دبلوماسية للتأكيد على أن قضيتها لا تتعلق فقط بخلاف ثنائي مع الولايات المتحدة، وإنما بما تعتبره مسألة سيادة وحق في ممارسة علاقاتها الاقتصادية الدولية دون ضغوط خارجية.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن سياستها تدخل ضمن حقها السيادي في تحديد الجهات التي تتعامل معها، وتربط رفع الحظر بتحقيق تغييرات سياسية داخل كوبا.
وهكذا يتحول الملف الكوبي إلى نموذج مصغر لصراع أوسع بين منطق العقوبات الأحادية واستخدام القوة الاقتصادية من جهة، ومبدأ السيادة وحرية العلاقات التجارية الدولية من جهة أخرى.
تكشف الجولة الجديدة من العقوبات أن السياسة الأميركية تجاه كوبا لا تزال أسيرة إلى حد كبير لمنطق الضغط الذي تشكل خلال الحرب الباردة، رغم التغيرات العميقة التي شهدها النظام الدولي منذ ذلك الوقت.
فبعد أكثر من ستة عقود، لم يؤد الحصار إلى إنهاء النظام السياسي الكوبي، بينما أصبحت كلفته جزءًا من البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش فيها المواطنون الكوبيون. وفي الوقت نفسه، فإن توسيع العقوبات ليشمل قنوات مرتبطة بالقطاع الخاص يطرح تناقضًا بين الهدف المعلن المتمثل في تشجيع التحول الاقتصادي وبين الأدوات المستخدمة لتحقيقه.
ولا يعني ذلك تجاهل مسؤولية الحكومة الكوبية عن خياراتها الاقتصادية والسياسية أو عن أوجه القصور البنيوية في اقتصادها. لكنه يعني أن تقييم الأزمة يتطلب النظر إلى تفاعل العوامل الداخلية والخارجية معًا بدل اختزالها في سبب واحد.
وفي هذا السياق، تبدو السياسة الأميركية أمام معضلة استراتيجية: استمرار العقوبات يحافظ على أداة ضغط قوية على هافانا، لكنه لا يقدم حتى الآن دليلًا حاسمًا على أن الضغط الاقتصادي الطويل قادر وحده على تحقيق التحول السياسي الذي تطمح إليه واشنطن.
بل إن توسيع العقوبات قد يؤدي إلى نتائج جيوسياسية مغايرة، من بينها دفع كوبا نحو تنويع علاقاتها مع القوى المنافسة للولايات المتحدة، وزيادة اعتمادها على قنوات اقتصادية خارج المنظومة الأميركية، وتعميق الانقسام حول شرعية العقوبات الأحادية.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس فقط إلى أي حد تستطيع واشنطن تشديد العقوبات على كوبا؟ بل إلى أي حد تستطيع هذه السياسة تحقيق أهدافها دون أن تتحول كلفتها الاقتصادية والإنسانية إلى عامل يقوض الأهداف التي تقول الولايات المتحدة إنها تسعى إلى تحقيقها؟



