أخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

ترامب يفتح دفتر الحساب: 25 إنجازاً… ولكن ماذا تغيّر فعلاً؟

مقدمة

في 18 سبتمبر 2026، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائمة تضم 25 بنداً قدمها باعتبارها أبرز إنجازات إدارته خلال ولايته الحالية. وتضمنت القائمة ملفات الهجرة والأمن الداخلي، والضرائب والتجارة، والطاقة، والإنفاق الدفاعي، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، إلى جانب عدد من الملفات الخارجية، وفي مقدمتها الحرب مع إيران، والعملية الأمريكية التي أدت إلى القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وما تصفه الإدارة بأنه إنهاء لثمانية حروب أو نزاعات مسلحة.

ولا تبدو هذه الخطوة مجرد محاولة لتجميع القرارات التي اتخذتها الإدارة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض؛ فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها ملفات داخلية وخارجية شديدة الحساسية، بينما تستعد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي، وتواجه تداعيات اقتصادية وأمنية متصلة بالحرب مع إيران، في وقت تسعى فيه الإدارة إلى تثبيت رواية سياسية متماسكة حول أداء الولاية الثانية.

ومن هذه الزاوية، فإن أهمية القائمة لا تكمن فقط في مضمون البنود الخمسة والعشرين، وإنما في الطريقة التي اختارت بها الإدارة تعريف النجاح السياسي والاستراتيجي: خفض الهجرة، فرض الرسوم، تخفيض الضرائب، رفع الإنفاق الدفاعي، استخدام القوة العسكرية، والضغط على الخصوم، كلها توضع داخل سردية واحدة تقوم على استعادة القوة الأمريكية وإعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي.

غير أن الانتقال من الإعلان السياسي إلى التقييم المهني يتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: القرار الذي اتُخذ، والنتيجة التي ظهرت، والنتيجة المستدامة التي يمكن إثباتها على المدى الطويل، وهذه المستويات ليست متطابقة بالضرورة.

تتمثل الإشكالية الأساسية في السؤال الآتي:

إلى أي مدى تعكس قائمة ترامب الخمسة والعشرين تحولات فعلية ومستدامة في أداء الدولة الأمريكية وموقعها الخارجي، وإلى أي مدى تمثل إعادة صياغة سياسية للنتائج والقرارات بما يخدم رواية الإدارة عن ولايتها الثانية؟

ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة:

  • ما هي الإنجازات التي يمكن قياسها بأرقام وقرارات ومخرجات واضحة؟
  • ما النتائج التي لا تزال مؤقتة أو قيد الاختبار؟
  • هل يمكن اعتبار وقف إطلاق النار أو التسوية السياسية “إنهاءً للحرب”؟
  • هل أدى استخدام القوة العسكرية ضد إيران إلى إزالة الخطر النووي أم إلى إضعافه وتأخيره؟
  • هل تعكس الاستثمارات المعلنة تدفقات مالية فعلية أم التزامات مستقبلية؟
  • وهل يمثل ارتفاع الإنفاق الدفاعي زيادة في القدرة العسكرية الفعلية أم مجرد زيادة في الموارد المخصصة لها؟

القائمة ليست سجلاً محايداً، بل تعريفاً سياسياً للنجاح

من الناحية المنهجية، يجب التعامل مع القائمة باعتبارها بياناً صادراً عن الرئيس والإدارة حول ما تعتبره نجاحاً، وليس باعتبارها تقرير تدقيق مستقل.

وهذا لا يعني أن البنود الواردة فيها غير صحيحة. فالبيت الأبيض نفسه كان قد نشر في 9 سبتمبر 2026 قائمة تفصيلية بالنتائج التي تنسبها الإدارة إلى ترامب، تضمنت خفض الهجرة، وتغيير السياسة الضريبية، وزيادة الاستثمارات، وتوسيع الإنتاج المحلي للطاقة، وتعزيز الإنفاق الدفاعي، إلى جانب العمليات الخارجية.

لكن طبيعة القائمة تكشف أن الإدارة تجمع تحت مفهوم “الإنجاز” أنواعاً مختلفة من النتائج:

  1. 1. قوانين أُقرت بالفعل.
  2. 2. أوامر وقرارات تنفيذية.
  3. 3. مؤشرات اقتصادية.
  4. 4. التزامات استثمارية.
  5. 5. عمليات عسكرية.
  6. 6. اتفاقات أو تسويات سياسية.
  7. 7. أهداف استراتيجية لم يتحقق اختبارها النهائي بعد.

وهنا تكمن أولى مشكلات التقييم، فمثلاً، “توقيع قانون ضريبي” واقعة قانونية قابلة للتحقق مباشرة، بينما “إنهاء حرب” نتيجة سياسية تحتاج إلى اختبار الاستدامة. وبالمثل، فإن إعلان استثمار بقيمة معينة لا يعني بالضرورة أن القيمة نفسها دخلت الاقتصاد الأمريكي فعلياً.

لذلك، فإن وضع هذه العناصر في قائمة واحدة يمنحها وزناً متقارباً رغم اختلاف طبيعتها ومراحل تحققها.

الهجرة… تحول حقيقي في السياسة، لكن عبارة “القضاء الكامل” تحتاج إلى تدقيق

يُعد ملف الهجرة أحد أكثر المجالات التي يمكن رصد التغيير فيها بوضوح.

تقول الإدارة إنها أوقفت سياسة “الإفراج داخل البلاد” للمهاجرين غير النظاميين، وإن صافي الهجرة أصبح سالباً في 2025 لأول مرة منذ عقود، وإن أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر غادروا الولايات المتحدة خلال الولاية الثانية، مع انخفاض عدد السكان المهاجرين غير النظاميين بنحو 2.3 مليون وفق أرقام البيت الأبيض. كما تشير الإدارة إلى انخفاض كبير في عمليات عبور الحدود الجنوبية.

هذه المؤشرات تعكس بالفعل تحولاً كبيراً في سياسة الهجرة وآليات إنفاذها مقارنة بالفترة السابقة.

لكن ذلك لا يساوي بالضرورة القول إن الولايات المتحدة قضت تماماً على الهجرة غير الشرعية.

فالنتيجة النهائية لسياسة الهجرة لا تُقاس فقط بعدد حالات العبور، وإنما أيضاً بمعدلات الترحيل، وطلبات اللجوء، والإقامة غير النظامية القائمة، وسوق العمل، والتغيرات الديموغرافية، والآثار القانونية والاقتصادية.

وعليه، فإن التقييم الأكثر دقة هو أن إدارة ترامب حققت تحولاً ملموساً في اتجاه سياسة الهجرة وشدة تطبيقها، بينما تبقى عبارة “القضاء الكامل” توصيفاً سياسياً أوسع من المؤشرات التي يمكن إثباتها في هذه المرحلة.

الجريمة… انخفاض المؤشرات لا يساوي تلقائياً تحقيق “رقم تاريخي

تتضمن رواية ترامب أيضاً ادعاء تحقيق انخفاض تاريخي في الجرائم المميتة.

وهنا ينبغي الحذر من المقارنات التاريخية المطلقة من قبيل أكبر انخفاض منذ 125 عاماً. فمثل هذه العبارة تحتاج إلى تحديد دقيق للمؤشر المستخدم، والسنة المرجعية، ونوع الجريمة، ومصدر البيانات، وما إذا كانت المقارنة تعتمد على معدل الجريمة أو عدد الجرائم.

والمنهج المهني يقتضي عدم تحويل رقم سياسي معلن إلى حقيقة نهائية قبل التحقق من السلسلة الإحصائية الكاملة.

الأهم أن معدلات الجريمة تتأثر بمجموعة كبيرة من العوامل، وليس بسياسة اتحادية واحدة فقط، كما أن جزءاً مهماً من إنفاذ القانون يقع ضمن اختصاص الولايات والسلطات المحلية.

لذلك، فإن انخفاض الجريمة إذا أكدته السلاسل الإحصائية النهائية يمثل مؤشراً مهماً، لكنه لا يكفي وحده لإثبات السببية المباشرة بين النتيجة وسياسة الإدارة.

الضرائب والإكراميات… هنا يوجد إنجاز تشريعي، لكن أثره الاقتصادي شيء آخر

في المجال الضريبي، تتمتع الإدارة بإنجاز يمكن وصفه بدرجة أعلى من الوضوح، إذ أقر الكونغرس تشريعات تضمنت ما يعرف بسياسة  «No Tax on Tips» إلى جانب إعفاءات تتعلق بالعمل الإضافي وبعض المداخيل الأخرى.

والبيت الأبيض يدرج هذه الإجراءات ضمن ما يعتبره تخفيضاً للعبء الضريبي عن الأسر والعمال. لكن الفرق مهم بين إقرار الإعفاء الضريبي وبين قياس أثره على مستوى معيشة الأسر أو الأجور أو الاستهلاك.

فالسياسة الضريبية لا تُقاس فقط بقيمة الإعفاء القانوني، وإنما بتوزيع المستفيدين منه، وحجم أثره على الإيرادات الفيدرالية، وطبيعة الاستجابة الاقتصادية له.

ومن ثم يمكن تثبيت الإجراء باعتباره نتيجة سياسية وتشريعية، بينما يحتاج أثره الاقتصادي والاجتماعي إلى تقييم منفصل.

الرسوم الجمركية… أداة قوة تفاوضية ذات كلفة محتملة

تحتل الرسوم الجمركية موقعاً مركزياً في فلسفة ترامب الاقتصادية. وقد استخدمت الإدارة التعريفات الجمركية على نطاق واسع، بينما أقر الكونغرس في 18 سبتمبر قانوناً جديداً يوسع صلاحيات الرئيس في فرض رسوم على دول تتعامل مع الطاقة الروسية، بما يمكن أن يصل إلى 100% في حالات محددة. ويمنح القانون الرئيس مساحة واسعة في تحديد الدول المستهدفة وفي استخدام الإعفاءات. .

هذا التطور مهم لأنه يوضح أن سياسة الرسوم لم تعد مجرد أداة مؤقتة للتفاوض التجاري، وإنما أصبحت جزءاً من بنية أوسع لاستخدام القوة الاقتصادية الأمريكية.

لكن الرسوم الجمركية لها وجهان، فهي قد تمنح الصناعات الأمريكية حماية تفاوضية أو تشجع بعض الشركات على إعادة الإنتاج إلى الداخل، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى رفع تكاليف بعض المدخلات والسلع، وإلى ردود تجارية مضادة من الشركاء.

ولهذا فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون عدد الرسوم المفروضة، وإنما أثرها الصافي على الإنتاجية، والأسعار، والاستثمار، والصادرات، وسلاسل الإمداد، وقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على قدرتها التنافسية.

الاستثمارات… بين الالتزام المعلن والاستثمار المنفذ

تقدم الإدارة أرقاماً ضخمة بشأن الاستثمارات الجديدة في الولايات المتحدة، ويشير البيت الأبيض إلى أكثر من 11 تريليون دولار من الاستثمارات الجديدة أو الالتزامات التي تقول الإدارة إنها أمّنتها، بما في ذلك استثمارات من الإمارات وشركات أمريكية كبرى.

لكن هنا تحديداً يجب عدم الخلط بين: الإعلان عن الاستثمار مع الالتزام بالاستثمار مع توقيع الاتفاق مع ضخ رأس المال مع بناء المنشأة وخلق الوظائف وتحقيق العائد الاقتصادي.

هذه مراحل مختلفة، وبالتالي فإن الأرقام المعلنة مهمة لأنها تكشف حجم الالتزامات التي تمكنت الإدارة من جذبها أو الإعلان عنها، لكنها لا يمكن أن تُعامل كلها باعتبارها استثمارات منفذة بالفعل.

الدفاع… زيادة الإنفاق ليست وحدها مقياساً للقوة

تربط إدارة ترامب بين تعزيز الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء القوة العسكرية الأمريكية. وهذه السياسة تنسجم مع توجه الإدارة نحو رفع القدرة الصناعية الدفاعية، وزيادة الإنتاج العسكري، وتعزيز الجاهزية، وتحميل الحلفاء جزءاً أكبر من أعباء الدفاع.

لكن ينبغي التمييز بين الإنفاق العسكري والقوة العسكرية، فالإنفاق يصبح قوة فعلية فقط عندما يتحول إلى:  مخزونات كافية، إنتاج صناعي مستدام، جاهزية عملياتية، قدرات استخبارية، تفوق تقني، قدرة على خوض صراعات متعددة في وقت واحد، قدرة لوجستية وتمويلية على الاستمرار.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء الحرب الحالية مع إيران، التي أظهرت أن استخدام القوة الأمريكية في صراع طويل يمكن أن يفرض تكاليف على المخزونات العسكرية والانتشار والموارد. وتشير رويترز إلى ضغوط على المخزونات الأمريكية نتيجة الحرب المستمرة.

إنهاء ثماني حروب”… أكثر بنود القائمة حاجة إلى التفكيك

يقدم ترامب نفسه في القائمة باعتباره رئيساً أنهى ثمانية صراعات. لكن هذا الادعاء يحتاج إلى تفكيك منهجي، لأن مفهوم “إنهاء الحرب” ليس واحداً. فهناك فرق بين:  وقف إطلاق النار واتفاق مؤقت واتفاق سلام وتسوية سياسية و إنهاء العمليات العسكرية الأمريكية وإنهاء النزاع نفسه وهذه الفروق مهمة للغاية.

فالبيت الأبيض يضع ضمن إنجازاته عدداً من التسويات أو الترتيبات المتعلقة بصراعات مختلفة، ويعرضها ضمن مفهوم أوسع هو “إنهاء الحروب”.

لكن بعض هذه الصراعات لم تُغلق أسبابها السياسية والأمنية بصورة نهائية، وبالتالي فإن الاستدامة هي المعيار الحاسم.

والأهم أن القائمة تكشف عن تحول في مفهوم السياسة الخارجية لدى ترامب: النجاح لا يُقاس بالضرورة بإقامة ترتيبات مؤسسية طويلة الأجل، وإنما بقدرة الرئيس على استخدام الضغط الأمريكي للوصول إلى نتيجة سريعة أو انتزاع اتفاق.

ويبقى السؤال: هل تستطيع هذه الاتفاقات الصمود عندما تتراجع الضغوط الأمريكية المباشرة؟

إيران… هنا تتصادم رواية “الإنجاز” مع اختبار الواقع

يمثل الملف الإيراني أكثر عناصر القائمة حساسية، يقول ترامب إن الولايات المتحدة دمرت قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، ويربط ذلك بالعمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة ضد البرنامج النووي الإيراني. ومن المؤكد أن العمليات العسكرية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية النووية الإيرانية. لكن القول إن البرنامج “أُزيل نهائياً” أكثر تعقيداً.

فالتقييمات السابقة للضربات الأمريكية أظهرت أن منشآت رئيسية تعرضت لأضرار جسيمة وأن البرنامج تأخر، لكن ذلك لم يعنِ إزالة المعرفة النووية الإيرانية أو كل مخزوناتها وقدراتها. كما أشارت تقييمات خبراء إلى أن بعض المواد النووية المخصبة لم تختفِ نتيجة الضربات.

والأهم أن التطورات الحالية تقدم اختباراً أكثر صعوبة، فحتى اليوم 19 سبتمبر 2026، لا تزال الحرب الأمريكية الإيرانية مستمرة، وقد دخلت شهرها السابع، بينما بقيت إيران قادرة على الرد وتهديد خطوط الملاحة والطاقة في المنطقة. وتفيد رويترز بأن الصراع لم يحقق حتى الآن تسوية نهائية، وأن البرنامج النووي الإيراني تضرر لكنه لم يتحول إلى ملف مغلق.

وهنا يصبح من الصعب، من منظور تحليلي، إدراج الحرب نفسها باعتبارها “إنجازاً مكتملًا”، الأدق هو القول إن “الولايات المتحدة حققت أثراً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية النووية الإيرانية، لكنها لم تثبت حتى الآن قدرتها على تحويل هذا الأثر العسكري إلى نتيجة استراتيجية نهائية ومستدامة، وهذه نقطة فارقة.

فنزويلا ومادورو… إنجاز عملياتي ذو تداعيات استراتيجية

في الملف الفنزويلي، يختلف الوضع عن بعض البنود الأخرى، فاحتجاز نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة حدث فعلي، وليس مجرد ادعاء سياسي. وتؤكد التقارير الأمريكية أن العملية العسكرية الأمريكية في يناير أطاحت بمادورو، وأن ديلسي رودريغيز تولت الرئاسة بالوكالة، كما تستعد واشنطن لتعامل مباشر مع القيادة الفنزويلية الجديدة.

وبالتالي يمكن وصف القبض على مادورو بأنه نجاح عملياتي أمريكي محدد، لكن النجاح العملياتي لا يجيب وحده عن السؤال الاستراتيجي، فالاختبار الحقيقي يكمن في المرحلة التالية: هل ستؤدي إزالة مادورو إلى استقرار سياسي في فنزويلا؟ هل ستنجح واشنطن في إعادة بناء علاقة مستقرة مع المؤسسات الفنزويلية؟ كيف ستُدار موارد النفط؟ وما أثر ذلك على روسيا والصين وكوبا ودول أمريكا اللاتينية؟

هذه الأسئلة تجعل العملية أكبر من مجرد اعتقال شخصية سياسية؛ فهي ترتبط بإعادة تشكيل موقع فنزويلا داخل التوازن الإقليمي للطاقة والنفوذ.

الخلاصة:

عند وضع عناصر القائمة في إطار واحد، تظهر صورة أكثر تعقيداً من الرواية التي تقدمها الإدارة، ويمكن بالفعل رصد تحولات ملموسة في السياسة الأمريكية خلال ولاية ترامب الثانية: تشديد كبير لسياسة الهجرة، إعادة تعريف السياسة التجارية عبر الرسوم، تعديلات ضريبية واسعة، دفع أقوى نحو الإنتاج والطاقة المحليين، توسع في استخدام الأدوات الاقتصادية والعسكرية، وتدخل مباشر في أزمات دولية متعددة، لكن هذه النتائج لا تقع كلها في المستوى نفسه.

فبعضها قرارات مكتملة، مثل التشريعات والسياسات التي دخلت حيز التنفيذ، وبعضها نتائج قابلة للقياس لكنها لا تزال قيد التطور، مثل مؤشرات الهجرة والتصنيع والاستثمار.

وبعضها أهداف استراتيجية لم يُحسم نجاحها بعد، وفي مقدمتها إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، ومستقبل الحرب مع إيران، واستدامة التسويات التي تعتبرها الإدارة حروباً منتهية.

وهذا يقود إلى ملاحظة مركزية: القائمة تقيس بدرجة كبيرة قدرة ترامب على اتخاذ القرارات وفرض أجندته، لكنها لا تستطيع وحدها إثبات استدامة النتائج التي ترتبت على تلك القرارات.

يبدو أن الهدف الأساسي من قائمة الـ25 إنجازاً ليس فقط تقديم كشف حساب للسياسات التي نفذتها إدارة ترامب، وإنما تثبيت إطار تفسيري كامل للولاية الثانية: إدارة أكثر تشدداً في الهجرة، أكثر استخداماً للرسوم في التجارة، أكثر اعتماداً على القوة العسكرية، وأكثر استعداداً لإعادة تعريف علاقاتها مع الحلفاء والخصوم على أساس المصالح المباشرة.

وهذه الرواية تستند في أجزاء منها إلى تغييرات فعلية وقابلة للقياس، ولذلك لا يمكن اختزالها في مجرد خطاب سياسي.

لكن في المقابل، فإن تحويل مجموعة واسعة من القرارات والعمليات والاتفاقات إلى “25 إنجازاً” يخفي فروقاً مهمة بين القرار والنتيجة، وبين النتيجة المؤقتة والنتيجة المستدامة، وبين النجاح العملياتي والنجاح الاستراتيجي.

والحالة الإيرانية هي المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. فقد استطاعت الولايات المتحدة إلحاق أضرار كبيرة بالبنية النووية الإيرانية، لكن استمرار الحرب بعد أكثر من ستة أشهر، واستمرار قدرة إيران على الرد والتأثير في الملاحة والطاقة، يعني أن الحكم النهائي على نتيجة السياسة الأمريكية لا يزال مبكراً.

وفي المقابل، فإن ملف مادورو يقدم نموذجاً مختلفاً: عملية عسكرية أمريكية حققت هدفاً مباشراً وواضحاً، لكن آثارها السياسية والاستراتيجية في فنزويلا والمنطقة لا تزال في طور التشكل

وبذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت قائمة ترامب صحيحة أو خاطئة في مجموعها، وإنما: ما الذي تحقق فعلاً؟ وما الذي بدأ يتحقق؟ وما الذي لا يزال مجرد هدف أو ادعاء سياسي؟

وهنا تحديداً تكمن القيمة التحليلية للقائمة. فهي تقدم صورة واضحة عن ما تريد إدارة ترامب أن يُذكر باعتباره إرثاً للولاية الثانية، بينما يحتاج الحكم على هذا الإرث إلى معيار مختلف: مدى قدرة هذه السياسات على إنتاج نتائج مستقرة وقابلة للاستمرار، داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وفي هذا المعنى، فإن “دفتر الحساب” الذي فتحه ترامب لا يغلق النقاش حول ولايته الثانية؛ بل يفتح المرحلة الأصعب منه: اختبار النتائج على أرض الواقع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق