هل سيتخلى الأوروبيون عن أوكرانيا؟

اعداد الدكتور فاتن الدوسري: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 30-10-2026
الحرب الروسية الأوكرانية شأن أوروبي خالص، فهي لأوروبا معركة مصير ووجود، إذ لا تكمن مخاوفها من سيطرة روسيا على أوكرانيا بل من امتداد طموحات بوتين للهيمنة الكاملة على دول شرق أوروبا. لذا كان ولا يزال الدعم الأوروبي الراسخ لأوكرانيا الذي تجاوز الـ100 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، مستنداً على رهان رئيسي وهو استنزاف روسيا إلى أقصى حد ممكن حتى تنسحب أو تقبل صفقة لا يتجاوز حدها الأقصى عدم انضمام أوكرانيا للناتو والاعتراف بسيادة روسيا على القرم.
قلبت حرب المسيّرات الأوكرانية المدعومة من أوروبا مصير المعركة رأساً على عقب؛ إذ ألحقت بروسيا خسائر فادحة، وشلّت قطاع الطاقة، واخترقت منشآت عسكرية حساسة، مما تسبب في إحراج شديد للقيادة الروسية، وهو ما يتمناه الأوروبيون؛ فاستمرار نزيف الخسائر قد يدفع بوتين للتعجيل بصفقة هزيلة، أو اضطرابات داخلية شديدة، أو انقلاب عسكري داخلي.
تدرّج رد الفعل الروسي ضد مسيّرات أوكرانيا بدءاً من زيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية والمسيّرات، وتكثيف الضربات على أوكرانيا، ورفع التعبئة العامة في الجيش، والاستعانة بجنود من كوريا الشمالية، وصولاً للتهديد المباشر باستهداف مصانع المسيّرات الداعمة لأوكرانيا في 11 دولة أوروبية، بما في ذلك تركيا.
المأزق الأوروبي الخطير والسيناريوهات
أخذت أوروبا تهديدات بوتين بضرب مصانع المسيّرات على محمل الجد، وهو ما تبدّى من دعوة عدة حكومات أوروبية، بما في ذلك بريطانيا، شعوبها للاستعداد للحرب مع روسيا وتوفير الغذاء والمياه؛ بعض الحكومات بدأت تدريب مواطنيها على خطط للهروب والإخلاء. وذلك لعدة اعتبارات أهمها أن روسيا في أزمة حقيقية أمام عجزها عن إيقاف مئات المسيّرات الأوكرانية أسبوعياً، ولعل وضع الأوروبيين في الاعتبار أيضاً الاختراقات وأعمال التخريب التي نفذتها روسيا خلال الأشهر الماضية ضد مصالح أوروبية، كان أشهرها تفجير مسيّرة في مطار ألماني، علاوة على اختراق المسيّرات الروسية أجواء فنلندا والسويد عدة مرات.
إن ضرب روسيا لأي دولة أوروبية هو بمثابة اشتعال شرارة الحرب الشاملة مع روسيا لأن الناتو ملزم بالرد على أي اعتداء على دولة عضو. وحقيقة الأمر أن مخاوف أوروبا لا تنبع من الحرب الشاملة مع روسيا–رغم صعوبتها وفادحتها– بل من تهور روسيا باستخدام السلاح النووي التكتيكي، فمعركة تقليدية بين روسيا والناتو سيحسمها الأخير، لكن يدرك الأوروبيين جيداً أن خيار استخدام النووي وارد بشدة إذا شعر بوتين أن هزيمة روسيا باتت شبه محققه.
أوروبا بالفعل في مأزق شديد الخطورة؛ فهي تستعد لحرب مُكْرَهة عليها، ومن ثم، فرفضها للحرب واردٌ أيضاً، وعموماً أوروبا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما، ولا ترجيح لأحدهما:
الأول– التخلي عن أوكرانيا: لا يُرجَّح هذا السيناريو بسبب احتمالية الحرب النووية فقط، بل أيضاً بسبب إدراك الأوروبيين أن رهان استنزاف روسيا قد فشل، فما دام بوتين المسيطر على الدولة وأجهزتها الأمنية بقبضة حديدية صارمة موجوداً فلا استسلام لروسيا. يُضاف إلى ذلك التخلي شبه التام لواشنطن عن أوكرانيا؛ لأن الناتو من الصعب أن ينتصر على روسيا دون واشنطن، وما يجري من إعداد صفقة بين إدارة ترامب وبوتين حالياً يؤشر للأوروبيين بموافقة أمريكية على جميع مطالب روسيا القاسية، بما في ذلك مستجد عزل زيلينسكي. ولعل الأمل الوحيد للأوروبيين في هذا السيناريو هو قدرة واشنطن على إقناع بوتين بالاكتفاء بأوكرانيا وعدم التمدد أبعد من ذلك.
الثاني– الحرب الشاملة: لا يثق الأوروبيون في بوتين على الإطلاق، وقد قاموا بدعم أوكرانيا بمليارات الدولارات، ووجدوا أن رهان الاستنزاف قد أتى بثماره في مناحٍ كثيرة. ومن ثم، فمضي الأوروبيين للحرب حتى دون واشنطن وارد، ربما واضعين في الاعتبار استكمال الاستنزاف لروسيا وعدم احتمالية استخدام النووي؛ لأن تداعياته شديدة الكارثية حتى على روسيا. كما ترى أوروبا نفسها في معركة “وجود” مفروضة عليها، لا يُجدي نفعاً معها الاستسلام لقوى مارقة.
خلاصة القول، تمر أوروبا بأخطر منعطف لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مصير وجودى، خيارات محدودة، أزمات اقتصادية طاحنة أدت إلى مظاهرات جياع في فرنسا وإيطاليا، حليف استراتيجي غايب غارق في وحل حرب إيران، مما قد يجبرها على التخلي عن أوكرانيا لا سيما في ظل الانقسام الأوروبي الحاد.



