الرياض وروما تعززان التعاون الاقتصادي وتتجهان نحو أسواق ثالثة

قسم الأخبار الدولية 01-10-2026
تدفع السعودية وإيطاليا بعلاقاتهما الاقتصادية نحو مرحلة أكثر عملية، مع توجه متزايد لتعزيز التعاون بين الشركات والمؤسسات الاستثمارية في البلدين، إلى جانب البحث عن فرص مشتركة في أسواق ثالثة، خصوصاً في الدول التي تشهد مشاريع تنموية وبنية تحتية واسعة. وجاء هذا التوجه بالتزامن مع توقيع المؤسسة الإيطالية للتمويل والتنمية «كاسا ديبوزيتي إي بريستيتي» (CDP) مذكرتي تفاهم في الرياض مع صندوق التنمية الوطني السعودي واتحاد الغرف السعودية، بما يعكس توجهاً نحو تحويل الشراكة الاقتصادية بين البلدين إلى مشاريع واستثمارات ملموسة.
وتهدف المذكرة الأولى، الموقعة بين «CDP» وصندوق التنمية الوطني السعودي، إلى تعزيز التعاون في مجالات التمويل التنموي والاستثمار، وتطوير فرص تمويل واستثمار مشتركة، إلى جانب تبادل الخبرات وإشراك صناديق وبنوك التنمية التابعة للصندوق السعودي. كما تفتح المذكرة المجال أمام دراسة فرص تمويل مشتركة ومشاريع يتم تنفيذها بالتعاون بين الجانبين، بما في ذلك مشاريع في دول ثالثة، مع تركيز خاص على القارة الأفريقية.
أما المذكرة الثانية، التي أبرمت بين «CDP» واتحاد الغرف السعودية، فتركز بصورة أكبر على دعم قطاع الأعمال وتعزيز التواصل المباشر بين الشركات السعودية والإيطالية. وتتضمن الاتفاقية تطوير منصة لمطابقة الأعمال تهدف إلى ربط الشركات الصغيرة والمتوسطة في البلدين، ومساعدتها على الوصول إلى شركاء محتملين واستكشاف فرص تجارية واستثمارية جديدة، إلى جانب توفير قنوات اتصال لمساعدة الشركات الإيطالية الراغبة في دخول السوق السعودية.
وقال داريو سكانابيكو، الرئيس التنفيذي لـ«CDP»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن التعاون بين البلدين لا ينبغي أن يقتصر على السوقين السعودية والإيطالية، بل يمكن أن يمتد إلى «أسواق ثالثة»، مشيراً إلى أن الشركات الإيطالية تستطيع الاستفادة من الفرص التي يوفرها الاقتصاد السعودي المتنوع، في حين يمكن للشركات السعودية والإيطالية التعاون في مشاريع خارج البلدين. ويأتي هذا التصور ضمن توجه أوسع لتطوير شراكات اقتصادية عابرة للحدود، خصوصاً في الأسواق التي تحتاج إلى استثمارات وخبرات صناعية وتقنية.
وتولي الاتفاقيات الجديدة أهمية خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل إحدى الركائز الأساسية في توسيع قاعدة العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فبينما تتمتع الشركات الإيطالية بخبرة واسعة في مجالات الصناعة والهندسة والتكنولوجيا والتصنيع، تمتلك الشركات السعودية حضوراً متزايداً في السوق المحلية وقدرات على الوصول إلى المشاريع الكبرى المرتبطة بخطط التنويع الاقتصادي. ومن شأن ربط هذه الإمكانات عبر منصات الأعمال والتمويل أن يفتح المجال أمام شراكات أكثر استدامة بين القطاع الخاص في البلدين.
وتتزامن هذه الخطوة مع توسع التحرك الاقتصادي الإيطالي في منطقة الخليج، حيث قاد «CDP» و«SIMEST» جولة اقتصادية شملت الدوحة وأبوظبي والرياض وجدة، بهدف جذب الاستثمارات إلى إيطاليا، ودعم توسع الشركات الإيطالية في أسواق الخليج، وبناء شراكات لمشاريع مشتركة في دول ثالثة. وخلال المحطة السعودية، عقد الوفد الإيطالي لقاءات مع عدد من المؤسسات والصناديق والمستثمرين، من بينها صندوق التنمية الوطني وصندوق الاستثمارات العامة والبنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية ومبادرة «مدن»، لبحث فرص التعاون في الاستثمار والتنمية الصناعية وأسواق رأس المال ودعم الشركات.
ويشكل مشروع «رؤية السعودية 2030» أحد المجالات الرئيسية التي يمكن أن تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية بين الرياض وروما، في ظل تركيز المملكة على تنويع اقتصادها وتطوير قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والسياحة والخدمات اللوجستية. وفي هذا السياق، تبحث المؤسسات الإيطالية عن فرص للمشاركة في المشاريع الكبرى المرتبطة بالتحول الاقتصادي السعودي، بينما تسعى الرياض إلى جذب الخبرات والاستثمارات والشراكات الدولية التي تدعم أهداف التنويع الاقتصادي.
كما يشكل «إكسبو 2030 الرياض» مجالاً إضافياً للتعاون المحتمل، إذ أشارت «CDP» إلى إمكانية مشاركة الشركات الإيطالية في المشاريع المرتبطة بالحدث، باعتباره أحد المشاريع الكبرى التي يمكن أن توفر فرصاً للشركات المتخصصة في البناء والهندسة والتكنولوجيا والخدمات. وتندرج هذه المشاريع ضمن مجموعة أوسع من المبادرات السعودية التي تستقطب اهتمام الشركات الدولية في إطار التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة.
ولا تقتصر أهمية الاتفاقيتين على تعزيز التجارة الثنائية، بل تمتد إلى بناء آليات مؤسسية لتسهيل حركة الاستثمارات والشراكات بين القطاع الخاص في البلدين. فمذكرة التفاهم مع اتحاد الغرف السعودية تتضمن تعيين نقاط اتصال مخصصة لمساعدة الشركات والمستثمرين، في حين تتيح مذكرة التعاون مع صندوق التنمية الوطني إمكانية تطوير أدوات تمويلية مشتركة ودعم الشركات الإيطالية الراغبة في التوسع داخل السوق السعودية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يشكل التعاون في الأسواق الثالثة أحد أبرز المسارات الجديدة في العلاقات الاقتصادية السعودية الإيطالية، ولا سيما في أفريقيا، حيث تشير «CDP» إلى إمكانية إنشاء صناديق موضوعية وتمويل مشاريع مشتركة في دول القارة. ويجمع هذا المسار بين القدرات التمويلية والمؤسساتية الإيطالية والقدرات الاستثمارية والشبكات الاقتصادية السعودية، بما يتيح للطرفين البحث عن مشاريع مشتركة خارج أسواقهما الوطنية.
وتعكس هذه التطورات اتجاهاً نحو توسيع طبيعة الشراكة بين الرياض وروما من العلاقات التجارية والاستثمارية الثنائية إلى تعاون اقتصادي أكثر اتساعاً، يقوم على تمويل المشاريع وربط الشركات وتبادل الخبرات والدخول المشترك إلى أسواق جديدة. ويشير توقيع مذكرتي التفاهم إلى محاولة بناء أدوات عملية لتنفيذ هذا التوجه، بينما ستظل نتائجه مرتبطة بقدرة المؤسسات والشركات في البلدين على تحويل الاتفاقات إلى مشاريع واستثمارات وشراكات فعلية خلال المرحلة المقبلة.



