السودان يرفع شكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي: اتهامات باستخدام الأراضي الإثيوبية لشن هجمات بالمسيّرات

اعداد امل التوكابري قسم الدراسات و البحوث 2026/11/02
يشهد التوتر بين السودان وإثيوبيا تصعيداً دبلوماسياً جديداً، عقب إعلان الحكومة السودانية تقديم شكوى رسمية ضد أديس أبابا إلى كل من مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، متهمةً إياها بالسماح باستخدام أراضيها منطلقاً لهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع مدنية ومنشآت حيوية داخل السودان.
ويأتي هذا التحرك في أعقاب سلسلة من الهجمات الجوية التي طالت محطات الكهرباء والبنية التحتية في عدد من الولايات السودانية، وسط اتهامات متكررة من الخرطوم لقوات الدعم السريع بالاستعانة بمنصات إطلاق داخل الأراضي الإثيوبية، في حين تنفي إثيوبيا الاتهامات السابقة المتعلقة بدعم هذه القوات أو انتهاك السيادة السودانية.
شكوى رسمية وتحذيرات من انتهاك السيادة السودانية
أعلنت وزارة الخارجية السودانية، مساء الأحد 1 نوفمبر، إيداع شكوى رسمية ضد الحكومة الإثيوبية لدى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، على خلفية ما وصفته باعتداءات انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية واستهدفت مواقع وأعياناً مدنية ومحطات كهرباء في عدد من الولايات السودانية.
وأوضحت الوزارة أن الشكوى تضمنت وثائق ومستندات قالت إنها تثبت استخدام قوات الدعم السريع للأراضي الإثيوبية لإطلاق طائرات مسيّرة انتحارية مزودة بصواريخ، بهدف استهداف المنشآت المدنية والمرافق الحيوية. كما أشارت إلى أن هذه الهجمات تسببت في سقوط ضحايا مدنيين وتعطيل خدمات أساسية، الأمر الذي يفاقم الأوضاع الإنسانية والخدمية في البلاد.
واعتبرت الخارجية السودانية أن استخدام أراضي دولة مجاورة لتنفيذ هجمات ضد السودان يمثل عملاً عدائياً وانتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مطالبةً أديس أبابا بوقف ما وصفته بالأعمال العدائية، وداعيةً المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف إزاء هذه التطورات.
هجمات تستهدف منشآت الكهرباء والبنية التحتية
تزامنت الشكوى السودانية مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت الطاقة والخدمات الأساسية خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر. ووفقاً للبيانات التي أعلنتها السلطات السودانية، طالت الهجمات 13 محطة كهرباء في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والقضارف، ما أدى إلى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي وتعطيل بعض الخدمات الضرورية.
وتشير المعطيات التي قدمها مجلس السيادة الانتقالي السوداني إلى أن أكثر من 180 طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع انطلقت من الأراضي الإثيوبية خلال العام الجاري. كما تحدث تقرير عسكري سوداني عن توثيق 70 هجوماً بين 15 فبراير و27 أكتوبر، باستخدام 187 طائرة مسيّرة هجومية و82 ذخيرة أُطلقت بواسطة المسيّرات.
وتقول السلطات السودانية إن هذه العمليات أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى من المدنيين والعسكريين. غير أن هذه الأرقام ومواقع انطلاق الطائرات لم تخضع، حتى الآن، لتحقق مستقل شامل، ولذلك تبقى في إطار المعطيات التي قدمتها الحكومة السودانية.
ولا تقتصر تداعيات استهداف المنشآت الكهربائية على انقطاع التيار، إذ تمتد إلى قطاعات حيوية تشمل المستشفيات ومحطات ضخ المياه والمخابز، فضلاً عن الأنشطة الزراعية والصناعية. ويؤدي تضرر هذه المرافق إلى زيادة الضغوط على السكان، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من نقص الخدمات والنزوح وتراجع القدرة على الحصول على الاحتياجات الأساسية.
إثيوبيا تنفي الاتهامات وسط غياب رد رسمي جديد
في المقابل، تشكل الاتهامات السودانية تطوراً حساساً في العلاقات بين البلدين، بالنظر إلى الروابط الجغرافية والتاريخية والمصالح الأمنية المشتركة التي تجمعهما. وكانت إثيوبيا قد نفت في مناسبات سابقة اتهامات الخرطوم بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع أو السماح باستخدام أراضيها لتنفيذ هجمات داخل السودان، مؤكدة احترامها لسيادة الأراضي السودانية.
ولم يصدر، وفق التقارير المنشورة يوم 2 نوفمبر، رد إثيوبي فوري على الشكوى السودانية الأخيرة. ويظل هذا الموقف مهماً في تحديد مسار الأزمة، خصوصاً أن الاتهامات تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية لتطرح تساؤلات حول مسؤولية الدول عن الأنشطة العسكرية التي قد تنطلق من أراضيها ضد دول أخرى.
ومن الناحية القانونية، تستند الخرطوم إلى مبدأ احترام السيادة وسلامة الأراضي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة 2، الفقرة 4، التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. غير أن تحديد مسؤولية إثيوبيا يتطلب التحقق من الأدلة المتعلقة بمواقع إطلاق الطائرات، والجهات التي تقف وراء العمليات، ومدى علم السلطات الإثيوبية بها أو تورطها فيها.
الحرب السودانية تتحول إلى مصدر تهديد إقليمي
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن الحرب الداخلية المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، والتي اندلعت نتيجة خلافات حول دمج القوات شبه العسكرية في المؤسسة العسكرية والترتيبات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية.
وقد أدت الحرب إلى تدهور واسع في الأوضاع الإنسانية والأمنية، مع سقوط عشرات الآلاف من القتلى ونزوح ما يقارب 13 مليون شخص، وفق تقديرات وتقارير دولية. كما ساهم انتشار استخدام الطائرات المسيّرة في توسيع نطاق العمليات العسكرية، بحيث لم تعد المواجهات مقتصرة على خطوط الاشتباك التقليدية، بل امتدت إلى المطارات والمنشآت الاقتصادية ومرافق الطاقة والمناطق السكنية.
وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للسودان وإثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي، حيث تتداخل ملفات الأمن الحدودي والتنافس الإقليمي وأمن البحر الأحمر والنفوذ الدولي. كما أن أي توتر مباشر بين البلدين قد ينعكس على التوازنات الأمنية في منطقة تتسم أصلاً بتعدد النزاعات والتحديات السياسية.
فالسودان يمثل حلقة جغرافية مهمة بين منطقة الساحل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، بينما تتمتع إثيوبيا بثقل ديمغرافي وسياسي واستراتيجي في شرق القارة. ومن ثم، فإن انتقال الخلاف بينهما إلى مستوى المواجهة الدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية قد يضيف تعقيدات جديدة إلى جهود احتواء النزاعات الإقليمية.
مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي أمام اختبار احتواء الأزمة
يمثل لجوء السودان إلى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الإفريقي محاولة لنقل المواجهة من مستوى الاتهامات الثنائية إلى الإطارين الدولي والقاري، بهدف تدويل القضية والحصول على موقف مؤسسي إزاء ما تعتبره الخرطوم تهديداً لأمنها وسيادتها.
ومن المنتظر أن تتركز أهمية التحرك الدبلوماسي السوداني على ثلاثة محاور رئيسية: التحقق من الأدلة المتعلقة بمواقع انطلاق الطائرات المسيّرة، وتحديد المسؤوليات القانونية والسياسية عن الهجمات، والضغط من أجل منع استخدام أراضي الدول المجاورة في العمليات العسكرية داخل السودان.
كما يضع هذا الملف الاتحاد الإفريقي أمام تحدي التوفيق بين مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وضرورة منع انتقال النزاعات الداخلية إلى مواجهات عابرة للحدود، خصوصاً في ظل هشاشة الترتيبات الأمنية في القرن الإفريقي.
هل يتجه النزاع السوداني نحو تدويل أوسع؟
يعكس تقديم السودان شكوى ضد إثيوبيا انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحرب الداخلية مع التوترات الحدودية والحسابات الجيوسياسية الإقليمية. وبين اتهامات الخرطوم ونفي أديس أبابا، تبقى مسألة التحقق المستقل من الأدلة عاملاً أساسياً لتحديد المسؤوليات وتجنب التصعيد.
وفي ظل استمرار الحرب السودانية وتزايد استهداف المنشآت الحيوية، لا تقتصر المخاوف على اتساع رقعة العمليات العسكرية داخل البلاد، بل تشمل أيضاً احتمال انعكاسها على علاقات دول القرن الإفريقي وتوازناتها الأمنية. وهو ما يجعل التحرك داخل مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي اختباراً جديداً لقدرة المؤسسات الدولية والقارية على احتواء النزاعات ومنع تحولها إلى أزمات إقليمية أوسع.
المصادر المعتمدة
- الجزيرة – السودان يشكو إثيوبيا لدى مجلس الأمن ومجلس السلم الإفريقي، 2 نوفمبر 2026
- وكالة الأناضول – Sudan files complaints against Ethiopia with UN, African Union
- Arab News – Sudan says drone attacks from Ethiopia killed, wounded hundreds
- Sudan Tribune – Sudan accuses Ethiopia of launching drone strikes on civilian infrastructure



