أخبار العالم

رئيس أذربيجان يغيب عن قمة “الدول التركية” وأردوغان يشدد على الوحدة

شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الجمعة، على مبدأ الأخوة بين دول منظمة الدول التركية، وذلك خلال القمة الـ13 التي تستضيفها أنقرة، في ظل غياب رئيس أذربيجان إلهام علييف عن القمة، ما يؤكد عدم تجاوز تركيا وأذربيجان الأزمة الأخيرة المرتبطة بانتقاد شخصيات تركية قرار باكو منع ارتداء الحجاب في المدارس.

وانطلقت فعاليات القمة أمس الخميس، واستمرت اليوم بعقد الجلسة الرئيسية بعد التقاط الصورة الجماعية. ومن المقرر أن تستمر اللقاءات الثنائية بعد جلسة إلقاء الكلمات. ويمثل أذربيجان وزير الخارجية جيهون بايراموف، الذي سلّم رئاسة المنظمة لتركيا. كما وقّع القادة في نهاية الجلسة الرسمية على البيان الختامي، الذي يتضمن القرارات المتخذة، على أن تعلن لاحقاً.

وشكل غياب علييف صدمة كبيرة لدى الرأي العام السياسي والإعلامي والشعبي التركي، وتفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع الحدث، وسط غضب من مواقف علييف. وكانت تركيا قد سعت إلى احتواء الأزمة في الأيام السابقة، من خلال إقالة كبير مستشاريها أوكتاي سارال الذي انتقد منع الحجاب، وإجراء اتصال هاتفي مع علييف. وكانت التوقعات تشير إلى تجاوز الأزمة، لكن يبدو أنها لم تنته بعد، فيما أصدرت أذربيجان قائمة تضم 31 شخصية تركية ممنوعة من دخولها، من بينهم رئيس حزب الرفاه مجدداً فاتح أربكان والنائب البرلماني عن حزب ديم عمر فاروق غرغلي أوغلو.

ومثل أذربيجان في القمة وزير خارجيتها جيهون بايراموف، الذي قال إن الموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية وموارد الطاقة التي تمتلكها الدول التركية تتيح فرصا واسعة لتعزيز دورها في مجالات النقل والتجارة وأمن الطاقة على المستوى الدولي. وفي كلمته، الجمعة، هنأ بايراموف الشعب التركي بالذكرى الـ103 لتأسيس الجمهورية، وشكر أنقرة على حسن الضيافة والتنظيم، معتبرا أن الصراعات العسكرية والتهديدات الأمنية الجديدة وانتهاك مبادئ القانون الدولي تمثل تحديات خطيرة أمام الدول.

وأكد بايراموف أن أذربيجان تواصل أداء دور داعم للاستقرار والسلام في المنطقة، مشيرا إلى أن بلاده استعادت كامل أراضيها وسيادتها بعد إنهاء الاحتلال الأرميني الذي استمر نحو 30 عاما، وأن تطبيع العلاقات بين باكو ويريفان لا يزال متواصلا. وقال إن أذربيجان تنتظر من أرمينيا اتخاذ الخطوات السياسية والقانونية اللازمة لتوقيع اتفاق سلام، مؤكدا رغبة بلاده في إحلال سلام دائم وموثوق في جنوب القوقاز والانتقال من مرحلة الصراع إلى التعاون.

وتعقد القمة تحت عنوان “مئوية العالم التركي: الوحدة في اللغة والفكر والعمل”، بمشاركة الدول الأعضاء، وهي تركيا وأذربيجان وأوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان، والدول المراقبة، وهي المجر وتركمانستان وقبرص التركية ومنظمة التعاون الاقتصادي، بضيافة الرئيس رجب طيب أردوغان. وعقد اجتماع وزراء خارجية الدول أمس الخميس.

وقال الرئيس التركي أردوغان في كلمته بالقمة: “في صورة العائلة التي تجمع العالم التركي، لا مكان للانقسام أو الخلاف أو الصراع، كلنا واحد، نحن معاً، وبإذن الله نحن إخوة من الأزل إلى الأبد”. وتداولت وسائل الإعلام هذه الجملة بكثافة، على اعتبار أنها رسالة موجهة إلى أذربيجان. وأضاف: “أصبحت الصورة العائلية التي التقطناها أمس واليوم رمزاً لانتمائنا إلى ماضينا ورغبتنا في بناء مستقبلنا المشترك. وحددنا شعار اجتماعنا: القرن التركي، الوحدة في اللغة والفكر والعمل. ونحن في تركيا نتولى اليوم الرئاسة الدورية للمنظمة من أذربيجان، ونسعى إلى تحقيق تقدم في مجالات مثل نشر اللغة المشتركة، ودعم الأنشطة الثقافية، لا سيما الرياضية، وتيسير السفر بين البلدان، بما يعزز روابطنا الأخوية”.

وتطرق أردوغان إلى وضع الدول المراقبة في المنظمة قائلا: “أعتقد أن مجلس المنظمة سيعزز تواصله مع جمهورية شمال قبرص التركية. وبهذه المناسبة، نعرب عن تقديرنا لمساهمات تركمانستان في المنظمة، ونأمل أن نراها عضواً كامل العضوية في مجلس عائلتنا في أقرب وقت”. وتحدث أردوغان عن التطورات الإقليمية والدولية قائلاً: “إن جنوب القوقاز الذي يسوده السلام والاستقرار سيتيح فرصاً هائلة للعالم التركي بأسره ولدول المنطقة. وفي هذا الصدد، ندعم الاتصالات التي يجريها إخوتنا في أذربيجان مع أرمينيا، ونؤكد التزامنا بمواصلة المساهمة قدر المستطاع في تحقيق سلام دائم”.

وأضاف أن الصراعات في المنطقة لا تصب في مصلحة أي طرف، ولها عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي والتجارة وأسواق الطاقة. وتابع: “نأمل أن يحل التوتر المتصاعد مؤخراً مع إيران عبر الدبلوماسية لا السلاح. وأعتقد أنه يتعين علينا، بصفتنا دولاً، بذل جهود أكبر للتوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية التي تعد جرحاً نازفاً. ويجب تقديم الدعم اللازم لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وإطلاق جهود إعادة الإعمار في أسرع وقت ممكن”.

وتأسست المنظمة بداية باسم “مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية”، بموجب اتفاقية نخجوان الموقعة في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2009 بين تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان. ثم تغير اسمها إلى منظمة الدول التركية بقرار اتخذ في قمة إسطنبول عام 2021. وتتمثل أهدافها الرئيسية في تعزيز الثقة المتبادلة بين الدول التركية، ودعم التضامن السياسي، وتطوير التعاون الاقتصادي والتقني وتعميقه، وتوثيق التراث التاريخي والثقافي للعالم التركي والترويج له. ويقع مقر أمانتها في إسطنبول.

وتنعقد القمة الـ13 على وقع تطورات عاصفة في المنطقة تهم دول المنظمة جميعها، الممتدة من وسط آسيا إلى منطقة الأناضول، لا سيما بعد الحرب الأميركية على إيران وتصاعد تداعياتها لتشمل دول المنطقة، والسعي إلى احتوائها عبر تشكيل تحالفات وتكتلات جديدة. ويضاف إلى ذلك ما تفرضه الحرب من تكاليف باهظة، من خلال ارتفاع أسعار النفط وتضرر طرق التجارة والبحث عن مسارات بديلة، فضلاً عن التطورات في فلسطين والأراضي المحتلة وسياسات إسرائيل التوسعية في دول الجوار، وهي مسائل تهم المنطقة والعالم.

وتظهر الأزمة بين تركيا وأذربيجان أن رابط اللغة والعرق قد لا يكون سبباً للوحدة بين الدول، إذ تسيطر الخلافات الأيديولوجية والعلاقات الدولية وخصوصية كل دولة على مسار العلاقات الثنائية. ومن هذا المنطلق، ظهر الخلاف بين تركيا وأذربيجان في صورة خلاف أيديولوجي وخلاف بشأن علاقة كل دولة بإسرائيل؛ إذ تراجعت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مستويات دنيا، فيما تتمتع علاقات باكو بتل أبيب بصفة متميزة. وكانت تركيا من أبرز داعمي أذربيجان في حربها لاستعادة إقليم كاراباخ من الاحتلال الأرميني عام 2020، تحت شعار “شعب واحد في دولتين”. وتثير الأزمة الأخيرة تساؤلات عن مدى واقعية هذا الشعار.

أزمة عميقة

وتعقيبا على غياب أذربيجان عن القمة، قال الكاتب والباحث في الشأن التركي طه عودة أوغلو، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “هذا الحدث جاء في ظل توترات تابعناها خلال الأيام الماضية بين أنقرة وباكو. لكن لا نستطيع القول إن غياب علييف عن القمة، التي شارك فيها على مدى السنوات الماضية، يعني أن العلاقات بين تركيا وأذربيجان دخلت أزمة. ويمكن القول إن هذا الغياب يكتسب أهمية بسبب توقيته وحساسية المرحلة التي تمر بها العلاقة، وخاصة التوترات التي شهدها البلدان”.

وأضاف: “من المبكر جدا الحديث عن دخول العلاقة أزمة كبيرة أو حتى قطيعة، خاصة أننا تحدثنا عن أن العلاقة بين البلدين تقوم على مصالح، سواء أكانت دفاعية أم اقتصادية أم سياسية. ولا يمكن الحكم على مستقبل العلاقة من خلال حضور علييف أو غيابه عن هذه القمة، خاصة في ظل الحديث عن شعب تركي يعيش في بلدين”.

واستدرك عودة أوغلو قائلا: “تبقى هناك علامات استفهام ونقاط عالقة لدى البلدين، خاصة في ظل مساعي حصر التوتر في خانة العلاقات التركية مع أذربيجان. لكن يبدو واضحا أن غياب علييف يأتي في ظل التوترات، على الرغم من أن السبب المعلن هو مشاركته في حدث آخر. أما ما لا يعلن، والواضح للجميع، فهو أن الأمور تمر حاليا بأزمة عميقة. ويتمثل الخوف والقلق لدى تركيا في هذه المرحلة في أن تتأثر علاقاتها مع أذربيجان، في ظل دخول عناصر أخرى (إلى العلاقات في المنطقة)، أتحدث هنا عن العنصر الإسرائيلي، وعن منطقة القوقاز وممرات الطاقة، وهي كلها مهمة لأنقرة. والدخول في أزمات ومشكلات في هذه المرحلة الحساسة يثير القلق، إذ تمر المنطقة بمرحلة تشهد تشكلات جديدة في الشرق الأوسط”.

وختم بالقول: “أتصور أن العلاقة بين البلدين يمكن أن تبقى في إطار التوترات السياسية، كما تابعنا، لكن لا نستطيع حتى هذه اللحظة القول إنها دخلت أزمة كبيرة على مستوى الزعماء، خاصة أن أردوغان تحدث مع علييف قبل هذه القمة ودعاه إلى المشاركة فيها”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق