أخبار العالم

تصاعد الخلافات يعقد المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران

تواجه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من الجمود، رغم استمرار قنوات الاتصال غير المباشر بين الطرفين بوساطة إقليمية. وبينما تحاول قطر، إلى جانب وسطاء إقليميين آخرين، تقريب وجهات النظر وإعادة إطلاق مسار تفاوضي أكثر استقراراً، لا تزال الخلافات الأساسية بين واشنطن وطهران تحول دون التوصل إلى اتفاق بشأن وقف التصعيد وإعادة فتح مسار الملاحة في مضيق هرمز.

وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع من الاتصالات غير المباشرة التي تكثفت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث جرت اتصالات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين عبر وسطاء، قبل أن تواجه المفاوضات عقبات حالت دون تحقيق اختراق سياسي. وكانت طهران قد قدمت مقترحاً يقوم على إجراءات متبادلة لبناء الثقة لمدة سبعة أيام، يتضمن خطوات مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود المفروضة على الملاحة، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض المقترح بصيغته الأولية.

ورغم تعثر المفاوضات، لم تتوقف الاتصالات بين الطرفين بصورة كاملة. فقد نقلت إيران في 30 سبتمبر أنها تلقت، عبر وسطاء قطريين، رداً أميركياً على مقترحها المتعلق بخطة بناء الثقة، فيما تستمر الدوحة في محاولة تضييق الفجوة بين المواقف الأميركية والإيرانية. وتركز النقاشات الحالية بصورة خاصة على ترتيب تنفيذ الخطوات المتبادلة، في ظل اختلاف الطرفين حول أي الإجراءات ينبغي أن تسبق الأخرى.

وتلعب قطر دوراً محورياً في هذا المسار، بعدما حافظت منذ بداية الأزمة على قنوات اتصال مع كل من واشنطن وطهران. كما شاركت سلطنة عُمان وباكستان في جهود الوساطة خلال مراحل مختلفة من الأزمة، في إطار مساعٍ إقليمية لمنع تحول المواجهة الأميركية الإيرانية إلى صراع مفتوح ذي تداعيات أوسع على منطقة الخليج والشرق الأوسط. وكانت الدوحة قد أكدت في وقت سابق استمرار جهودها بالتنسيق مع مسقط وإسلام آباد بهدف إبقاء باب الحوار مفتوحاً.

يمثل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات الحالية، نظراً إلى أهميته بالنسبة لحركة التجارة والطاقة العالمية. وتسعى واشنطن إلى ضمان حرية الملاحة عبر المضيق، بينما تربط طهران بعض إجراءاتها المتعلقة بالملاحة ووقف التصعيد برفع القيود والعقوبات المفروضة عليها.

وقد جعل هذا الترابط من الملف البحري جزءاً أساسياً من أي تسوية محتملة، إلى جانب القضايا النووية والأمنية. وتكشف المقترحات المتداولة بين الطرفين أن الخلاف لم يعد يقتصر على مسألة وقف الأعمال العسكرية، بل امتد إلى طبيعة الترتيبات التي ستنظم مرحلة ما بعد التصعيد والضمانات التي يمكن أن تمنع عودة المواجهة.

وتزداد أهمية مضيق هرمز في ظل تأثير التوترات على أسواق الطاقة العالمية. فقد ارتفعت أسعار النفط في الأول من أكتوبر وسط استمرار المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة واضطرابات التجارة، في وقت تراقب فيه الأسواق عن كثب مستقبل حركة الملاحة في الخليج.

إلى جانب أزمة الملاحة، يبقى الملف النووي الإيراني والعقوبات الأميركية من أبرز نقاط الخلاف. وتطالب واشنطن بتنازلات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بينما تربط طهران أي تقدم في المفاوضات بتلبية مجموعة من مطالبها المتعلقة بالعقوبات والضمانات ووقف الضغوط الاقتصادية.

وقد أدى اختلاف الطرفين حول تسلسل هذه الإجراءات إلى تعطيل مسار التفاوض. فبينما تسعى إيران إلى الحصول على خطوات ملموسة في مجال رفع القيود قبل تقديم تنازلات أوسع، تريد واشنطن ضمانات وإجراءات إيرانية مسبقة قبل تخفيف الضغوط. ويشكل هذا التباين في ترتيب الالتزامات أحد أبرز العوائق أمام الوساطة الحالية.

وكانت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قد وفرت فرصة لإجراء اتصالات غير مباشرة بين الطرفين، إلا أن المحادثات التي جرت في نيويورك خلال أواخر سبتمبر لم تؤد إلى اتفاق نهائي.

وفي تطور عكس حجم التوتر الدبلوماسي، أفادت تقارير بأن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمر الوفد الإيراني، الذي كان يضم وزير الخارجية عباس عراقجي، بمغادرة الولايات المتحدة في وقت أبكر من الموعد المتوقع، بعد تعثر المفاوضات. في المقابل، رفض الجانب الإيراني توصيف المغادرة باعتبارها طرداً، مؤكداً أن مغادرة الوفد كانت مقررة مسبقاً.

ويعكس هذا التطور استمرار مستوى مرتفع من عدم الثقة بين الطرفين، رغم وجود قنوات اتصال خلفية. كما يؤكد أن استئناف الحوار لا يعني بالضرورة وجود توافق سياسي حول القضايا الجوهرية.

ويأتي التعثر الدبلوماسي في وقت لا تزال فيه احتمالات التصعيد العسكري قائمة. فقد أعلنت إيران استعدادها لاتخاذ إجراءات رد أوسع في حال تعرضها لهجمات جديدة، في حين تبقي الولايات المتحدة خياراتها العسكرية مفتوحة. وفي الوقت ذاته، تستمر جهود الوسطاء الإقليميين لتجنب انهيار قنوات الاتصال بالكامل.

وتحاول الوساطة القطرية، وفق المعطيات الأخيرة، التركيز على صيغة مرحلية يمكن أن تسمح للطرفين باتخاذ خطوات متبادلة دون الحاجة إلى التوصل منذ البداية إلى اتفاق شامل. إلا أن الفجوة بين المواقف لا تزال واسعة، خصوصاً فيما يتعلق بالعقوبات والبرنامج النووي وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.

وبذلك، يبدو المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران عالقاً بين خيارين متوازيين: الإبقاء على قنوات الوساطة مفتوحة لمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة، أو استمرار التصعيد في حال فشل الطرفين في الاتفاق على تسلسل مقبول للخطوات المتبادلة.

وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والتوترات العسكرية، تكتسب الوساطات الإقليمية أهمية متزايدة باعتبارها إحدى القنوات القليلة القادرة على الحفاظ على التواصل غير المباشر بين واشنطن وطهران. غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة بشأن الملفات التي حالت حتى الآن دون تحويل الاتصالات إلى اتفاق سياسي مستدام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق