مجموعة العشرين في أتلانتا: خلافات القوى الكبرى تعمّق أزمة التوافق الدولي

قسم الاخبار الدولية 2026/11/02
عكست اجتماعات وزراء خارجية مجموعة العشرين، التي انعقدت في مدينة أتلانتا الأمريكية يومي 30 و31 أكتوبر 2026، حجم الانقسامات المتزايدة داخل النظام الدولي، في ظل تباين مواقف القوى الكبرى إزاء عدد من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، والتصعيد في الشرق الأوسط وإيران، والسياسات التجارية الأمريكية، والتنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين. وجاء الاجتماع في سياق دولي تتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية مع الاضطرابات الاقتصادية، بما يضع قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على تنسيق الاستجابات الدولية أمام اختبار متزايد الصعوبة.
وعلى الرغم من أهمية مجموعة العشرين باعتبارها منصة تجمع الاقتصادات الكبرى والدول الصاعدة، فإن أجواء الاجتماع عكست محدودية فرص التوصل إلى موقف موحد بشأن القضايا المطروحة. فقد أشار دبلوماسيون وخبراء إلى أن التباينات العميقة بين الأعضاء تجعل إصدار بيان ختامي مشترك أو الاتفاق على إجراءات جماعية أمرًا مستبعدًا، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية للدول المشاركة.
افتتاح متوتر في ظل الأزمات الدولية
استضاف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو نظراءه في أتلانتا، بمشاركة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في اجتماع جاء وسط تصاعد التوترات الدولية وتراجع مساحات التفاهم بين القوى المؤثرة. وفي كلمته الافتتاحية، وصف روبيو المرحلة الراهنة بأنها «لحظة حرجة»، مشيرًا إلى الترابط المتزايد بين الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية، وما تفرضه من تحديات على أمن الطاقة والغذاء والتجارة الدولية وحرية الملاحة.
غير أن الرسائل الدبلوماسية التي حملها افتتاح الاجتماع لم تنجح في تبديد التوترات المحيطة به. فقد ألغت واشنطن الصورة الجماعية التقليدية للوزراء المشاركين، بعد اعتراضات من دبلوماسيين أوروبيين على الظهور في صورة واحدة مع لافروف، في خطوة عكست استمرار تداعيات الحرب الأوكرانية على العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والدول الغربية.
وزادت الخلافات حدة بعد قرار الولايات المتحدة عدم دعوة جنوب أفريقيا، رغم عضويتها في مجموعة العشرين، وهو ما أثار اعتراضات وتساؤلات بشأن طبيعة التمثيل داخل المجموعة وحدود صلاحيات الدولة التي تتولى رئاستها الدورية في تنظيم اجتماعاتها. وبذلك لم تقتصر الانقسامات على مضمون القضايا المطروحة، بل امتدت إلى الترتيبات الدبلوماسية والتنظيمية للاجتماع نفسه.
الحرب الأوكرانية: الخلاف الأكثر تعقيدًا
احتل النزاع الروسي الأوكراني موقعًا محوريًا في المباحثات، باعتباره أحد أبرز الملفات التي تكشف التباعد بين المواقف الغربية والروسية. فبينما تتمسك الدول الأوروبية بضرورة مواصلة الضغط السياسي والاقتصادي على موسكو، تؤكد روسيا مواقفها الرافضة للمطالب الغربية، الأمر الذي يجعل التوصل إلى صياغة مشتركة بشأن الحرب أو مسارات تسويتها أمرًا بالغ التعقيد.
وفي هذا السياق، وصف دبلوماسيون حضروا الاجتماعات الموقف الروسي بأنه غير مرن، كما برز خلاف إضافي بشأن معارضة موسكو انضمام بولندا إلى مجموعة العشرين. وشارك وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي في الاجتماع بصفته ضيفًا، حيث أشار إلى صعوبة بناء موقف مشترك في ظل وجود أطراف منخرطة في حروب ونزاعات مباشرة حول طاولة واحدة.
من جانبها، دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى زيادة الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا، وتعزيز آليات المساءلة عن الانتهاكات المرتبطة بالحرب، بما في ذلك العمل على إنشاء المحكمة الخاصة بأوكرانيا ولجنة المطالبات. وأكدت أن روسيا ينبغي أن تتحمل المسؤولية عن أفعالها، في موقف يعكس استمرار تمسك المؤسسات الأوروبية بمسار الضغط والمحاسبة.
في المقابل، أضافت بعض التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه موسكو عنصرًا آخر من التعقيد إلى الموقف الغربي، بعدما أثارت تساؤلات لدى الحلفاء الأوروبيين بشأن مستوى التنسيق بين واشنطن والعواصم الأوروبية في إدارة الملف الروسي. ويكشف ذلك عن تباينات لا تقتصر على العلاقة مع موسكو، بل تشمل أيضًا اختلاف التقديرات بشأن كيفية إنهاء الحرب وتحقيق التوازن بين الضغوط الدبلوماسية ومتطلبات التسوية السياسية.
وبالتالي، لم يعد الملف الأوكراني مجرد خلاف بين روسيا والغرب، بل أصبح اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة وأوروبا على الحفاظ على موقف منسق، ولإمكانية استمرار الحوار متعدد الأطراف في ظل وجود مصالح ومقاربات متعارضة بصورة مباشرة.
إيران والشرق الأوسط: تداعيات أمنية تتجاوز حدود المنطقة
لم يكن الملف الأوكراني التحدي الوحيد أمام المجتمعين، إذ فرضت التطورات في الشرق الأوسط والتوترات المرتبطة بإيران نفسها على النقاشات، في ظل المخاوف من اتساع نطاق المواجهة العسكرية وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى مجموعة العشرين، بالنظر إلى ارتباط أمن الطاقة واستقرار الأسواق الدولية بأمن الممرات البحرية الرئيسية، ولا سيما في منطقة الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر. فأي تصعيد عسكري واسع قد يؤدي إلى اضطراب حركة التجارة الدولية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلًا عن زيادة الضغوط على أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، حذّر روبيو من المخاطر التي تفرضها الاضطرابات الجيوسياسية على الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي، رابطًا بين التوترات الأمنية واستقرار التجارة والطاقة وحرية الملاحة.
كما أثارت التقارير المتعلقة باحتمال تنفيذ الولايات المتحدة ضربات عسكرية جديدة ضد إيران مخاوف إضافية بشأن مستقبل التوازنات الإقليمية. فالتصعيد المحتمل لا يقتصر تأثيره على العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل قد يمتد إلى أمن الخليج، وحسابات القوى الإقليمية، ومصالح الدول المستوردة للطاقة.
ويكشف هذا الملف عن صعوبة الفصل بين الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي الدولي، خاصة أن الدول الأعضاء في مجموعة العشرين تتبنى مقاربات مختلفة تجاه إيران، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو العقوبات أو ترتيبات الأمن الإقليمي. وهو ما يحد من فرص التوصل إلى موقف موحد بشأن كيفية احتواء التوترات ومنع تحولها إلى مواجهة أوسع.
التنافس الأمريكي الصيني: التجارة والمعادن الحرجة في صلب المواجهة
إلى جانب الملفات الأمنية، شكلت العلاقات الاقتصادية والتجارية محورًا أساسيًا في اجتماعات أتلانتا، خصوصًا في ظل تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. وسعت واشنطن إلى توسيع النقاش بشأن اختلالات الموازين التجارية، والقدرة الإنتاجية الصناعية، وتأمين سلاسل الإمداد المرتبطة بالتكنولوجيات المتقدمة والمعادن الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، دافع روبيو عن مبادرة «باكس سيليكا» (Pax Silica)، التي تستهدف بناء تعاون بين الدول المعنية بتأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، وتقليص الاعتماد على مصادر الإمداد التي تهيمن عليها الصين.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية استراتيجية بالنظر إلى الدور المتزايد للمعادن النادرة في الصناعات الإلكترونية والرقائق المتقدمة والبطاريات والسيارات الكهربائية والتكنولوجيات العسكرية. فامتلاك القدرة على استخراج هذه الموارد ومعالجتها والتحكم في سلاسل توريدها أصبح أحد محددات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي في النظام الدولي.
ومن هذا المنطلق، تسعى واشنطن إلى تحويل التعاون التجاري والصناعي إلى أداة لتعزيز أمنها الاقتصادي وبناء شراكات مع الدول التي تتقاطع مصالحها مع هذا التوجه. غير أن هذه المقاربة تثير تساؤلات بشأن إمكانية تحويل مجموعة العشرين إلى إطار لتنسيق السياسات الاقتصادية في مواجهة الصين، خاصة أن عددًا من أعضائها يرتبط بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة مع بكين، ولا يرغب بالضرورة في الانخراط ضمن ترتيبات قد تُفسَّر باعتبارها اصطفافًا ضدها.
وفي المقابل، تساهم التعريفات الجمركية الأمريكية والسياسات الحمائية في تعميق الخلافات التجارية، إذ ترى دول عديدة أن القيود التجارية والإجراءات الأحادية قد تزيد من اضطراب الأسواق وتضعف قواعد التجارة متعددة الأطراف.
وسبق أن واجهت المجموعة صعوبات في التوصل إلى توافق بشأن بيان أمريكي يتعلق بفائض القدرة الإنتاجية الصناعية، حيث اكتفى عدد من وزراء التجارة بتأييد الموقف المطروح دون صدور موقف جماعي شامل. ويعكس ذلك اتجاهًا متزايدًا نحو تشكيل تفاهمات محدودة بين الدول المتقاربة في المصالح، بدلًا من التوصل إلى اتفاقات تضم جميع أعضاء المجموعة.
وعليه، فإن التنافس الأمريكي الصيني لم يعد محصورًا في الرسوم الجمركية أو الميزان التجاري، بل امتد إلى التكنولوجيا والموارد الاستراتيجية والتحكم في البنية الصناعية العالمية، بما يجعل أي تفاهم اقتصادي داخل مجموعة العشرين مرتبطًا بصورة متزايدة بالحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى.
مجموعة العشرين وأزمة التعددية الدولية
تتجاوز دلالات اجتماع أتلانتا حدود الخلافات المرتبطة بالملفات المطروحة، إذ يعكس نمطًا أوسع من التحولات التي يشهدها النظام الدولي، خصوصًا تراجع القدرة على بناء توافقات متعددة الأطراف بشأن الأزمات الكبرى.
فقد أصبحت مجموعة العشرين، التي تأسست لتعزيز التنسيق الاقتصادي الدولي وتطوير الاستجابات المشتركة للأزمات، تواجه تحديات تتجاوز اختصاصها الاقتصادي التقليدي، مع تزايد ارتباط قضايا التجارة والطاقة والاستثمار بالأمن القومي والمنافسة الاستراتيجية والصراعات العسكرية.
ويبرز في هذا السياق اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، إلى جانب اختلاف مواقف الدول الصاعدة بشأن طبيعة النظام الدولي وتوزيع النفوذ داخله.
وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى حشد شركائها حول أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية، تحاول قوى متوسطة مثل الهند والبرازيل الحفاظ على هامش من الاستقلالية في علاقاتها الدولية، وتجنب الانخراط الكامل في محاور متنافسة. كما تسعى دول أخرى، من بينها كندا والمكسيك، إلى إدارة خلافاتها التجارية مع الولايات المتحدة دون الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والسياسية معها.
وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا في ظل غياب التوافق الذي كان يسمح لمجموعة السبع بتنسيق مواقفها بصورة مسبقة قبل الدخول في مفاوضات أوسع داخل مجموعة العشرين. ويشير هذا التطور إلى أن الانقسامات لم تعد مقتصرة على العلاقات بين القوى الغربية والقوى المنافسة لها، بل باتت تشمل أيضًا تباينات داخل المعسكر الغربي نفسه.
وفي هذا الإطار، اعتبرت هايدي كريبو-ريدايكر، الاقتصادية السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، أن مستوى الانقسام الحالي يفوق ما شهدته المجموعة في مراحل سابقة، في إشارة إلى اتساع التباعد بين المواقف الوطنية والحسابات الدولية.
من جهتها، طرحت إيلين ديزينسكي، المسؤولة الأمريكية السابقة ورئيسة مركز القوة الاقتصادية والمالية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، تصورًا يقوم على إصدار بيانات مشتركة من مجموعات محددة من الدول التي تتقاطع مصالحها بشأن قضايا بعينها، بدلًا من انتظار توافق شامل بين جميع الأعضاء.
ويعكس هذا الطرح تحولًا محتملًا في آليات العمل متعدد الأطراف، من نموذج يقوم على الإجماع الواسع إلى ترتيبات أكثر مرونة تستند إلى تحالفات موضوعية ومحددة. غير أن هذا المسار يطرح بدوره تساؤلات حول مدى قدرته على الحفاظ على شمولية المؤسسات الدولية ومنع تحول التعاون الدولي إلى تكتلات متنافسة.
من أتلانتا إلى ميامي: اختبار جديد للدبلوماسية الأمريكية
على الرغم من محدودية التوقعات بشأن التوصل إلى توافق وزاري شامل، اتفق المشاركون على مواصلة المشاورات والعمل على تقليص الخلافات تمهيدًا لقمة قادة مجموعة العشرين المقرر عقدها في مدينة ميامي الأمريكية خلال الفترة الممتدة من 14 إلى 16 ديسمبر 2026.
وتكتسب القمة المقبلة أهمية خاصة، باعتبارها المحطة التي ستختبر قدرة واشنطن على تحويل رئاستها للمجموعة إلى فرصة لبناء تفاهمات عملية بشأن القضايا الاقتصادية والأمنية المطروحة. كما ستكشف طبيعة المشاركة ومستوى التنسيق بين القادة عن حدود قدرة المجموعة على تجاوز الانقسامات التي ظهرت بوضوح خلال اجتماعات أتلانتا.
وفي الوقت نفسه، تظل الجهود الدبلوماسية المتعلقة بالحرب الأوكرانية ومساعي وقف إطلاق النار، بما فيها المحادثات الثلاثية المرتقبة بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في أبوظبي خلال نوفمبر، جزءًا من المشهد الأوسع الذي ستتأثر به المواقف الدولية في المرحلة المقبلة.
ولا يقتصر التحدي أمام مجموعة العشرين على صياغة بيان ختامي أو الاتفاق على مجموعة من التوصيات، بل يتعلق أساسًا بقدرتها على استعادة دورها كمنصة للتنسيق بين الاقتصادات الكبرى في مرحلة تتزايد فيها النزاعات وتتشابك فيها المصالح الاقتصادية والأمنية.
وفي المحصلة، تكشف اجتماعات أتلانتا عن مفارقة أساسية في النظام الدولي الراهن: فكلما ازدادت الحاجة إلى التعاون لمواجهة الأزمات العابرة للحدود، تراجعت قدرة القوى الكبرى على تجاوز خلافاتها وبناء استجابات مشتركة. وبين تنافس واشنطن وبكين، واستمرار المواجهة بين موسكو والغرب، وتنامي أدوار القوى المتوسطة، تبدو مجموعة العشرين أمام اختبار يتجاوز نتائج اجتماع وزاري عابر، ليطال مستقبل التعددية الدولية نفسها، ومدى قدرتها على توفير إطار عملي لإدارة عالم تتعدد فيه مراكز القوة وتتباين فيه الأولويات الاستراتيجية.



