أفغانستان وباكستان: تصعيد حدودي متجدد يعمّق الخلافات الأمنية بين البلدين

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 30-10-2026
اتهامات متبادلة بشأن استهداف المدنيين، وتصاعد المواجهات الحدودية، وخلافات حول الجماعات المسلحة وخط دوراند.. ملفات تعيد العلاقات بين كابل وإسلام آباد إلى دائرة التوتر
تعود العلاقات الأفغانية الباكستانية إلى واجهة التوترات الإقليمية، في ظل تجدد الاتهامات المتبادلة بشأن الضربات الجوية والمدفعية على المناطق الحدودية، وما تثيره من مخاوف بشأن اتساع رقعة المواجهة وتداعياتها الأمنية والإنسانية. ففي الوقت الذي تتهم فيه حكومة طالبان القوات الباكستانية باستهداف مناطق مدنية داخل الأراضي الأفغانية، تنفي إسلام آباد هذه الاتهامات، مؤكدة أن عملياتها العسكرية تستهدف الجماعات المسلحة التي تعتبرها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي
ويأتي هذا التصعيد في سياق أزمة متراكمة بلغت ذروتها خلال أكتوبر 2025، عندما شهدت الحدود المشتركة مواجهات وُصفت بأنها الأعنف منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في كابل عام 2021. ورغم التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بوساطة قطرية وتركية، فإن استمرار الخلافات الأمنية والسياسية حال دون تحويل التهدئة إلى تسوية مستدامة، لتبقى العلاقة بين الجارتين رهينة حسابات أمنية متضاربة وانعدام متبادل للثقة
ضربات جوية واتهامات باستهداف المدنيين
في 25 نوفمبر 2025، اتهمت الحكومة الأفغانية الجيش الباكستاني بشن غارات جوية على مناطق في أقاليم خوست وكونار وباكتيكا شرقي البلاد، مشيرة إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، بينهم أطفال ونساء
وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، إن إحدى الضربات استهدفت منزلًا مدنيًا في إقليم خوست، وأسفرت، وفق الرواية الأفغانية، عن مقتل عشرة أشخاص، بينهم تسعة أطفال وامرأة، إلى جانب إصابة أربعة أشخاص في ضربات أخرى بإقليمي كونار وباكتيكا. كما توعدت كابل بالرد على الهجمات، معتبرة إياها انتهاكًا لسيادة البلاد.
في المقابل، نفت إسلام آباد استهداف المدنيين أو المواقع السكنية، مؤكدة أن عملياتها العسكرية لا تستهدف الشعب الأفغاني، وإنما ترتبط بملاحقة الجماعات المسلحة التي تنشط عبر الحدود. وشدد المتحدث باسم القوات المسلحة الباكستانية، الجنرال أحمد شريف، على أن بلاده لا تخوض مواجهة مع الأفغان، بل مع التهديدات الإرهابية التي تستهدف أمنها
وتتجاوز خطورة هذه الاتهامات حدود الخلاف السياسي، خصوصًا في ظل توثيق الأمم المتحدة خسائر بشرية كبيرة خلال المواجهات السابقة. فقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، في 16 أكتوبر 2025، تسجيل مقتل 17 مدنيًا وإصابة 346 آخرين في منطقة سبين بولداك بإقليم قندهار، فضلًا عن توثيق 16 ضحية مدنية، بين قتيل وجريح، في اشتباكات سابقة بأقاليم باكتيكا وبكتيا وكونار وهلمند. وتعكس هذه الأرقام حجم الكلفة الإنسانية للمواجهات الحدودية، بصرف النظر عن الروايات المتبادلة بشأن المسؤولية عنها
حركة طالبان الباكستانية.. جوهر الخلاف الأمني
يُعد ملف حركة طالبان الباكستانية، المعروفة اختصارًا بـ«TTP»أحد أبرز العوامل التي تؤجج التوتر بين البلدين. فمنذ سنوات، تواجه باكستان تصاعدًا في الهجمات التي تستهدف قواتها الأمنية ومؤسساتها الحكومية، وتتهم الحركة بالوقوف وراء عدد منها، مستفيدةً، وفق الرواية الباكستانية، من وجود ملاذات ومناطق نشاط داخل الأراضي الأفغانية
وتطالب إسلام آباد حكومة طالبان باتخاذ إجراءات حاسمة لمنع استخدام الأراضي الأفغانية قاعدةً لتنفيذ هجمات ضدها، معتبرة أن استمرار نشاط الحركة يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي واستقرار مناطقها الحدودية
في المقابل، ترفض كابل هذه الاتهامات، وتؤكد أن تحميلها مسؤولية الهجمات داخل باكستان لا يستند إلى معالجة حقيقية للأسباب الداخلية للأزمة الأمنية الباكستانية. كما تنظر السلطات الأفغانية إلى الضربات العسكرية العابرة للحدود باعتبارها انتهاكًا لسيادتها، وترفض تحويل ملف الجماعات المسلحة إلى مبرر للتدخل العسكري داخل أراضيها
وتكمن حساسية هذا الملف في طبيعة العلاقة بين حركة طالبان الأفغانية ونظيرتها الباكستانية؛ فعلى الرغم من التقارب الأيديولوجي والتاريخي بينهما، فإنهما تنظيمان منفصلان، ولا يعني هذا التقارب بالضرورة تطابق حساباتهما أو خضوع إحداهما لسلطة الأخرى. ومن ثم، فإن مطالبة إسلام آباد كابل باستخدام نفوذها لاحتواء الحركة تصطدم بتعقيدات سياسية وأمنية تتجاوز مجرد إصدار قرارات أو تعهدات رسمية
هدنة الدوحة ومحادثات إسطنبول.. تسوية مؤجلة
لم تكن مواجهات أكتوبر 2025 مجرد اشتباكات حدودية عابرة، بل مثّلت تصعيدًا خطيرًا دفع الطرفين إلى قبول وساطة إقليمية لاحتواء الموقف. ففي 19 أكتوبر، توصلت أفغانستان وباكستان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في العاصمة القطرية الدوحة، بوساطة قطرية وتركية، في محاولة لوقف المواجهات وفتح المجال أمام معالجة الخلافات الأمنية.
غير أن الاتفاق لم ينهِ التباينات الجوهرية بين الجانبين. فخلال المحادثات التي استضافتها إسطنبول بين 25 و30 أكتوبر 2025، برز الخلاف بشأن مطالبة باكستان باتخاذ إجراءات ملموسة ضد حركة طالبان الباكستانية، مقابل رفض كابل تحمل مسؤولية أنشطة الحركة داخل الأراضي الباكستانية
ورغم عدم التوصل إلى تسوية نهائية، اتفقت الأطراف المشاركة في 30 أكتوبر على استمرار وقف إطلاق النار، والعمل على إنشاء آلية للمراقبة والتحقق من الالتزام به، على أن تُستكمل مناقشة الترتيبات التنفيذية في اجتماع لاحق
ويكشف هذا المسار عن الفجوة بين نجاح الوساطات الإقليمية في احتواء المواجهات مؤقتًا، وصعوبة معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع نحو تجددها. فالهدنة قد توقف إطلاق النار، لكنها لا تحسم الخلاف حول الجماعات المسلحة أو الحدود أو طبيعة الالتزامات الأمنية المتبادلة.
خط دوراند.. خلاف تاريخي يثقل العلاقات الثنائية
لا يمكن فهم طبيعة التوتر بين أفغانستان وباكستان بمعزل عن الخلاف التاريخي حول خط دوراند، الذي يشكل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين
ويعود هذا الخط إلى الاتفاق الذي أُبرم عام 1893 بين الحاكم الأفغاني آنذاك أمير عبد الرحمن خان والإدارة البريطانية في الهند، لتحديد نطاق النفوذ والحدود بين الجانبين. ويمتد الخط على مسافة تقارب 2600 كيلومتر، فاصلًا بين أفغانستان وباكستان، ومقسمًا مناطق تقطنها جماعات قبلية، خصوصًا البشتون، تربطها امتدادات اجتماعية وتاريخية على جانبي الحدود
وتتمسك باكستان باعتبار خط دوراند حدودًا دولية معترفًا بها، بينما لم تعترف الحكومات الأفغانية المتعاقبة به بوصفه حدودًا نهائية، مستندةً إلى خلفيته الاستعمارية وما ترتب عليه من تقسيم للمجتمعات المحلية
وتزداد حساسية هذا الملف بسبب ارتباطه بإجراءات ضبط الحدود وإقامة الحواجز والسياج الحدودي، فضلًا عن القيود المفروضة على حركة السكان عبر المعابر الرئيسية، وفي مقدمتها طورخم وتشمن. وبذلك، لا يمثل خط دوراند مجرد خلاف جغرافي أو قانوني، بل يرتبط أيضًا بقضايا الهوية والانتماء والسيادة والأمن الإقليمي
من التحالف الاستراتيجي إلى تراجع الثقة
تبدو المفارقة في العلاقات الأفغانية الباكستانية أكثر وضوحًا عند العودة إلى الخلفية التاريخية للعلاقة بين إسلام آباد وحركة طالبان الأفغانية. فقد دعمت باكستان الحركة خلال تسعينيات القرن الماضي، في إطار حسابات إقليمية ارتبطت بالسعي إلى تعزيز نفوذها داخل أفغانستان وموازنة الحضور الهندي في البلاد، ضمن ما عُرف بسياسة العمق الاستراتيجي
لكن عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 لم تؤدِّ إلى ترسيخ شراكة مستقرة بين الطرفين. فسرعان ما ظهرت خلافات بشأن إدارة الحدود، ونشاط الجماعات المسلحة، وطبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية، فضلًا عن تباين التصورات حول المصالح الأمنية لكل دولة
وبدلًا من أن تتحول الروابط السابقة إلى ضمانة للاستقرار، وجدت إسلام آباد نفسها أمام تحديات أمنية متزايدة، في حين تسعى حكومة طالبان إلى تثبيت استقلالية قرارها ورفض الضغوط الخارجية في الملفات التي تعتبرها شؤونًا داخلية. وهكذا انتقلت العلاقة تدريجيًا من التقارب القائم على اعتبارات استراتيجية مشتركة إلى نمط من التوتر تحكمه الحسابات الأمنية المتعارضة
التداعيات الإنسانية والاقتصادية للتصعيد
لا تتوقف انعكاسات المواجهات عند حدود التبادل العسكري والاتهامات السياسية، بل تمتد إلى السكان المقيمين في المناطق الحدودية، الذين يتحملون جانبًا كبيرًا من كلفة عدم الاستقرار. فقد أدت الاشتباكات إلى سقوط ضحايا مدنيين، فضلًا عن النزوح وتعطيل الخدمات الأساسية وتراجع النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة
كما يشكل إغلاق المعابر الحدودية، منذ 12 أكتوبر 2025، عامل ضغط إضافيًا على العلاقات الثنائية، بالنظر إلى أهميتها في حركة التجارة ونقل السلع وتنقل الأفراد. ويؤثر تعطيل هذه الممرات في التجار والناقلين والمجتمعات المحلية، فضلًا عن تداعياته على سلاسل الإمداد والأسعار في البلدين
وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة بالنسبة إلى أفغانستان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الممرات البرية في تجارتها الخارجية، بينما تواجه باكستان بدورها تحديات اقتصادية وأمنية تجعل استمرار التوتر الحدودي عبئًا إضافيًا على استقرارها الداخلي
ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع إغلاق الحدود باعتباره مجرد إجراء أمني مؤقت، بل بوصفه عاملًا قد يفاقم الهشاشة الاقتصادية والإنسانية، ويحد من فرص بناء علاقات تجارية مستقرة بين البلدين
جنوب آسيا أمام اختبار أمني جديد
يتجاوز التوتر الأفغاني الباكستاني نطاق العلاقات الثنائية، نظرًا إلى موقع البلدين ضمن بيئة إقليمية تتشابك فيها المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية. فاستمرار المواجهات يثير مخاوف بشأن استقرار جنوب آسيا، ويضع دول الجوار أمام تحديات إضافية تتعلق بأمن الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة وحماية طرق التجارة والعبور
كما أن استمرار الأزمة قد ينعكس على حسابات القوى الإقليمية، ولا سيما الصين التي ترتبط بباكستان بشراكة استراتيجية ومشروعات اقتصادية كبرى، من بينها الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. ويجعل ذلك استقرار الحدود الأفغانية الباكستانية مسألة تتجاوز المصالح المباشرة للبلدين، لتلامس أمن الاستثمارات والاتصال الإقليمي ومشروعات البنية التحتية
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الوساطات الدبلوماسية ضرورية، لكنها تظل غير كافية ما لم تقترن بآليات عملية للتحقق من الحوادث الحدودية، وتبادل المعلومات الأمنية، ومنع استخدام الأراضي في تنفيذ الهجمات، وضمان احترام سيادة البلدين وحماية المدنيين
تسوية الخلافات أم إدارة التصعيد؟
تكشف الأزمة بين أفغانستان وباكستان عن تعقيدات تتجاوز المواجهات العسكرية المتقطعة، إذ تتداخل فيها إشكالية الحدود الموروثة، ونشاط الجماعات المسلحة، وتضارب التصورات الأمنية، وتراجع الثقة السياسية بين الجانبين
وبينما أثبتت الوساطات القطرية والتركية قدرتها على فتح قنوات للحوار واحتواء بعض موجات التصعيد، فإن استمرار الخلافات الجوهرية يجعل أي اتفاق لوقف إطلاق النار عرضة للاهتزاز ما لم يتحول إلى إطار أمني وسياسي واضح، يتضمن التزامات متبادلة وآليات للتحقق والتنفيذ
وفي المحصلة، لا يكمن التحدي أمام كابل وإسلام آباد في احتواء مواجهة عسكرية جديدة فحسب، بل في معالجة جذور أزمة ظلت تتجدد رغم تغير الحكومات والتحالفات والظروف الإقليمية. فاستمرار إدارة الخلاف بمنطق الردود المتبادلة قد يحوّل الحدود المشتركة إلى بؤرة دائمة للتوتر، بينما يتطلب تحقيق الاستقرار مقاربة تتجاوز الحسابات الأمنية الضيقة نحو تفاهمات سياسية تحمي السيادة، وتصون حياة المدنيين، وتمنع انتقال تداعيات الأزمة إلى محيط إقليمي أوسع



