أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

“اتفاقية مكة للدفاع المشترك” تعكس تنامي الاستقلالية الإستراتيجية لدول الشرق الأوسط

في السابع من أغسطس عام 2026، وقعت تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي تنص على أن أي اعتداء على واحدة من الدول الثلاث يعد اعتداء على الدول الأطراف كافة. وقد أثار التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث اهتماما واسعا في المجتمع الدولي، نظرا إلى أن تركيا عضو مهم في حلف شمال الأطلسي، وباكستان قوة إقليمية كبرى في جنوبي آسيا، فيما تعد السعودية دولة محورية في منطقة الخليج. ويرى بعض المحللين أن توقيع هذه الاتفاقية يعكس تحولات جديدة تشهدها البنية الأمنية في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي تراجع فيه مستوى ثقة دول المنطقة في التعهدات الأمنية الأمريكية إلى حد ما، أخذت هذه الدول تسرع خطواتها لاستكشاف مسارات أكثر تنوعا للتعاون الأمني. وفي الوقت نفسه، تتعزز التعددية القطبية في الشرق الأوسط، حيث باتت دول المنطقة تولي اهتماما أكبر للتعاون الأمني المستقل وتعزيز قدراتها من خلال العمل المشترك، سعيا إلى الإمساك بزمام أمنها بصورة أكبر.

تراجع مستوى ثقة دول الشرق الأوسط في التعهدات الأمنية الأمريكية

طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبدأ “أمريكا أولا”، في وقت تتجه فيه إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي نحو الانكفاء إلى نصف الكرة الغربي، وتتراجع معه رغبة واشنطن وقدرتها على تقديم الدعم الدفاعي لحلفائها في الشرق الأوسط. ويشكل ذلك أحد العوامل الخارجية المهمة التي دفعت تركيا والسعودية وباكستان إلى توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”. ومنذ أن شنت حركة حماس هجوما عابرا للحدود على إسرائيل وأطلقت عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر عام 2023، أصبح الصراع بين إسرائيل وما يسمى بمحور المقاومة بقيادة إيران بؤرة التوتر الرئيسية في الشرق الأوسط. فمن خوض إسرائيل حربا على سبع جبهات، مرورا بحرب الأيام الاثني عشر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران في يونيو عام 2025، وصولا إلى الجولة الجديدة من الضربات العسكرية المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران في 28 فبراير عام 2026، ظلت الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط تشهد توترا متواصلا. وفي ظل هذه التطورات، تأثرت البيئة الأمنية لدول المنطقة بدرجات متفاوتة، وتزايدت حاجتها إلى تعزيز ضماناتها الأمنية الذاتية.

منذ أن شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران في 28 فبراير عام 2026، تعرضت القواعد العسكرية الأمريكية في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن والعراق مرارا لهجمات انتقامية إيرانية. ووفقا لما أكدته تقارير إعلامية متعددة، تضرر في هذه الهجمات مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وقاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، وقاعدة عين الأسد الجوية في العراق. وفي الوقت نفسه، تعرضت منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، بما في ذلك منظومتا “ثاد” و”باتريوت”، إلى جانب أنظمة الرادار، للتدمير تباعا، كما تكبدت طائرات MQ-9 “ريبر” وطائرات F-15E وغيرها من المعدات العسكرية خسائر خلال الهجمات. وقد أثار ذلك عملية إعادة تقييم واسعة لأنظمة الأسلحة الأمريكية ولمصداقية التعهدات الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط.

مع تصاعد النزاعات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، واتساع نطاقها، شهدت البيئة الأمنية لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط تدهورا متزايدا. وواجهت هذه الدول صعوبات كبيرة في تصدير النفط والغاز الطبيعي، وأزمات خطيرة في سلاسل التوريد، كما تعرضت منشآت الطاقة ومراكز البيانات ومصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية مياه البحر لهجمات متكررة، إلى جانب تكبد خسائر فادحة في قطاعات العقارات والملاحة والصناعات العالية التكنولوجيا والقطاع المالي. وفي المقابل، أدركت الدول الإسلامية في المنطقة أن الأولوية الأساسية في الالتزام الدفاعي الأمريكي هي أمن إسرائيل، لا أمن حلفائها من الدول الإسلامية، مما يدفع هذه الدول إلى تسريع تحول إستراتيجياتها الأمنية من الاعتماد المفرط على القوى الكبرى الخارجية إلى إيلاء مزيد من الاهتمام للتعاون الأمني فيما بينها وتنويع خياراتها الأمنية. وتمثل “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” علامة فارقة تشير إلى أن القوى المتوسطة في الشرق الأوسط بدأت تشارك بصورة أكثر فاعلية في إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، وفي بناء آليات متعددة الأطراف للتعاون الأمني بصورة أكثر استقلالية.

تنامي رغبة دول الشرق الأوسط في تعزيز قدراتها من خلال التعاون

جاءت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين تركيا والسعودية وباكستان نتيجة لتنامي رغبة هذه الدول في تعزيز قدراتها من خلال التعاون. من نافلة القول إن القوى الغربية انتهجت سياسة “فرق تسد” بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، غير أن الدول الإسلامية في المنطقة تختلف اختلافا كبيرا في أنظمتها السياسية وأيديولوجياتها وثقافاتها وتقاليدها، الأمر الذي أدى إلى بروز خلافات واضحة في إستراتيجياتها الخارجية لفترة طويلة. وتمثل “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” تعبيرا عن رغبة متنامية لدى هذه الدول في السعي إلى نقاط الاتفاق مع وضع الاختلافات جانبا وتعزيز قدراتها الذاتية من خلال التعاون.

من ناحية، تتزايد الاستقلالية الأمنية لدى الدول الإسلامية في الشرق الأوسط. وعلى أساس التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الدفاع الوطني، تعمل هذه الدول بصورة أكثر فاعلية على توسيع نطاق التعاون الأمني فيما بينها. وقد وقعت السعودية وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك في سبتمبر عام 2025. وفي يوليو عام 2026، أبرمت باكستان اتفاقية للدفاع المشترك مع الكويت، مما أسهم في تشكيل ما يمكن وصفه بـ”المثلث الحديدي” بين السعودية وباكستان والكويت. وفضلا عن ذلك، أعلنت السعودية في الثلاثين من يوليو عام 2026 إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، بمشاركة السعودية وتركيا والكويت والبحرين وقطر والأردن ومصر وباكستان وجيبوتي والصومال وبنغلاديش واليمن وجزر القمر والسودان، بهدف حماية أمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. وتم إنشاء هذا الإطار بصورة مستقلة عن قيادة القوى الغربية الكبرى. ويظهر هذا التحالف المتعدد الأطراف أن الدول الإسلامية في الشرق الأوسط لم تعد تنتظر مبادرات أمنية، سواء من واشنطن أو لندن أو باريس، بل باتت تعمل بصورة أكثر فاعلية على تشكيل نموذج للتعاون الأمني فيما بينها.

ومن ناحية أخرى، تتمسك الدول الإسلامية في المنطقة بمبدأ التشاور في التعاون الأمني. فبعد انتهاء الحرب الباردة، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية عددا من آليات التعاون الثنائية والمتعددة الأطراف في الشرق الأوسط، من أبرزها التعاون الأمني بينها وبين تركيا في إطار حلف شمال الأطلسي، والتعاون الدفاعي بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي، والتعاون الدفاعي بينها وبين إسرائيل. وفي ظل هذا النمط التقليدي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية في الغالب الطرف الرئيسي في صياغة الأجندة الأمنية، بينما اضطلعت دول المنطقة في الغالب بأدوار مساندة. ومع تنامي التعددية القطبية في الشرق الأوسط والصعود الجماعي للقوى الإسلامية المتوسطة، تسعى دول المنطقة، من خلال التشاور والتوافق، إلى بناء علاقات تعاون أمني أكثر توازنا. وتقع السعودية وتركيا وباكستان على التوالي في منطقة الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط وجنوبي آسيا، وقد أقامت الدول الثلاث، على أساس مبدأ التشاور المشترك، علاقة تحالف عابرة للأقاليم، بما يتيح لها الاستفادة من المزايا الجغرافية لكل منها وتعزيز الدعم والتنسيق المتبادلين في الشؤون الأمنية الإقليمية. وكما أشار وزير خارجية الصين وانغ يي، فإن “الشرق الأوسط هو لشعوبه، وليس ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، ولا ينبغي أن يصبح ضحية للتنافس الجيوسياسي بين الدول من خارج المنطقة”. ومن هذا المنطلق، تعمل دول المنطقة على التشاور معا بشأن سبل التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، والتصدي بصورة مشتركة للتهديدات التقليدية وغير التقليدية.

وخلاصة القول، لا تمثل “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” سوى بداية لمسار جديد. ومن المتوقع أن تصبح شراكات الدول الإسلامية في الشرق الأوسط في مجال التعاون الأمني أكثر تنوعا في المستقبل، بما يدفع البنية الأمنية الإقليمية إلى التحول من نمط تهيمن عليه قوة واحدة إلى نمط أكثر تنوعا وتوازنا. كما أن تزايد التفاعل والتعاون العملي بين القوى المتوسطة في منطقة البحر الأبيض المتوسط والخليج وجنوبي آسيا من شأنه أن يسهم في ترسيخ التعددية القطبية في الشرق الأوسط. وقد أثبت التاريخ أن الصراعات لا تنتج رابحين، وأن المصالحة هي السبيل إلى الخروج منها. وتدعو مبادرة الأمن العالمي الصينية إلى التمسك برؤية جديدة تقوم على الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، بما يوفر لدول منطقة الشرق الأوسط رؤية جديدة للتعاون. ومن شأن دول الشرق الأوسط أيضا أن تتجاوز أنماط التفكير التقليدية القائمة على لعبة المحصلة الصفرية وسياسات التكتلات، وأن تعمل على إدارة الخلافات وتسوية النزاعات من خلال الحوار والتشاور، والتكاتف لمواجهة التحديات المشتركة، وصولا إلى تحقيق السلام الدائم والتنمية المستدامة.

*********

سون ده قانغ، أستاذ ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان في شانغهاي.

سلمان كماده الظفيري، طالب دكتوراه سعودي في كلية العلاقات الدولية والشؤون العامة بجامعة فودان في شانغهاي.

************* 

المصدر : الصين اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق