آسياأخبار العالمبحوث ودراسات

منطقة تايشان السكنية في شانغهاي تنفض غبار الزمن وتواكب العصر

بالنسبة للكثير من الصينيين، وأنا منهم، كانت شانغهاي ترمز إلى الموضة والحداثة. أما اليوم، فقد تركت شانغهاي، بكثافتها السكانية العالية وشيخوخة سكانها وتاريخها العريق، انطباعا عميقا في نفسي، لقدرتها على الموازنة بين المحافظة على التراث وأنماط الحياة العصرية في مسيرة تجددها الذاتي. على سبيل المثال، تتألف منطقة تايشان السكنية، الواقعة بشارع ييتشوان في حي بوتوه، من ثلاثة تجمعات سكنية للعمال يعود تاريخها إلى سبعينيات القرن العشرين. تحمل هذه التجمعات السكنية ذكريات أجيال من السكان، إلا أن إهمال إدارتها وصيانتها على مر السنين أدى إلى تراكم مشكلات عديدة، منها الأسوار الحجرية التي تفصل بينها والمرافق القديمة المتهالكة وعدم كفاية المساحات العامة والافتقار إلى التشجير. في الواقع، هذه مشكلات تعاني منها التجمعات السكنية القديمة في جميع أنحاء العالم.

شهدت هذه التجمعات السكنية تحولات جذرية، وصارت تشكل نموذجا قابلا للتطبيق، منخفض التكلفة وفعالا للغاية لتجديد التجمعات السكنية على مستوى العالم. فمن خلال عمليات التجديد والإصلاح والإدارة على نطاق صغير، حققت منطقة تايشان السكنية تقدما ملحوظا في المحافظة على تاريخها واستعادة التوازن البيئي وتحسين سبل عيش السكان وحيوية التجمعات السكنية، مما يوفر نموذجا صينيا عمليا لتجديد ومعالجة تحديات التجمعات السكنية القديمة في المدن الكبرى حول العالم.

المهملات تتحول إلى كنوز

في السابق، لم تكن الأسوار السميكة في التجمعات السكنية الثلاثة في منطقة تايشان السكنية تفصل بين أراضيها فحسب، وإنما أيضا كانت حاجزا يعيق الجيران عن تبادل الزيارات، مما أدى إلى تجزئة ساحاتها المتناثرة وأماكنها العامة ماديا واجتماعيا.

لقد التزم مشروع تجديد منطقة تايشان السكنية بالمفهوم العالمي للتجديد الحضري الأكثر فعالية من حيث التكلفة، والذي يقوم على إزالة الأسوار وفتح التجمعات السكنية وإنشاء مسارات للمشاة والدراجات. فقد تمت إزالة الأسوار الثلاثة التي كانت تفصل بين التجمعات السكنية، وأضيفت ثلاث بوابات صغيرة للمشاة لإعادة تنظيم مساراتهم داخل التجمعات السكنية. وقد أدى ذلك إلى تقليل وقت العبور داخل التجمعات السكنية من اثنتي عشرة دقيقة إلى أربع دقائق. وقد علق أحد سكان منطقة تايشان السكنية قائلا: “كنا نستغرق عشر دقائق للوصول إلى السوق، أما الآن فيمكننا المرور مباشرة عبر البوابات الجديدة.”

وقد حرص المصممون على إعادة توظيف 8400 متر مربع من المساحات المفتوحة غير المستغلة وتحويلها إلى قاعة استقبال مشتركة تتجاوز مساحتها سبعمائة متر مربع، تضم مساحة للاستراحة وركنا للتواصل بين الجيران ومظلة. وهكذا، تحولت المساحات التي كانت معزولة ومغلقة سابقا إلى مساحات معيشية يلتقي فيها السكان ويتجاذبون أطراف الحديث. واستخدم التصميم اللونين الأبيض الكريمي والأصفر الدافئ كلونين رئيسيين للشوارع والمباني الرئيسية في منطقة تايشان السكنية. إضافة إلى ذلك، شيد جدار من الطوب الأحمر بطول 280 مترا، مصمم على طراز شانغهاي، لدمج عناصر من العمارة القديمة لشانغهاي في التجمعات السكنية. وبفضل هذا الأسلوب في الترميم والإصلاح، لم تتغير البيئة المعيشية الأصلية للسكان بشكل كبير، وتحقق التوازن بين النظافة العصرية والتراث التاريخي. وتستخدم هذه الطريقة المستدامة على نطاق واسع في تجديد التجمعات السكنية القديمة.

“الطبيعة الحضرية” في المعيشة اليومية للسكان

من نافلة القول إن معظم المدن حول العالم تواجه تحديات مشتركة مثل نقص المساحات الخضراء وظاهرة الجزر الحرارية الحضرية والافتقار إلى التنوع البيولوجي. واستخدمت في إصلاح منطقة تايشان السكنية مواد محلية لبناء واحات طبيعية صغيرة في الأركان غير المستغلة، مما أدى إلى خلق نموذج إيكولوجي حضري مصغر.

تم تحويل عشرة أركان مهجورة في التجمعات السكنية إلى ست حدائق صغيرة، صارت تشكل معا أول “حديقة بيئية” داخل تجمع سكني في حي بوتوه. تضم هذه الحدائق أعشابا وأشجارا محلية وموائل للحشرات، وجذوعا تتخذها الطيور أماكن للوقوف والراحة، وبستانا حيث يمكن للسكان زراعة خضراواتهم بأنفسهم، مما يقرب الطبيعة من منازلهم. والجدير بالذكر أن هذه الحدائق مجهزة بمرافق ملائمة لجميع الأعمار، ومنها ملاعب للأطفال ومقاعد لكبار السن ونوافير مائية مصممة للبالغين والأطفال والحيوانات الأليفة، مما يجعلها تجسيدا حيا لمفهوم “التصميم الشامل” الذي يؤكد ضرورة أن تكون المساحات قابلة للاستخدام من قبل جميع الأفراد، بغض النظر عن العمر أو القدرات البدنية أو الحالة الصحية.

في الليل، تضاء صناديق عرض عينات الفراشات في أركان منطقة تايشان السكنية، وكأن الفراشات أرواح ليلية تضفي سحرا عصريا على هذه التجمعات السكنية العتيقة. قالت دونغ لي ينغ، وهي واحدة من السكان: “كانت هذه الأركان مليئة بالقمامة، لكنها الآن أصبحت حدائق صغيرة يتأمل فيها الأطفال الزهور والأعشاب والحشرات. إنها أشبه بدرس عملي في الطبيعة.” ومن المثير للاهتمام أن هذه الحديقة البيئية قد اجتذبت العديد من الحشرات والطيور المحلية لتستريح فيها، مما يجعلها موئلا بيئيا نادرا، وإن كان صغيرا، في التجمعات السكنية الحضرية.

التجمعات السكنية القديمة تطبق النماذج التجارية العالمية

من المؤكد أن التجمعات السكنية تعتمد على التجارة المحلية، والتجارة التي تسهل حياة السكان تحفز حيوية التجمعات السكنية. بالقرب من منطقة تايشان السكنية، شهدت سوق يونغتشانغ، التي يعود تاريخها إلى عشرات السنين، تحديثا جذريا، تخلصت معه من ملامحها البالية العتيقة وتحولت إلى مركز تجاري حيوي للمنطقة السكنية، بفضل استخدام العلوم والتكنولوجيا. بعد التجديد، قسمت السوق التي تبلغ مساحتها 2200 متر مربع، إلى قسمين؛ قسم للمواد الغذائية وآخر للمنتجات الطازجة، مع تحسينات شاملة في الإضاءة والتهوية وتصريف مياه الصرف الصحي. تضم السوق الآن 89 متجرا تقدم مجموعة كاملة من الخدمات، بما في ذلك المنتجات الطازجة والمطاعم وغيرها من الاحتياجات اليومية لتسهيل حياة السكان. كل متجر مزود برمز الاستجابة السريعة (QR) لتتبع مصدر منتجاته الغذائية، كما أن بيئة السوق نظيفة ومضاءة جيدا. تشير الإحصائيات إلى ارتفاع عدد الزبائن شهريا من 58 ألف زيارة قبل التجديد إلى 108 آلاف زيارة منذ بدء التشغيل التجريبي للسوق الجديد في الأول من مايو 2025. كما ارتفع حجم المبيعات الشهرية من 5ر1 مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا) إلى 08ر2 مليون يوان، بزيادة بلغت نسبتها 38%. كانت السوق في السابق تضم العديد من المحلات الفارغة والمتناثرة، أما الآن فقد امتلأت جميع المحلات، وتضاعفت إيرادات معظمها.

قال شي يي منغ، المدير العام لشركة تشنغشي المحدودة في شانغهاي، التي تدير سوق يونغتشانغ، إن التقنيات الذكية تعيد تشكيل عمليات السوق وتقلل الهدر بشكل ملحوظ. في سوق يونغتشانغ، تعرض رموز الاستجابة السريعة القياسية للدفع على موازين إلكترونية تعمل بالذكاء الاصطناعي، كما تظهر بيانات المعاملات وترتيب المتاجر حسب حجم مبيعاتها بوضوح على شاشات ذكية. علاوة على ذلك، تتوفر تغطية شاملة لشبكة الواي فاي والإدارة عن بعد لمرافق المياه والكهرباء وغيرها عبر تطبيقات الهاتف النقال. وقالت يوان شياو لان، وهي صاحبة متجر عملت في السوق القديمة لأكثر من ثلاث سنوات وعادت إلى السوق الجديدة لمواصلة عملها: “لقد تحسنت بيئة السوق بشكل كبير، وتقدم مستوى التقنيات المستخدمة فيها. يمكننا الآن معرفة كمية البضائع الجديدة التي نحتاج إلى جلبها بمجرد النظر إلى الشاشة الكبيرة، مما يجعل بضائعنا تبدو أكثر نضارة. وقد جذب هذا المزيد من الناس، حتى الشباب، للتسوق هنا.”

خارج السوق، تقف حافلة خاصة في الساحة العامة لتشجيع أصحاب المتاجر على المشاركة في تطوير التجمعات السكنية. يشارك السكان في تقييم المتاجر لاختيار المتاجر الحائزة على تصنيف خمس نجوم. تحصل المتاجر التي تحرز هذا التصنيف لثلاث مرات متتالية على إعفاءات تفضيلية من الإيجار وأولوية استخدام الحافلة للترويج لمنتجاتها. تقام فعاليات ترويجية وتذوق أطعمة وأنشطة أخرى على متن الحافلة لتشجيع أصحاب المتاجر وتعزيز التواصل الاجتماعي بين السكان. واستنادا إلى السوق، أنشأت التجمعات السكنية مطاعم ومتاجر سوبرماركت تعمل على مدار الساعة، وروضة أطفال وغرف أنشطة لكبار السن، مما يخلق مجتمعا نابضا بالحياة حيث يمكن للسكان الوصول إلى الخدمات الأساسية في غضون خمس عشرة دقيقة.

الإدارة المشتركة قوة دافعة لتجديد التجمعات السكنية

تجديد التجمعات السكنية ليس مشروعا يقوم به مصمم واحد، بل هو جهد تعاوني يشارك فيه السكان جنبا إلى جنب. ففي مشروع تجديد وتطوير منطقة تايشان السكنية، اتخذ السكان قرارات جماعية بشأن جميع جوانب التصميم والبناء والإدارة. وقد تم إدراج مطالب السكان، مثل “افتتاح مطاعم في التجمعات السكنية” و”إنشاء مركز أنشطة” و”زيادة عدد مواقف السيارات”، ضمن خطط التجديد. وقبل بدء التجديد، عقد مكتب شارع ييتشوان اثني عشر اجتماعا مع السكان، جمع خلالها أكثر من ثلاثة آلاف اقتراح.

انبثقت فكرة إنشاء ستة عشر موقفا جديدا للسيارات عند مدخل طريق هوتاي من الحكمة الجماعية للسكان، حيث يستخدمها معلمو مدرسة ييتشوان الثانوية خلال النهار، ويستخدمها السكان ليلا، ما يلبي احتياجاتهم من مواقف السيارات في أوقات مختلفة من اليوم. وقد راعت مشروعات التجديد العديد من المتطلبات المحددة، فعلى سبيل المثال، جرى ترميم سبعة وخمسين بابا ونافذة قديمة، وتحسين اثنتي عشرة منطقة مخصصة للأنشطة، وإصلاح حواجز الحماية من السرقة في سبعة منازل. علاوة على ذلك، أعيد استخدام ثماني عشرة منطقة غير مستغلة، مثل سقيفة الدراجات المهجورة وأركان الأزقة، وتحويلها إلى حدائق أو محطات خدمة.

شارك ممثلو السكان في جميع جوانب مراقبة جودة المشروع وصيانة الحدائق وإدارة الأنظمة وتنظيم الأنشطة. يعد هذا النموذج من البناء المشترك والإدارة المشتركة والمنفعة المشتركة من أفضل الممارسات لتجديد التجمعات السكنية، وهو ما يدعمه برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية. وقال دو شين هوا، وهو أحد سكان التجمعات السكنية: “إنه منزل أسهمنا في تصميمه، لذا نعتز ونهتم به.”

يرجع سبب شغف الناس بالمدن إلى أمرين، هما تنوعها الفريد وجاذبيتها الإنسانية. وتجسد شانغهاي كلا هذين الأمرين. إن جوهر التجديد الحضري الحقيقي لا يكمن أبدا في محو الماضي لبدء مشروع جديد، بل في إصلاح عيوب المناطق القائمة وجعلها أكثر ملاءمة لحياة السكان. فعندما هدمت الأسوار القديمة لربط التجمعات السكنية، وأعيد بناء المساحات العامة، وحولت الأركان المهجورة إلى حدائق، وجرى تحسين مرافق السوق المحلية، وشارك السكان في صنع القرار وتعززت الروابط داخل التجمعات السكنية.

لقد صارت منطقة تايشان السكنية نموذجا حيا للتجديد الحضري في شانغهاي، وتمثل مشروعا لتجديد التجمعات السكنية القديمة يجسد القيم الصينية، ويمكن للمدن حول العالم الاستفادة منه. وتواصل هذه التجمعات السكنية المزدهرة في حي بوتوه كتابة فصول جديدة في تجديد التجمعات السكنية العمالية القديمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق