أخبار العالم

جيه بي مورغان يتخلى عن توقعاته لنهاية الحرب على إيران وسط تجاوز الخطوط الحمراء الاقتصادية

تتزايد حالة عدم اليقين بشأن المسار الاقتصادي والزمني للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران بعدما أقر فريق السلع الأساسية في بنك «جيه بي مورغان» بأنه لم يعد قادرا على تحديد سيناريو واضح لنهاية الصراع أو تقدير المسار الذي قد تتخذه أسواق الطاقة خلال المرحلة المقبلة. ويأتي ذلك بعد أن تجاوزت تداعيات الحرب عددا من المؤشرات الاقتصادية التي كان البنك يفترض في بداية النزاع أنها قد تشكل ضغوطا كافية لدفع الإدارة الأميركية نحو البحث عن تسوية.

ونقلت رويترز عن مذكرة أعدها فريق السلع في البنك أن «جيه بي مورغان» لا يمتلك للمرة الأولى منذ بداية الحرب تصورا أساسيا واضحا لمسار سوق النفط، مشيرا إلى أن المحللين «لا يعرفون ببساطة كيف يمكن نمذجة المرحلة النهائية» من الصراع. ويعكس هذا التغيير صعوبة بناء توقعات اقتصادية في ظل استمرار العمليات العسكرية واضطراب إمدادات الطاقة وحركة الملاحة في عدد من الممرات البحرية الاستراتيجية.

وكان البنك قد افترض في بداية الحرب وجود مجموعة من «الخطوط الحمراء» الاقتصادية التي يمكن أن تجعل استمرار التصعيد أكثر كلفة على الولايات المتحدة وتدفع واشنطن إلى البحث عن مخرج تفاوضي. وشملت هذه الافتراضات ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل وارتفاع أسعار البنزين بصورة كبيرة إضافة إلى صعود عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى مستويات مرتفعة.

غير أن تطورات الأشهر الماضية أظهرت أن عددا من هذه المستويات قد تم تجاوزه بالفعل من دون أن يؤدي ذلك إلى ظهور مسار واضح لإنهاء الحرب. ووفقا لـ«جيه بي مورغان» تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل فيما وصل سعر الديزل في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ نحو 6.31 دولارات للغالون بينما بلغت أسعار البنزين نحو 4.37 دولارات للغالون. كما أصبحت المخزونات العالمية من النفط والمنتجات المكررة عند مستويات منخفضة مقارنة بالفترة السابقة.

ويقدر البنك أن القيمة العادلة لخام برنت خلال سبتمبر تبلغ نحو 90 دولارا للبرميل بينما تدور الأسعار الحالية حول 106 دولارات وهو فارق يعكس، بحسب تحليله، تسعير الأسواق لاحتمال استمرار اضطرابات الإمدادات وربما فقدان كميات إضافية من النفط خلال الفترة المقبلة. وتشير تقديرات البنك إلى أن نحو 10 ملايين برميل يوميا من الإمدادات تأثرت بالفعل بصورة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة الحرب والاضطرابات المرتبطة بها.

ومع ذلك، لم ترتفع أسعار النفط بالقدر الذي كان يمكن توقعه بالنظر إلى حجم اضطراب الإمدادات. ويرجع «جيه بي مورغان» ذلك جزئيا إلى تراجع الطلب العالمي على النفط، إذ انخفض الاستهلاك بنحو 4.4 ملايين برميل يوميا مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، الأمر الذي ساعد على امتصاص جزء من الصدمة الناتجة عن انخفاض المعروض. كما تراجعت مخزونات النفط الخام والمنتجات المكررة بنحو 555 مليون برميل منذ بداية الحرب، وهي كمية تمثل نحو ثلث الانخفاض الذي كان البنك يتوقعه في بداية الأزمة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الاقتصاد العالمي بدأ يتكيف مع الصدمة من خلال ما يعرف اقتصاديا بـ«تدمير الطلب»، أي انخفاض الاستهلاك نتيجة ارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية، بدلا من الاعتماد بصورة أكبر على السحب من المخزونات. وقد ساهم ذلك حتى الآن في الحد من الارتفاع المستمر لأسعار الخام رغم حجم الاضطرابات في الإمدادات.

لكن هذا التوازن يظل قابلا للتغير إذا استمرت الحرب لفترة أطول. فالمخزونات المتوفرة في الصين وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية توفر حاليا هامشا من الأمان، إلا أن استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط سيؤدي تدريجيا إلى استنزاف هذا الاحتياطي وزيادة اعتماد الأسواق على انخفاض الطلب للحفاظ على التوازن بين العرض والاستهلاك. ويحذر البنك من أن استمرار الأزمة قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة مع تقلص هوامش المناورة.

ولا تقتصر المخاطر على إنتاج النفط نفسه، إذ أصبحت طرق النقل البحرية جزءا أساسيا من المعادلة الاقتصادية للحرب. فقد أشار البنك إلى المخاطر المتزايدة التي تواجه الملاحة عبر مضيق باب المندب، إضافة إلى الهجمات التي أثرت في بعض طرق تصدير النفط السعودية. ويعني ذلك أن أي توسع إضافي في نطاق العمليات قد يؤثر في سلسلة الإمدادات بأكملها، من الإنتاج والنقل إلى التكرير والاستهلاك النهائي.

وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر في ظل استمرار الغموض السياسي بشأن مستقبل الحرب. فعدم وجود مؤشرات واضحة على استعداد واشنطن أو طهران للدخول في مسار خفض للتصعيد يجعل من الصعب على المؤسسات المالية بناء سيناريو اقتصادي مستقر. كما أن أي تطور عسكري في مضيق هرمز أو البحر الأحمر يمكن أن يغير بسرعة تقديرات العرض والطلب وأسعار الطاقة.

وفي هذا السياق، أصبح العامل الجيوسياسي أكثر تأثيرا في تحديد أسعار النفط من المؤشرات الاقتصادية التقليدية. فالسوق لا يسعر فقط مستوى الإنتاج الحالي وإنما يسعر أيضا احتمال توسع نطاق الاضطرابات وفقدان كميات إضافية من الإمدادات. ولهذا فإن الفارق بين القيمة العادلة التي يقدرها البنك لخام برنت والأسعار الفعلية يعكس بصورة جزئية علاوة المخاطر المرتبطة باستمرار الحرب.

كما أن تراجع القدرة على التنبؤ بنهاية الحرب يحمل تداعيات تتجاوز أسواق الطاقة. فاستمرار ارتفاع تكاليف الوقود يمكن أن يضيف ضغوطا تضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، في حين يمكن أن تتأثر تكاليف النقل والصناعة والغذاء نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب طرق التجارة. وفي المقابل قد تستفيد بعض الدول المنتجة من ارتفاع الأسعار، وإن كانت هذه المكاسب تتأثر أيضا بمستوى الإنتاج وقدرتها على الوصول إلى الأسواق.

وبذلك يعكس تخلي «جيه بي مورغان» عن سيناريو أساسي لنهاية الحرب تحولا مهما في قراءة الأسواق للصراع الإيراني الأميركي. فبعد أن كان التحليل الاقتصادي يفترض أن ارتفاع تكاليف الحرب سيؤدي في مرحلة معينة إلى خلق حوافز قوية للتوصل إلى تسوية، أصبح استمرار تجاوز هذه الحدود دون ظهور مخرج واضح عاملا إضافيا في تعقيد التوقعات.

وتبقى النقطة الأساسية أن الأسواق أصبحت تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة مفتوحة زمنيا، وليس مجرد اضطراب مؤقت في إمدادات الطاقة. وإذا استمرت الاضطرابات في مضيق هرمز وباب المندب ومصادر الإنتاج والتصدير في المنطقة، فإن قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمة ستعتمد بصورة متزايدة على حجم المخزونات وتطور الطلب العالمي ومدى استمرار العمليات العسكرية.

وفي المحصلة، لا يعني تخلي «جيه بي مورغان» عن توقعاته أن البنك يتوقع بالضرورة استمرار الحرب إلى أجل غير محدد، وإنما يعكس تراجع قدرته على تحديد نقطة نهاية يمكن بناء نموذج اقتصادي موثوق عليها. وهذه الحالة بحد ذاتها تكشف حجم عدم اليقين الذي بات يحيط بالحرب على إيران، حيث أصبحت القرارات العسكرية والدبلوماسية تتحكم بصورة مباشرة في توقعات أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق