أسرار 73 عاماً في قبضة الشفافية.. هل كشف البنتاغون حقيقة “الأجسام الطائرة” أم ألقى بقمبلة أمنية جديدة؟

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 19-09-2026
وثيقة تكسر صمت العقود.. البنتاغون يفرج عن الدفعة السادسة لملفات “الظواهر المجهولة” بقرار رئاسي ويترك اللغز مفتوحاً
في خطوة متصلة بمسار الإفصاح الحكومي عن الملفات الفيدرالية الحساسة ذات الاهتمام الجماهيري والاستراتيجي، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن الإفراج عن دفعة جديدة تُعد السادسة من الوثائق والمواد المتعلقة بما تُصنّفه المؤسسات العسكرية رسمياً بـ “الظواهر الجوية غير المحددة” (UAP)، والمشتهرة إعلامياً بـ “الأجسام الطائرة المجهولة” (UFOs).
تأتي هذه الخطوة تنفيذاً مباشرًا للتوجيهات الرئاسية الصادرة عن دونالد ترامب، والقاضية بزيادة مستويات الشفافية وتوسيع نطاق رفع السرية عن الأرشيفات الأمنية والعسكرية الفيدرالية.
وتكتسب هذه المجموعة أهمية خاصة نظرًا لحجمها وتنوع وسائطها؛ إذ تضم 71 ملفاً تتوزع بين التقارير النصية الاستخباراتية، ومقاطع الفيديو العسكرية، وتسجيل صوتي واحد، لتغطي نطاقاً زمنياً ممتداً لنحو 73 عاماً، رابطةً بين مشاهدات الأرشيف التاريخي القديم وبين الرصد الميداني الحديث فوق مجالات وممرات بحرية وجوية استراتيجية.
الهيكلية الفنية والتنوع الاستخباراتي للملفات
وفقاً للبيانات والتفاصيل المرفقة بالدفعة الجديدة، يُظهر المحتوى الإجمالي للمواد المنشورة تنوعاً كبيراً في أدوات التوثيق ومصادر جمع المعلومات داخل أجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات العسكرية الأمريكية:
- توزيع الملفات: اشتملت الحصيلة على 55 وثيقة نصية، و15 مقطع فيديو متطور تم التقاطها عبر مستشعرات متقدمة، إضافة إلى تسجيل صوتي واحد.
- إجراءات السرية والحجب الجزئي: خضعت 64 وثيقة من أصل 71 لتعديلات وحجب جزئي لحماية بعض التفاصيل الحساسة، وذلك دواعي الحفاظ على الأمن القومي، وحماية تقنيات الرصد، وعدم الكشف عن مصادر وأساليب جمع المعلومات الاستخباراتية.
- تعدد الجهات المصدرة: تعود 67 مادة من المجموعة إلى قطاعات وأجهزة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، في حين تضمّنت الحصيلة 4 تسجيلات وصفت بالأمنية وردت من سلطات إنفاذ القانون المحلية في ولاية كولورادو، ويعود تاريخ توثيقها إلى أكتوبر من عام 2023.
بين “الكتاب الأزرق” و”برنامج الأسلحة الفضائية”: تقاطعات الأرشيف
تُظهر القراءة التحليلية للمحتوى المفرج عنه تقاطعات معقدة بين الملاحظات التاريخية التي تراكمت على مدى العقود الماضية، وبين الأبحاث التقنية والعسكرية المتقدمة:
المشاهدات والأرشيف التاريخ 1952–1969:
تتطرق المواد النصية والتسجيلات القديمة إلى إعادة أرشفة وتدقيق لتقارير ارتبطت بـ “مشروع الكتاب الأزرق” (Project Blue Book) التابع للقوات الجوية الأمريكية. وتستعرض هذه الوثائق بلاغات قدمها طيارون وضباط عسكريون بشأن رصد أجسام طائرة تتمتع بأنماط حركة غير تقليدية وسرعات تتجاوز القدرات الهندسية المألوفة لوسائل الطيران في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وكان من أبرزها التسجيلات الشهيرة لالتقاط أجسام دائرية لامعة فوق منطقة “تريمونتون” بولاية يوتا عام 1952 بواسطة ضابط القوات البحرية ديلبرت نيوهوس.
برنامج تطبيقات أنظمة الأسلحة الفضائية المتقدمة :
تتضمن المجموعة وثائق تكشف جوانب تقنية من هذا البرنامج السري الذي أنشأته وكالة استخبارات الدفاع (DIA) عام 2008 بتكلفة بلغت نحو 22 مليون دولار. وركز البرنامج على تقييم المفاهيم الفيزيائية والتكنولوجية النظرية، بما في ذلك دراسات حول “فقاعات الانحناء” (Warp Drives)، وآليات الدفع المضاد للجاذبية، وتقنيات الإخفاء، إلى جانب تحليل تقارير طبية وفنية ترصد التأثيرات الفيزيائية والتشويش الإلكتروني الذي تعرضت له بعض أجهزة الرصد والطيارين أثناء الامتناع أو الاقتراب من أجسام غير معرفة.
الرصد الحديث في مناطق التوتر الجيو-سياسي:
لم تتوقف الوثائق عند الحدود التاريخية، بل شملت مقاطع فيديو حديثة نسبياً أُخذت بواسطة كاميرات الأشعة تحت الحمراء وأجهزة التتبع العسكرية المتقدمة فوق مناطق ذات أهمية ملاحة استراتيجية، أبرزها البحر الأصفر في شرق آسيا ومناطق متفرقة في إقليم الشرق الأوسط. وفي أحد مقاطع الفيديو المرصودة في الشرق الأوسط، يظهر تشكيل يضم نحو 6 أجسام كروية صغيرة تتمتع بمناورة عالية وتغيير سريع في الاتجاهات دون وجود وسائل دفع تقليدية مرئية.
تحول في استراتيجية النشر وسياق الموقف الرسمي
تُشير المقارنة بين الدفعة السادسة والدفعات السابقة إلى تسارع واضح في نسق الإفصاح الحكومي وتجاوز نمط النشر المحدود؛ إذ اقتصرت الدفعة الخامسة المنشورة في أغسطس الماضي على 16 مقطع فيديو فقط، بينما جاءت الحصيلة الحالية أكثر تنوعاً وشمولاً من حيث الوسائط المتعددة والوثائق النصية.
وفي تصريح رسمي يعكس استمرار هذا التوجه الإداري، أكد المتحدث الصحفي لوزارة الدفاع الأمريكية، شون بارنيل، أن العمل جاري لمراجعة مواد إضافية، قائلاً: “تعمل وزارة الدفاع وشركاؤنا في الإدارات الفيدرالية بنشاط على مراجعة وإعداد المواد التالية المتعلقة بالأجسام الطائرة المجهولة، بهدف إتاحتها للرأي العام فور الانتهاء من الإجراءات الإدارية والفنية”.
تأتي هذه التطورات في وقت تزايدت فيه الضغوط المتبادلة داخل أروقة الكونغرس الأمريكي، حيث يدفع المشرعون باتجاه التعامل مع ملف الظواهر الجوية غير المحددة بوصفه قضية سلامة طيران وأمن قومي في المقام الأول، بصرف النظر عن التكهنات الشائعة.
وتنقسم التقييمات داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية بين فرضيتين رئيسيتين: إما أن هذه الظواهر تعكس فجوات في التفسير الفيزيائي والظواهر الطبيعية الغامضة، أو أنها تمثل اختراقات واختبارات لتقنيات طيران غير معلنة تطورها دول ومنافسون جيو-سياسيون دوليون.
القراءة الاستراتيجية والخلاصة
تؤكد البيانات المرفقة بالدفعة السادسة أن الغالبية العظمى من الوقائع والظواهر المسجلة على مدى الـ 73 عاماً الماضية لا تزال تُصنف رسمياً وفنياً على أنها حوادث “غير مفسرة”. ومع التزام وزارة الدفاع الأمريكية بمواصلة النشر وتجهيز دفعات لاحقة، يتحول الملف تدريجياً من خانة الاجتهادات والتخمينات الصحفية إلى مسار من التحليل التكنولوجي والاستخباراتي المنظم داخل مؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال المفتوح أمام المشرعين والأوساط العلمية متصلًا بمدى قدرة هذه الإفصاحات المتتالية على تقديم إجابات حاسمة حول طبيعة تلك الظواهر، أم أن فتح الأرشيف المغلق سيزيد من تعقيد المشهد ويطرح أسئلة جديدة حول حدود التكنولوجيا العسكرية والأمن القومي في المجال الجوي الدولي.



