حدود القوة الأمريكية ومشكلة الحرب المتزامنة وقلق الحلفاء: قراءة في تحولات الردع والتحالفات

إعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية 21-08-2026
مقدمة
تبدو عبارة قدرة الولايات المتحدة على خوض حروب متعددة في وقت واحد للوهلة الأولى سؤالاً عسكرياً يتعلق بحجم القوات والأساطيل والطائرات وحجم الإنفاق الدفاعي غير أن هذا التعريف ضيق للغاية وسطحي جدا بل هو يتجاوز التقديرات العسكرية ليصبح موضوعا للخبراء العسكريين والسياسيين.
فالمشكلة الاستراتيجية التي تواجه واشنطن وحلفاءها ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع فتح أكثر من جبهة في الوقت نفسه؛ فهذا أمر تستطيع فعله بوضوح.
والسؤال الأكثر دقة هو ما إذا كانت قادرة على “إدارة عدة صراعات كبرى وممتدة، ضد خصوم متقدمين، مع الحفاظ على مستوى كافٍ من التفوق العملياتي، وتعويض الخسائر، وتأمين خطوط الإمداد، والحفاظ على تماسك تحالفاتها، ومنع انتقال الحرب من مسرح إلى آخر.
هذا التحول في صياغة السؤال مهم، لأنه ينقل النقاش من قياس القوة الاسمية إلى قياس القدرة الفعلية على الاستمرار.
فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك مزيجاً استثنائياً من القوة البحرية والجوية والفضائية والاستخباراتية واللوجستية، فضلاً عن شبكة تحالفات لا يملكها أي منافس منفرد. لكن القوة العسكرية ليست مخزوناً ثابتاً يمكن توزيعه بلا تكلفة. بعض عناصر القوة الأمريكية يمكن زيادتها أو إعادة توزيعها نسبياً، بينما توجد عناصر أخرى محدودة العدد أو بطيئة الاستبدال أو تعتمد على قاعدة صناعية تحتاج إلى سنوات للتوسع.
ومن هنا تنشأ مشكلة “التزامن”: ماذا يحدث إذا لم تختر واشنطن مكان الحرب وتوقيتها، بل اختار خصمان أو أكثر توقيتاً متقارباً لفرض أزمات مختلفة عليها؟
الجزء الأول: حلفاء الولايات المتحدة يشككون في قدرتها على شن حروب متعددة في وقت واحد
تطرح هذه الورقة فكرة أساسية وهي: الشك لدى بعض حلفاء واشنطن يتعلق أساساً بالسؤال: هل يستطيع الجيش الأمريكي خوض حربين في وقت واحد؟
فالحقيقة الموضوعية لأكبر قوة عسكرية في العالم أنّ الولايات المتحدة تستطيع فتح عمليات عسكرية في عدة مسارح في الوقت نفسه.
ولكن السؤال الأكثر خطورة هو: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على حربين كبيرتين وممتدتين، ضد خصوم كبار، مع المحافظة في الوقت نفسه على مخزون الذخائر، والدفاع الجوي، والاستطلاع الفضائي، والناقلات، والسفن، والقيادة والسيطرة، والقدرة الصناعية على التعويض؟
وهنا تصبح الإجابة أقل اطمئناناً للحلفاء قبل الخصوم الذين يضخون أموالا كبيرة ويعوّلون على واشنطن والآلة العسكرية الأمريكية لكي تحميهم وتدافع عنهم.
فالدراسات الأمريكية الحديثة نفسها قد طرحت الموضع بكل صراحة وتحدثت عن “مشكلة التزامن”simultaneity problem أي احتمال أن يتحرك خصمان أو أكثر في مسارح مختلفة في الوقت نفسه.
وفي هذا الطرح المشكلة الحقيقية ليست عدد الجنود، إذ من السهل النظر إلى حجم الجيش الأمريكي والقول: الولايات المتحدة أقوى دولة عسكرياً، إذن تستطيع خوض عدة حروب لكن الحرب الحديثة تستهلك أشياء أكثر ندرة من الجنود مثل:
1- صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي والصاروخي.
2- الصواريخ بعيدة المدى.
3- الذخائر الدقيقة.
4- طائرات التزود بالوقود.
5- طائرات الإنذار والاستطلاع.
6- الأقمار الصناعية.
7- الغواصات.
8- قطع الغيار.
9- قدرات النقل الاستراتيجي.
10- شبكات القيادة والسيطرة.
هذه القدرات ليست قابلة للتوزيع بلا حدود.
والأكثر حساسية أن بعض هذه الأصول “عالية القيمة ومنخفضة الكثافة”؛ أي أن عددها محدود، ولا يمكن ببساطة إنتاجها أو مضاعفتها خلال أسابيع. وقد أشارت تحليلات عسكرية أمريكية إلى أن بعض الأنظمة تحتاج سنوات لزيادة الإنتاج بصورة كبيرة..
هنا تظهر الصين في الحسابات الأمريكية والسيناريو الكابوس الذي يطرحه قادة البنتاغون دائما ويضعونه نصب أعينهم بل وهناك دراسات تقام حول موضوع “ازمة في تايوان بالتوازي مع أزمة كبيرة في أوروبا وفي المحيط الهادئ تحتاج واشنطن إلى: غواصات وطائرات وصواريخ بعيدة المدى واستطلاع فضائي ودفاع جوي وناقلات وقواعد وقوات بحرية. وفي أوروبا تحتاج في الوقت نفسه إلى: دفاع جوي واستخبارات وطائرات وذخائر وقيادة وسيطرة ونقل وإمداد.
وبحسب تقديرات البنتاغون ستكون المشكلة أن بعض هذه الموارد نفسها مطلوبة في المسرحين.
وهذا هو جوهر القلق الأمريكي: ليست المسألة تقسيم الجيش إلى نصفين، وإنما أن بعض القدرات لا يمكن تقسيمها بسهولة.
والمفارقة ان واشنطن نفسها تعترف بالمشكلة ولكن بطريقة مختلفة: استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 لا تقول ببساطة: سنخوض حربين كبيرتين وحدنا بل تتحرك نحو نموذج مختلف: الولايات المتحدة تقود المسرح الأكثر أهمية، والحلفاء يتحملون قدراً أكبر من العبء في المسارح الأخرى.
الاستراتيجية التي صاغها البنتاغون تدعو صراحة إلى أن يتولى الحلفاء مسؤولية أكبر عن دفاعهم، خصوصاً في أوروبا والشرق الأوسط، بينما تركز الولايات المتحدة على الأولويات التي ترى أن القوة الأمريكية ضرورية فيها، وعلى رأسها الردع في المحيطين الهندي والهادئ.
وهذه نقطة شديدة الأهمية لأنها تعني أن الاستراتيجية الأمريكية نفسها تحاول حل مشكلة الحرب المتعددة الجبهات من خلال الحلفاء، وليس فقط من خلال زيادة حجم الجيش الأمريكي.
لماذا يشعر الحلفاء بالقلق الآن؟
السبب الأول: عملي جداً: الذخائر الحربية وخاصة الدفاعية
الحرب مع إيران في 2026 استهلكت كميات كبيرة من بعض الأنظمة الأمريكية، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى إعادة بناء مخزوناتها استعداداً لصراعات مستقبلية تراها قريبة في المحيطين الهادئ والهندي.
والدليل الأكثر وضوحاً أن الولايات المتحدة أبرمت في أغسطس 2026 عقداً ضخماً مع RTX لرفع إنتاج صواريخ Tomahawk من نحو 60 سنوياً إلى أكثر من 1,000 سنوياً.
هذا الرقم بحد ذاته يحمل رسالة استراتيجية: وهي أنّ واشنطن لا تقوم فقط بتسليح نفسها؛ إنها تعيد بناء القدرة الصناعية على الحرب.
وهناك تقارير عسكرية مختصة أمريكية تقر من أنّ نقص الذخائر الأمريكية ليس نتيجة حرب إيران وحدها، وإنما تراكم لمشكلات استراتيجية وصناعية ومؤسسية وتشغيلية.
السبب الثاني والأخطر: الحرب الطويلة
الجيش الأمريكي مصمم ليكون شديد القوة في الضربة الأولى والعمليات عالية التقنية، ولكنها قد فشلت في الحرب الأخيرة مع إيران وجعلتها تعيد التفكير في استراتيجية الحرب السريعة والدقيقة.
الولايات المتحدة الأمريكية تدرك تماما أن الصين أو روسيا تستطيعان التفكير بطريقة مختلفة: ماذا يحدث بعد 6 أشهر؟ بعد سنة؟ أو حتى بعد سنتين من الحرب؟ وهنا تدخل القدرة الصناعية.
إذا أطلقت الولايات المتحدة آلاف الصواريخ خلال فترة قصيرة، فلا يكفي أن تكون لديها القدرة على إطلاقها؛ يجب أن تستطيع إعادة إنتاجها باستمرار، ولهذا أصبحت الصناعة الدفاعية جزءاً من الردع نفسه.
المشكلة التي طرحت عند المستشارين العسكريين في البنتاغون تكمن بالأساس بأن انخفاض مخزونات الذخائر والقيود الصناعية يمكن أن يغير حسابات الخصوم بشأن قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في حرب طويلة.
السبب الثالث: مؤشر أكثر إثارة للاهتمام وهو حاملات الطائرات
في أغسطس 2026، أدى نقل حاملة الطائرات USS George Washington من اليابان إلى الشرق الأوسط إلى ترك غرب المحيط الهادئ مؤقتاً من دون حاملة أمريكية، وهو أمر أثار نقاشاً وسط البنتاغون وكذلك حلفاء قبل أعداء الولايات المتحدة حول مدى تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الردع الأمريكي في آسيا.
وتعتبر هذه العملية هي بالأساس تجربة عملية لمشكلة توزيع القوة فإذا احتاج الشرق الأوسط إلى أصل عسكري أمريكي مهم، فإن ذلك الأصل لا يستطيع في اللحظة نفسها القيام بالمهمة نفسها في المحيط الهادئ. وهنا ما جعل الحليف الياباني أو الكوري أو الفلبيني بالتساؤل: إذا حدثت أزمة في منطقتي غداً، هل ستكون الأصول الأمريكية هنا أم في مكان آخر؟
ويعتبر هذا السؤال أخطر من السؤال عن حجم الميزانية الدفاعية الأمريكية.
السبب الرابع: ثقة الحليف أصبحت جزءاً من الحرب نفسها
هناك مستوى أعمق من المسألة العسكرية فالخصم لا يحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً كي يحقق هدفاً استراتيجياً. يكفي أحياناً أن يقنع حليفاً أمريكياً بأن: واشنطن لن تستطيع الوصول إليك عندما تحتاج إليها. وعندها يبدأ الحليف في:
1- زيادة إنفاقه العسكري.
2- تخزين الذخائر.
3- تطوير صناعاته الدفاعية.
4- البحث عن ترتيبات أمنية إضافية.
5- اتخاذ مواقف أكثر استقلالاً.
6- وربما التفكير في تقديم تنازلات للخصم لتجنب الحرب.
وهنا يتحول الشك في القدرة الأمريكية إلى عامل يمكن أن ينتج آثاراً جيوسياسية حقيقية حتى من دون إطلاق رصاصة.
لذلك فإن الصورة الأدق هي أنّ الولايات المتحدة تستطيع فتح عدة جبهات لكن قدرتها على خوض عدة حروب كبرى وطويلة بنفس الكثافة وفي الوقت نفسه أصبحت موضع شك حقيقي لدى الحلفاء ونقطة ضعف لدى الخصوم وسيتم البناء عليها…
إعادة تعريف معنى القوة الأمريكية
وإذا أردنا قراءة الأمر استراتيجياً، فربما أهم ما يحدث الآن هو إعادة تعريف معنى القوة الأمريكية.
وواشنطن تنتقل تدريجياً من نموذج أمريكا تستطيع الدفاع عن الجميع في كل مكان إلى نموذج أمريكا تختار أين تستخدم قوتها القصوى، وعلى الحلفاء أن يمنعوا انهيار المسارح الأخرى.
وهذا يفسر الضغط الأمريكي المتزايد على الأوروبيين والآسيويين والخليجيين لزيادة الإنفاق والقدرات المحلية. الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية لعام 2026 تضع تقاسم العبء مع الحلفاء في قلب تصورها لمواجهة الهجمات المتزامنة.
والنتيجة المحتملة هي ظهور نظام أمريكي متعدد الطبقات:
1- المحيط الهادئ: أولوية أمريكية قصوى.
2- أوروبا: قدرة أوروبية أكبر مع دعم أمريكي نوعي.
3- الشرق الأوسط: اعتماد أكبر على الحلفاء والشركاء الإقليميين.
4- الولايات المتحدة: الاحتفاظ بالقدرات التي يصعب على أي حليف تعويضها، مثل بعض قدرات الفضاء والاستخبارات والضربات بعيدة المدى والقيادة والسيطرة.
وهذا هو السبب في أن الشك الحالي لا يعني بالضرورة أن الحلفاء يعتقدون أن الولايات المتحدة الامريكية ضعيفة بل إن القلق الأكثر واقعية هو: أنّ أمريكا ما زالت قوية جداً، لكن هل هي قوية بما يكفي لتلبية كل الالتزامات الأمريكية في اللحظة نفسها إذا اختار خصمان كبيران التوقيت نفسه؟
الجزء الثاني: الفرق بين القدرة على القتال والقدرة على الاستمرار
من أكثر الأخطاء شيوعاً في تقييم القوة الأمريكية مساواة القدرة على تنفيذ عملية عسكرية بالقدرة على تحمل حرب طويلة.
يمكن لدولة أن تمتلك قدرة هائلة على توجيه ضربة أولى، لكنها تكون أقل قدرة على الحفاظ على مستوى العمليات نفسه بعد أشهر من القتال. ويزداد هذا الفرق أهمية عندما يكون الخصم دولة كبيرة تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية قادرة على إنتاج الذخائر وإعادة بناء قواتها لذلك يجب التمييز بين ثلاث طبقات من القوة:
- الطبقة الأولى: هي القدرة المتاحة الآن: ما تستطيع القوات المسلحة استخدامه فوراً.
- الطبقة الثانية: هي القدرة القابلة للتعبئة: ما يمكن إضافته خلال أسابيع أو أشهر.
- الطبقة الثالثة: الثالثة هي القدرة على التجديد: قدرة الدولة الصناعية على تعويض ما استهلكته الحرب وإنتاج كميات جديدة بوتيرة مستمرة.
في الحرب القصيرة تكون الطبقة الأولى هي الأكثر أهمية. أما في الحرب الطويلة فتزداد أهمية الطبقتين الثانية والثالثة بصورة كبيرة.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف المحتملة في النموذج الأمريكي: البعض من أكثر أنظمته تطوراً ليست بالضرورة الأنظمة الأسهل أو الأسرع في التعويض. وهذا يعني أن التفوق التكنولوجي لا يضمن تلقائياً التفوق في حرب استنزاف.
الذخائر بوصفها مقياساً للقدرة الاستراتيجية
تحتل الذخائر موقعاً مركزياً في هذه المسألة لأنها تمثل الصلة بين القوة العسكرية والصناعة، فالطائرة أو السفينة يمكن أن تبقى في الخدمة سنوات، لكن الصواريخ والذخائر الدقيقة تُستهلك خلال العمليات بسرعة كبيرة عندما يكون الرد العسكري للخصم مكثفة وهذا ما حصل في حرب ال40 يوما مع إيران. ففي مواجهة خصم يمتلك دفاعات جوية وصاروخية كثيفة، يمكن أن يكون معدل الاستهلاك أعلى بكثير مما توحي به الحسابات التي تركز فقط على حجم القوات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم صاروخاً تملك الولايات المتحدة؟ بل: كم صاروخاً تستطيع الولايات المتحدة استخدامه دون أن تعرض مخزونها الاستراتيجي للخطر، وكم تستطيع صناعتها إنتاجه خلال الفترة نفسها؟
ويكتسب السؤال بعداً أكثر حساسية إذا وقعت أزمتان في الوقت نفسه. فالذخائر التي تستهلكها جبهة واحدة ليست متاحة لجبهة أخرى، بينما يستغرق توسيع خطوط الإنتاج وقتاً لا يتوافق بالضرورة مع سرعة الحرب.
هذه ليست مشكلة أمريكية فقط، لكنها تصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة بسبب اتساع الالتزامات الجغرافية التي تعهدت بها.
المشكلة ليست في الجنود وحدهم
إذا استخدمنا معيار عدد الجنود فقط، فقد نصل إلى استنتاجات مضللة، هناك قدرات أكثر ندرة من القوات البرية، مثل طائرات التزود بالوقود، ومنظومات الاستطلاع والإنذار، وبعض أنواع الطائرات المتخصصة، والغواصات، وقدرات القيادة والسيطرة، والأصول الفضائية، والنقل الاستراتيجي وهذه القدرات تعمل كبنية تحتية للحرب.
فعدد كبير من الطائرات المقاتلة لا يعني الكثير إذا لم تتوفر طائرات التزود بالوقود والذخائر والاستخبارات والقدرة على حماية القواعد. وعدد كبير من السفن لا يعني بالضرورة قدرة على الحفاظ على انتشار عالمي إذا كانت بعض عناصر الدعم والصيانة والذخائر تمثل عنق الزجاجة.
وبالتالي، فإن القدرة العسكرية الفعلية لا تساوي مجموع الأسلحة الموجودة في الجرد العسكري، وإنما تتحدد بواسطة أضعف الحلقات في سلسلة العمليات.
الجغرافيا تعمل أحياناً ضد القوة الأمريكية
تتمتع الولايات المتحدة بميزة هائلة تتمثل في قدرتها على الوصول إلى مناطق بعيدة. لكنها تدفع ثمناً باهظا لهذه الميزة فالحرب في شرق آسيا ليست حرباً أوروبية، والحرب في الشرق الأوسط ليست حرباً في المحيط الهادئ.
لكل مسرح قواعده، ومسافات الإمداد الخاصة به، ومخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وشبكات التحالف، والقيود السياسية ولهذا فإن نقل قوة أمريكية من مسرح إلى آخر لا يمثل إضافة مجانية إلى الجبهة الجديدة؛ بل قد يؤدي إلى فجوة في الجبهة التي غادرتها.
وهذه هي إحدى النتائج المهمة لمفهوم الحرب المتزامنة: الخصم لا يحتاج بالضرورة إلى هزيمة القوات الأمريكية الموجودة في كل مسرح. قد يكون هدفه خلق عدد من الأزمات التي تجعل واشنطن مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها باستمرار.
في هذه الحالة تصبح الحركة الاستراتيجية للقوات الأمريكية نفسها جزءاً من الصراع.
التحالفات ليست مجرد مضاعفة للقوة
عادة ما توصف التحالفات بأنها مصدر قوة للولايات المتحدة، وهذا صحيح، لكن التحالفات تحمل أيضاً مشكلة تنسيق فالحليف يريد معرفة أمرين:
أولاً: هل ستأتي الولايات المتحدة لمساعدته؟
ثانياً: إذا التزمت الولايات المتحدة بذلك، فهل ستكون قادرة على الوفاء بالتزامها عندما تواجه أزمة أخرى في مكان مختلف؟
السؤال الثاني قد يكون أكثر أهمية من الأول، فالردع لا يعتمد فقط على القوة الموجودة، بل على تصديق الخصم أن هذه القوة ستستخدم فعلاً عند الضرورة.
إذا بدأ حليف آسيوي، على سبيل المثال، يعتقد أن الولايات المتحدة ستكون منشغلة بحرب كبيرة في منطقة أخرى، فقد يبدأ في اتخاذ إجراءات احترازية، وإذا وصل هذا الاعتقاد إلى الخصم، فقد يراه فرصة لزيادة الضغط.
وبذلك يمكن أن تتحول أزمة في منطقة واحدة إلى عامل يزيد احتمالات الأزمة في منطقة ثانية.
قيمة الحليف أهم من قيمة القاعدة العسكرية
التحول المحتمل في الاستراتيجية الأمريكية لا يعني بالضرورة الانسحاب من العالم، وإنما إعادة توزيع المسؤولية فبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة الضامن المباشر لكل جانب من جوانب الأمن في كل مسرح، يمكن أن يصبح النموذج كما يلي:
الحليف يوفر الكتلة الرئيسية من القوة التقليدية، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرات التي يصعب على الحليف تعويضها، وهذه القدرات تشمل، بدرجات مختلفة، الاستطلاع الاستراتيجي، والفضاء، وبعض القدرات البحرية والجوية بعيدة المدى، والقيادة والسيطرة، والنقل الاستراتيجي، وبعض أنواع الذخائر والأنظمة المتقدمة.
بهذا المعنى لا يكون تقاسم العبء مجرد قضية مالية، إنه محاولة لإيجاد نظام يمكنه مقاومة الصدمة الأولى حتى عندما تكون الولايات المتحدة ملتزمة في مسرح آخر.
الخطر الحقيقي هو سوء حساب الخصوم
قد يكون أخطر أثر للشك في القدرة الأمريكية ليس اندلاع حرب بسبب ضعف أمريكي حقيقي، وإنما اعتقاد الخصم أن هناك ضعفاً أكبر مما هو موجود فعلاً وهذا تماما ما حصل في الحرب مع إيران، فالولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا أدركت أنها قد وقعت في سوء تقدير القدرات الإيرانية.
إذا بالغت واشنطن في إظهار استعدادها لكل شيء، فقد يعتقد حلفاؤها أن الولايات المتحدة قادرة دائماً على التدخل، وإذا اكتشف الخصم لاحقاً أن الموارد محدودة، فقد يصبح أكثر استعداداً للمخاطرة.
وفي المقابل، إذا بالغت الولايات المتحدة في إظهار حدود قدرتها أو في نقل العبء إلى الحلفاء، فقد يفسر بعض الخصوم ذلك باعتباره تراجعاً في الالتزام.
إذن المشكلة ليست القوة المادية وحدها؛ إنها كيفية إدراك القوة، وهذا يجعل الاتصال السياسي، وانتشار القوات، وحجم المخزونات، والتدريبات المشتركة، والالتزامات الرسمية، جزءاً من عملية الردع نفسها.
ماذا يستطيع الخصم أن يفعل دون خوض حرب شاملة؟
في مواجهة الولايات المتحدة، ليس من الضروري أن يختار الخصم بين الحرب والسلام.
يمكنه أن يستخدم ما يمكن وصفه بالضغط المتزامن: رفع مستوى التوتر في أكثر من منطقة، زيادة العمليات السيبرانية، استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، الضغط على الحلفاء، اختبار الخطوط الحمراء، أو خلق أزمات سياسية وأمنية متتابعة.
قد يكون الهدف هو إجبار واشنطن على توزيع اهتمامها وقدراتها، وبالتالي تقليل هامش المناورة المتاح لها وإذا نجح هذا الأسلوب، تصبح القدرة الأمريكية على التركيز مورداً استراتيجياً ينبغي على الخصم استنزافه.
الصين هي الحالة الأكثر أهمية في حسابات واشنطن
تختلف الصين عن معظم الخصوم الآخرين لأنها لا تمثل تحدياً إقليمياً منفرداً فقط، بل تمتلك قاعدة صناعية واقتصادية وحجم دولة يسمحان لها بالتفكير في صراع طويل الأمد. وبحسب القراءات الأمريكية والدولية فهي قادرة الآن على فتح الجبهات المتعددة طويلة الأمد والمتزامنة وهذا فعلا ما تخشاه واشنطن فجبهة تايوان يمكن ان تفتح في أي وقت والنفس الصيني طويل.
لهذا فإن أي مواجهة كبيرة في غرب المحيط الهادئ ستكون مختلفة عن عملية أمريكية محدودة ضد دولة أصغر.
في هذا السيناريو ستكون المسألة مرتبطة بالمسافات، ومعدل استهلاك الذخائر، وحماية القواعد، والفضاء، والاتصالات، والنقل، والقدرة على تعويض الخسائر، ومدى استعداد الحلفاء.
والأهم أن الصين لن تكون بحاجة إلى التفوق على الولايات المتحدة في كل مجال، قد يكون كافياً أن تمنع الولايات المتحدة من تحويل تفوقها العام إلى تفوق حاسم في المسرح الذي تدور فيه الحرب وهذه نقطة جوهرية في فهم المنافسة بين القوتين.
أوروبا تمثل مشكلة مختلفة
الإشكالية الأساسية هي هل تستطيع الدول الأوروبية توفير ما يكفي من القوات والذخائر والدفاع الجوي والاستطلاع والقدرات اللوجستية بحيث لا تضطر واشنطن إلى تحويل موارد ضخمة من المحيط الهادئ أو مناطق أخرى.
إذا أصبحت أوروبا أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، فإن ذلك لا يعني انخفاض أهمية الولايات المتحدة؛ بل قد يعني أن القوة الأمريكية تصبح أكثر تركيزاً وقابلية للمناورة.
وهذا هو المعنى الاستراتيجي الأعمق لتقاسم العبء ولكن حرب الاستنزاف في أكرانيا لن تمكن الدول الأوروبية من ان تكون جاهزة فعلا وتحمي المحيط الهادئ كما تتمنى أمريكا وهذا قد لمّح اليه ترامب في العديد من المرات مع زعماء أوروبا وفي تصريحاته المستفزة للقادة الأوروبيين.
هل تعني هذه التطورات نهاية الهيمنة الأمريكية؟
ربما في مجالات معينة وفي هذا المجال العسكري كل التطورات الحاصلة لا يعني نهاية الهيمنة الأمريكية لأن هناك فرقاً بين فقدان التفوق وفقدان القدرة على فرض تكاليف هائلة على الخصم.
الولايات المتحدة لا تزال تمتلك مجموعة من المزايا يصعب جمعها في دولة واحدة: اقتصاد ضخم، قاعدة تكنولوجية، قوة بحرية وجوية كبيرة، شبكة قواعد وتحالفات، قدرات فضائية، ونظام مالي وسياسي يمنحها أدوات تتجاوز المجال العسكري.
لكن المشكلة هي أن التفوق النسبي لم يعد كافياً وحده لضمان النجاح في كل مسرح وفي كل ظرف. وهذا ما كان واضحا في الحرب على إيران وكان كذلك واضحا خاصة عند زيارة ترامب الى بكين هو وفريقه وكذلك لقاء الألسكا بين ترامب وبوتن فشل سياسي وفشل التفوق الأمريكي وفشل في فرض الهيمنة وبسط النفوذ.
قد تكون الولايات المتحدة أقوى من أي خصم منفرد، بينما تكون في الوقت نفسه أمام مشكلة حقيقية إذا تحرك خصمان في توقيت متقارب أو إذا امتدت الحرب الأولى إلى درجة استنزفت فيها الموارد اللازمة للردع في الحرب الثانية.
الخلاصة الاستراتيجية
التحليل الأكثر موضوعية لا يقود إلى القول إن الولايات المتحدة عاجزة عن خوض حروب متعددة، كما لا يقود إلى القول إنها تستطيع خوض أي عدد من الحروب بلا قيود.
الاستنتاج الأقرب إلى الواقع هو أن القوة الأمريكية لا تزال كبيرة، لكن قابلية استخدامها في عدة حروب كبرى في وقت واحد أصبحت مسألة تعتمد بدرجة متزايدة على عاملين: سرعة الحسم، وقدرة الحلفاء على تحمل العبء.
إذا كانت الحرب قصيرة ومحدودة، فإن التفوق الأمريكي التقليدي يمكن أن يكون حاسماً.
أما إذا كانت الحرب طويلة، عالية الاستهلاك، وترافقت مع أزمة ثانية في مسرح مختلف، فإن الاختبار ينتقل الى من يملك أفضل سلاح؟ إلى:
- من يستطيع إنتاج السلاح؟
- من يستطيع تعويض الخسائر؟
- من يستطيع حماية قواعده؟
- من يستطيع الحفاظ على خطوط الإمداد؟
- من يستطيع إبقاء حلفائه متماسكين؟
- ومن يستطيع تحمل الحرب سياسياً واقتصادياً لفترة أطول؟
والأهم من ذلك أن الحلفاء لا يحتاجون إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أصبحت ضعيفة حتى يقلقوا. يكفي أن يقتنعوا بأن الولايات المتحدة قد تواجه في لحظة معينة طلباً على القوة يفوق ما يمكنها توفيره في الوقت والمكان نفسيهما.
في هذه النقطة تحديداً تكمن مشكلة الحرب المتزامنة. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون مسابقة بين جيشين لمعرفة من هو الأقوى، وإنما اختباراً لقدرة كل منظومة على توزيع القوة، واستدامتها، وإدارة المخاطر، ومنع خصمها من استغلال لحظة انشغال استراتيجي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي للحلفاء هو:
إذا اضطررنا إلى القتال في اللحظة نفسها التي تكون فيها واشنطن مشتبكة في مكان آخر، فما مقدار القوة الأمريكية التي يمكننا الاعتماد عليها فعلياً، وكم من الوقت يمكننا الصمود قبل وصولها؟
هذا السؤال، أكثر من أي رقم عن عدد السفن أو الطائرات، هو الذي يحدد في النهاية مصداقية الردع الأمريكي في عصر الأزمات المتزامنة.



