آسياأخبار العالمبحوث ودراسات

من “الشراء من العالم” و”البيع حول العالم” إلى “البث المباشر للعالم” إيوو تسلح التجار الأجانب بالذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية الجديدة

في مدينة إيوو بمقاطعة تشجيانغ، يشهد أكثر من 30 ألف تاجر أجنبي مقيم، قادمين من أكثر من مائة دولة ومنطقة حول العالم، التحولات الجديدة التي تعيشها هذه المدينة المعروفة باسم “متجر العالم”. لم يعد هؤلاء يأتون إلى إيوو لشراء السلع فحسب، وإنما أيضا للانخراط في موجة التجارة الرقمية المتنامية. فمن توظيف التقنيات الذكية في دعم المعاملات، إلى تطوير التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، وصولا إلى التسويق والبيع عبر البث المباشر، تواصل إيوو تحسين بيئة التجارة الرقمية، بما يساعد التجار الأجانب على أن يصبحوا “لاعبين جددا” في عصر الاقتصاد الرقمي.

تجارة أكثر كفاءة مع الذكاء الاصطناعي

ما إن تطأ قدماك مركز إيوو العالمي للتجارة الرقمية، حتى تلمس مظاهر التحول الرقمي في كل ركن من أركانه. فعلى يسار المدخل، يتصدر المشهد إعلان لتطبيق “شياوشانغ للملاحة بالذكاء الاصطناعي”. وبمجرد أن يمسح المشتري الأجنبي رمز الاستجابة السريع، يستطيع البحث سريعا عن المتاجر، وتخطيط المسار الأمثل، والوصول بدقة إلى المتجر المستهدف داخل هذه السوق الواسعة.

قال أحد المشترين القادمين من كولومبيا: “في السابق، عندما كنت آتي إلى إيوو للشراء، كنت أقضي كثيرا من الوقت في البحث عن المتاجر بسبب اتساع السوق، وكنت أضل الطريق أحيانا. أما الآن، فبمجرد فتح التطبيق أستطيع الوصول بسرعة إلى المكان الذي أريده، وهذا أسهل بكثير.”

وإلى جانب الملاحة، يتيح هذا التطبيق أيضا خدمة “التعرف على الصور بالذكاء الاصطناعي”. وبالنسبة إلى المشترين الذين يعرفون شكل السلعة، لكنهم لا يعرفون مكان المتجر الذي يبيعها، يكفي تحميل صورة السلعة حتى يتمكن النظام من التعرف على معلوماتها واقتراح المتاجر المناسبة بشكل سريع.

ومع تطبيق تقنيات الترجمة الذكية، بدأت حواجز اللغة بين التجار الأجانب وأصحاب المتاجر المحليين تتلاشى تدريجيا.

عند دخول متجر عرض الروبوتات الذكية التابعة لشركة AgiBot في مركز إيوو العالمي للتجارة الرقمية، تلفت الانتباه بصفة خاصة شاشة شفافة للترجمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. يقف المشتري الأجنبي على أحد جانبي الشاشة، ويطرح بلغته الأم أسئلة حول وظائف المنتج وأسعاره وحلوله وغيرها من الأمور؛ بينما يجيب صاحب المتجر على الجانب الآخر باللغة الصينية، ويقدم شرحا للمنتج. وتتحول كلمات الطرفين على الفور إلى اللغة التي يفهمها الطرف الآخر، فيصبح التواصل وجها لوجه أكثر سلاسة وطبيعية. وقال قوه يان لونغ، مدير المتجر: “يمكن توفير ترجمة فورية تكاد تكون كاملة، وهذا ما رفع كفاءة التواصل بشكل ملحوظ.”

وقد طورت شركة آي فلايتك (IFLYTEK) جهاز الترجمة المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وقد جرى تعميمه في السوق من جانب مركز إيوو العالمي للتجارة الرقمية، لتوفير دعم التواصل بأكثر من لغة، ويحظى الجهاز بترحيب خاص من المشترين القادمين من البلدان غير الناطقة بالإنجليزية.

ولا يزال قوه يان لونغ يتذكر تجربة شراء أحد العملاء القادمين من تايلاند. ففي ذلك اليوم، جاء هذا العميل إلى المتجر للاستفسار عن منتجات الروبوتات الذكية، وبسبب اختلاف اللغة، استعان الطرفان بشاشة الترجمة الشفافة للتواصل. وبدءا من عرض المنتج وشرح وظائفه وصولا إلى توضيح سيناريوهات استخدامه، لم تواجه عملية التفاوض برمتها تقريبا أي عوائق في التواصل. وبعد بضع عشرة دقيقة فقط، قرر العميل على الفور شراء روبوت بقيمة ثمانية وتسعين ألف يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا). قال قوه يان لونغ: “كانت في الأصل مجرد استشارة عادية بشأن منتج، ولم أتوقع أن تنتهي بإتمام صفقة.”

وإلى جانب العثور على المتجر وإتمام التفاوض، تساعد التكنولوجيا أيضا التجار الأجانب على “مقارنة الأسعار بوضوح”. ففي الماضي، كان المشترون الأجانب، الذين يأتون إلى إيوو، يضطرون في كثير من الأحيان إلى التنقل بين الأكشاك واحدا تلو الآخر، وتسجيل الأسعار يدويا، ثم مقارنة السلع والأسعار مرارا، حتى بدت عملية اختيار المنتجات أشبه بـ”عمل استخباراتي”. أما الآن، فعند فتح منصة Yiwugo أو منصة Chinagoods وإدخال الكلمات المفتاحية، تظهر معلومات أسعار السلع المماثلة ومواصفاتها وحجم مبيعاتها وغيرها، مما يسهم في رفع كفاءة الشراء بدرجة كبيرة.

من العثور على المتاجر والسلع إلى التواصل ومقارنة الأسعار، تعيد التقنيات الرقمية تشكيل مختلف تفاصيل تجربة الشراء لدى التجار الأجانب في إيوو. ولا يقتصر التغيير على أسلوب إتمام الصفقات فحسب، وإنما أيضا يشمل قدرة السوق على ربط التجار بالأسواق من مختلف أنحاء العالم.

“البيع حول العالم” بالتجارة الإلكترونية العابرة للحدود

في ظل موجة التجارة الرقمية، يشهد عدد متزايد من التجار الأجانب تحولا في أدوارهم. فلم يعودوا يأتون إلى إيوو لشراء السلع وإعادتها إلى بلدانهم لبيعها فحسب، وإنما أيضا بدأوا يستفيدون من التجارة الإلكترونية العابرة للحدود لبيع منتجات إيوو مباشرة إلى الأسواق العالمية. واستجابة لهذا المطلب، تواصل إيوو تحسين نظام خدمات التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، بدءا من ربط سلاسل التوريد وتشغيل المنصات، وصولا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لتوفير دعم متكامل للتجار الأجانب في مختلف مراحل العمل.

قال هوانغ ليانغ، الأمين العام التنفيذي لجمعية إيوو للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود: “هناك تاجر أجنبي من نيبال اسمه بيشنو استقر في إيوو منذ أكثر من عشر سنوات. وقد بدأ نشاطه في مجال التجارة الخارجية التقليدية، ومع ازدهار التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، بدأ يفكر أيضا في توسيع أعماله عبر الإنترنت. وبعد أن تتعرف الجمعية على وضعه، ساعدته في الوصول إلى موارد سلاسل التوريد المحلية وشركات الخدمات اللوجستية، كما قدمت له إرشادات في مجال التشغيل، وتمكنت في النهاية من مساعدته على استكمال مختلف عمليات التجارة الإلكترونية العابرة للحدود.” أضاف هوانغ ليانغ: “إن القدرة على الاستقرار في إيوو لأكثر من عشر سنوات بحد ذاتها تدل على وجود بيئة أعمال جيدة هنا، كما أن تطور التجارة الإلكترونية العابرة للحدود فتح أمام أعماله آفاقا جديدة للنمو.” حاليا، يستفيد عدد متزايد من التجار الأجانب مثل بيشنو من تطور التجارة الإلكترونية العابرة للحدود في إيوو. وخلال السنوات الأخيرة، واصلت جمعية إيوو للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود تنظيم دورات تدريبية في هذا المجال للتجار الأجانب.

وفي نوفمبر من العام الماضي، وبمبادرة من سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الصين، جاءت سبع عشرة رائدة أعمال إماراتية إلى إيوو لدراسة نماذج تشغيل منصات التجارة الإلكترونية بصورة منهجية. فمن جهة، تعلمن كيفية الاستفادة من منصات مثل تيك توك وTmall لبيع المنتجات الإماراتية في السوق الصينية، ومن جهة أخرى، تعلمن كيفية استخدام منصة أمازون في الشرق الأوسط ومنصات التجارة الإلكترونية المحلية لبيع منتجات إيوو في أسواق الشرق الأوسط، بما يسهم في تعزيز التعاون التجاري المتبادل بين الجانبين.

وبوصفها حلقة وصل مهمة بين الحكومة والمنصات والشركات، تواصل جمعية إيوو للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود تنظيم دورات تدريبية مجانية، لمساعدة رواد الأعمال الصينيين والأجانب على اكتساب مهارات جديدة في مجال التجارة الرقمية. وتشمل هذه الدورات تشغيل المنصات الدولية الرئيسية مثل أمازون وتيمو (Temu) وتيك توك، إلى الجوانب العملية المتعلقة بالخدمات اللوجستية والتسويق، فضلا عن تطبيق الأدوات الذكية، مثل اختيار المنتجات بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وهكذا، يتلقى عدد متزايد من رواد الأعمال الأجانب هنا “درسهم الأول” في التجارة الإلكترونية العابرة للحدود.

قال هوانغ ليانغ: “دوراتنا مفتوحة أمام المشاركين من مختلف أنحاء البلاد، ونرحب أيضا بمشاركة رواد الأعمال الأجانب، ونأمل في مساعدة مزيد من الناس على تعلم التجارة الإلكترونية العابرة للحدود وبيع منتجات إيوو إلى مختلف أنحاء العالم.”

بيع المنتجات حول العالم عبر البث المباشر

لم يغير تطور التجارة الإلكترونية العابرة للحدود طريقة تداول السلع فحسب، وإنما أيضا أتاح أنماطا تجارية جديدة، من بينها البيع عبر البث المباشر. في مركز البث المباشر المتعدد اللغات للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، التابع لمعهد إيوو للتقنية المهنية والصناعة والتجارة، يكفي هاتف محمول واحد ومصباح إضاءة ومنصة لعرض المنتجات لبدء بث مباشر تدريبي.

أمام الكاميرا، يشرح الطلاب المنتجات، ويجيبون عن أسئلة المستهلكين في الخارج، بينما يقدم المعلمون من خلف الكاميرا إرشاداتهم حول مهارات البث المباشر. بدءا من تصوير مقاطع الفيديو القصيرة والبيع عبر البث المباشر وصولا إلى المونتاج وإدارة وسائل التواصل الاجتماعي في خارج الصين، أصبحت هذه المهارات، التي كانت الشركات تحتاج في السابق إلى سنوات لتدريب موظفيها عليها، جزءا من المحتوى العملي في الفصول الدراسية.

ومن بين المستفيدين من ذلك عهد أحمد صالح، وهي طالبة يمنية تدرس في الصين. وعن تجربتها قالت شيونغ آي شا، المعلمة في معهد إيوو للتقنية المهنية والصناعة والتجارة: “عندما بدأت عهد خوض تجربة البث المباشر، كانت تشعر بالخجل أمام الكاميرا مثل كثير من زملائها.” لا يطلب المعلمون من الطلاب الظهور أمام الكاميرا بالضرورة، بل يشجعونهم على البدء بعرض المنتجات فقط، ثم ممارسة التعبير وبناء الثقة بالنفس تدريجيا.

وبفضل إتقانها اللغتين الإنجليزية والعربية، سرعان ما اكتشفت عهد ميزتها الخاصة. ففي غرفة البث المباشر على منصة تيك توك، تعرض منتجات إيوو، وتتفاعل لحظيا مع المستهلكين في الخارج، وقد تمكنت تدريجيا من بناء قاعدة مستقرة من العملاء. واليوم، يتراوح دخلها الشهري من البث المباشر بين ألف وألفي دولار أمريكي.

وخلال السنوات الأخيرة، وسعت معهد إيوو للتقنية المهنية والصناعة والتجارة أيضا تعليم التجارة الإلكترونية العابرة للحدود ليشمل الخارج. وفي إطار مشروع “معهد طريق الحرير لإيوو” في المغرب، أوفدت المعهد تباعا معلمين إلى هناك لتدريس التجارة الدولية والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود والتسويق عبر البث المباشر، لمساعدة الطلاب المحليين على فهم نموذج الصين في تطوير التجارة الرقمية. وبعد إكمال عامين من الدراسة، يختار بعض الطلاب القدوم إلى إيوو لمواصلة دراستهم عاما آخر، ثم الالتحاق بالشركات للتدريب العملي.

ومن بين هؤلاء الطالب السنغالي نيكولاس. فبعد وصوله إلى إيوو، التحق بإحدى الشركات للتدرب على إدارة وسائل التواصل الاجتماعي خارج الصين، بالتوازي مع مواصلة إدارة حسابه على تيك توك، حيث يوثق تجربته في الدراسة وريادة الأعمال في الصين. وقد تجاوز عدد متابعيه حتى الآن عشرة آلاف متابع.

من “متجر العالم” إلى وجهة عالمية جديدة للتجارة الرقمية، تمضي إيوو في ترسيخ مكانتها من خلال سلسلة من الممارسات المبتكرة، مؤكدة أن الانفتاح لا يعني تداول السلع فحسب، وإنما أيضا تبادل القدرات وتقاسم الفرص.

ومع تزايد أعداد رواد الأعمال الأجانب الذين يتعلمون هنا مهارات التجارة الرقمية وينخرطون في الاقتصاد الرقمي، تواصل إيوو كتابة فصول جديدة في قصةتعزيز روابطها بالعالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق