أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

اليمن : كيف تستثمر القوى الخارجية الانقسامات و النزاعات الداخلية؟

يعيش اليمن على وقع نزاعات داخلية متشابكة وتعدد في مراكز النفوذ ما أضعف قدرة الدولة على توحيد القرار.

وفي ظل هذا الانقسام وجدت قوى إقليمية ودولية مجالاً لتوسيع نفوذها وتوظيف التباينات المحلية لخدمة مصالحها. فكيف تستثمر القوى الخارجية الانقسامات اليمنية وما تداعيات ذلك على مسار الصراع؟

 

• جذور النزاعات اليمنية :

لم ينفجر النزاع اليمني بشكل مفاجئ بل جاء نتيجة تراكم أزمات سياسية واجتماعية ومؤسساتية عميقة أضعفت الدولة وراكمت عوامل الانقسام داخل المجتمع اليمني.

وتعود إحدى أبرز جذور الأزمة إلى الإرث التاريخي للانقسام بين شمال اليمن وجنوبه إذ ظل الطرفان لسنوات كيانين سياسيين منفصلين، قبل أن يتم توحيدهما في 22 ماي 1990 وإعلان الجمهورية اليمنية. غير أن الوحدة لم تُنهِ التباينات بين الطرفين إذ سرعان ما تصاعد التنافس على السلطة والثروة وانتهى إلى حرب أهلية عام 1994، عندما أعلن قادة جنوبيون الانفصال قبل أن تتمكن القوات الموالية للرئيس علي عبد الله صالح من السيطرة على عدن في العام نفسه. وقد خلّفت الحرب شعوراً متزايداً بالتهميش في الجنوب خاصة مع إقصاء عدد من العسكريين الجنوبيين وإعادة توزيع أراضٍ وممتلكات وهو ما ساهم لاحقاً في ظهور الحراك الجنوبي المطالب بحقوق الجنوب. 

وفي المقابل عانت الدولة اليمنية من ضعف مؤسساتها وانتشار المحسوبية والفساد وتداخل النفوذ القبلي والعسكري مع مؤسسات الحكم الأمر الذي حدّ من قدرتها على إدارة التناقضات الداخلية. ولم تكن منطقة صعدة في شمال البلاد بمنأى عن هذه الهشاشة فمنها برزت حركة الحوثيين أو أنصار اللهالتي تعود جذورها إلى حركة “الشباب المؤمن” الزيدية والتي رفعت مطالب مرتبطة بالتهميش والتنمية والنفوذ السياسي.

وفي عام 2004 اندلعت أولى جولات القتال بين الحركة والقوات الحكومية بعد محاولة السلطات اعتقال قائدها حسين بدر الدين الحوثي لتتواصل المواجهات في صعدة في عدة جولات حتى التوصل إلى وقف لإطلاق النار عام 2010 من دون معالجة جذور الخلاف. 

وجاءت انتفاضة 2011 لتكشف بصورة أوضح هشاشة النظام السياسي. فقد خرجت احتجاجات واسعة ضد حكم علي عبد الله صالح الذي استمر في السلطة منذ 1978 في شمال اليمن ثم منذ الوحدة عام 1990. وانتهت الأزمة السياسية بتوقيع المبادرة الخليجية في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 والتي أفضت إلى انتقال السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي في 2012 مع منح صالح حصانة من الملاحقة. غير أن انتقال السلطة لم يكن انتقالاً كاملاً من نظام إلى آخر إذ بقيت شبكات النفوذ القديمة ومراكز القوة العسكرية والسياسية حاضرة، في وقت كانت فيه الدولة تعاني أصلاً من ضعف مؤسساتها وتعدد القوى المسلحة. 

ورغم إطلاق مؤتمر الحوار الوطني في 2013 بمشاركة 565 مندوباً يمثلون مختلف القوى والمناطق اليمنية فإن الحوار لم يتمكن من حسم القضايا الأكثر حساسية وعلى رأسها توزيع السلطة وشكل الدولة ومستقبل الأقاليم وعلاقة المركز بالأطراف. وقد اختُتم المؤتمر في 2014 بوضع تصور لدولة اتحادية وديمقراطية لكن الخلافات السياسية والأمنية بقيت قائمة، لتتزامن عملية صياغة الدستور مع تصاعد قوة الحوثيين عسكرياً. 

وكان عام 2014 نقطة التحول الأساسية التي انتقلت فيها الأزمة اليمنية من صراع سياسي إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. فقد تمكن الحوثيون مستفيدين من ضعف السلطة وانقسام المؤسسة العسكرية من التوسع خارج معقلهم في صعدة والسيطرة على محافظة عمران قبل دخول صنعاء في سبتمبر 2014. والأكثر دلالة أن هذا التوسع لم يكن نتيجة قوة الحوثيين وحدها بل تزامن مع تحالفات ميدانية متغيرة من بينها تعاون وحدات عسكرية موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح مع الحوثيين في مواجهة خصومهم. وفي سبتمبر 2014 تمكن الحوثيون وحلفاؤهم من السيطرة على العاصمة وأجزاء أخرى من البلاد رغم محاولات الوساطة والتوصل إلى اتفاقات سياسية. 

ومع استمرار الحوثيين في توسيع نفوذهم ووصولهم إلى مناطق جديدة، دخلت البلاد مرحلة أكثر تعقيداً خصوصاً بعد فرار الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى عدن وتصاعد المواجهات خلال بداية 2015. وفي 26 مارس 2015 تدخل تحالف تقوده السعودية عسكرياً بناءً على طلب الحكومة اليمنية، لتتحول الأزمة من نزاع داخلي على السلطة إلى حرب متعددة الأطراف ذات أبعاد إقليمية واضحة. وهكذا لم يعد الصراع اليمني مجرد مواجهة بين الحكومة والحوثيين بل أصبح ساحة تتداخل فيها قوى سياسية وعسكرية وقبلية ومحلية إلى جانب أطراف إقليمية ودولية وهو ما جعل النزاع أكثر تعقيداً وأصعب احتواءً. 

 

•اليمن اليوم: تفاقم النزاعات الداخلية و خروجها عن السيطرة.

 

يشهد اليمن حالة من التشظي السياسي والعسكري المتزايد إذ لم يعد الصراع الداخلي قابلاً للاختزال في مواجهة مباشرة بين جماعة أنصار الله الحوثيين والقوات الحكومية. فالمعسكر المناهض للحوثيين نفسه يضم قوى متعددة تختلف في توجهاتها السياسية ومصالحها ومناطق نفوذها، من الحكومة المعترف بها دولياً إلى المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المحلية والتشكيلات العسكرية المرتبطة بأطراف سياسية وقبلية مختلفة. وقد أدى هذا التعدد إلى نشوء مراكز قوة متوازية تتنافس أحياناً حتى داخل المعسكر الواحد بما يجعل المشهد اليمني أكثر تعقيداً ويصعّب الوصول إلى تسوية وطنية شاملة.

ولا يقتصر التنافس على السلطة السياسية بل يمتد إلى السيطرة على الأرض والموارد والمواقع الاستراتيجية فالمحافظات والمناطق الساحلية تكتسب أهمية خاصة بسبب موقعها على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما أن السيطرة على الموانئ والسواحل وحقول النفط والغاز والطرق الرئيسية تمنح الأطراف المتنازعة موارد اقتصادية وأوراق ضغط عسكرية وسياسية. لذلك تحوّل الجغرافيا اليمنية إلى عنصر أساسي في استمرار الصراع حيث تتداخل الاعتبارات المحلية مع الأهمية الإقليمية والدولية للموقع اليمني.

ويكشف استمرار هذه الانقسامات عن أزمة أعمق تتعلق بضعف الدولة اليمنية فالدولة لم تتمكن على مدى سنوات من إعادة بناء مؤسسات قادرة على احتكار استخدام القوة وفرض القرار السياسي على كامل التراب الوطني. وأدى انهيار مؤسسات الدولة وتعدد القوات المسلحة إلى انتقال جزء كبير من السلطة الفعلية من المؤسسات الرسمية إلى جماعات وقوى محلية مسلحة. وبالتالي أصبح الانقسام ليس مجرد نتيجة للحرب وإنما عاملاً يعيد إنتاج الحرب باستمرار فكلما ضعفت مؤسسات الدولة ازدادت قدرة القوى المحلية على فرض نفوذها وكلما تعددت مراكز القوة أصبح توحيد القرار السياسي والعسكري أكثر صعوبة.

وتتجلى خطورة هذا الوضع في عودة المواجهات العسكرية وتوسع بؤر التوتر بعد سنوات من محاولات التهدئة. فبدلاً من أن يؤدي انخفاض حدة بعض الجبهات إلى إنهاء الصراع أتاح استمرار الانقسام إمكانية انتقال التوتر من جبهة إلى أخرى أو تحوله من مواجهة واسعة إلى صراعات محلية متفرقة. كما أن استمرار التوتر في مناطق استراتيجية ولا سيما الساحل الغربي والجنوب يجعل أي تصعيد محلي قابلاً لأن يتحول إلى أزمة ذات أبعاد أوسع.

وبذلك فإن اليمن اليوم يعيش أزمة مركبة: صراع على السلطة وصراع بين مشاريع سياسية متباينة وتنافس على الموارد والمواقع الاستراتيجية، في ظل دولة ضعيفة ومتعددة مراكز القوة. وهذه التركيبة تجعل النزاع اليمني أكثر قابلية للاستمرار كما تفتح المجال أمام تدخلات خارجية تستثمر الانقسامات الداخلية وتحوّلها إلى أدوات للصراع الإقليمي.

 

•استغلال الأطراف الخارجية للانقسامات الداخلية وتحولها إلى حروب بالوكالة

 

أدى ضعف الدولة اليمنية وتعدد القوى المسلحة إلى فتح المجال أمام القوى الإقليمية لتوظيف الانقسامات الداخلية بما يخدم مصالحها فتحول الصراع تدريجياً من مواجهة داخلية إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية عبر أطراف محلية. ويبرز الحوثيون مثالاً واضحاً على ذلك فمنذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014 ارتبط الصراع حولهم بتنافس أوسع بين إيران والسعودية قبل أن يتحول إلى مواجهة عابرة للحدود مع استهداف الحوثيين الأراضي السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في مقابل العمليات العسكرية التي قادتها السعودية وحلفاؤها داخل اليمن.

وقد ظهر هذا التحول بوضوح في التصعيد الأخير في سبتمبر 2026 حين شن الحوثيون هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت اقتصادية ونفطية في مدن سعودية مما أسفر عن إصابة عشرات الأشخاص واندلاع حرائق في منشآت للطاقةوردّت السعودية بتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين في اليمن. 

ولم يعد التصعيد محصوراً بين طرفي النزاع إذ أثار امتداد الهجمات الحوثية إلى الأراضي السعودية ردود فعل إقليمية حيث ادانت عديد الدول هذه الهجمات كما أن السعودية أصبحت مرتبطة باتفاق دفاع مشترك مع تركيا وباكستان الذي ينص على اعتبار أي عدوان على أحد الاطراف عدواناً عليهم معاً و ذلك في اطار ما يعرف بحلف مكة او اتفاقية مكة للدفاع المشترك .

تبعا لذلك ومع استمرار التصعيد قد يؤدي تفعيل الاتفاق إلى توسيع دائرة الأطراف المنخرطة في النزاع في وقت أكدت فيه تركيا إدانتها للهجمات الحوثية ودعمها لسيادة السعودية بينما حذرت باكستان من إمكانية تفعيل الاتفاق إذا امتد الصراع اليمني إلى السعودية ورغم أن باكستان أكدت في 10 سبتمبر 2026 عدم وجود بحث حالي في رد عسكري فإن استمرار التصعيد يظل قادراً على تحويل الحرب من نزاع يمني إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف.

ولم تتوقف الأطراف المتداخلة في الصراع اليمني عند القوى الإقليمية بل امتد حضورها إلى الولايات المتحدة التي دعمت التحالف الذي قادته السعودية من خلال المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والاستشارات العسكرية إضافة إلى صفقات التسليح مع السعودية وقد مثّل هذا الدعم بعداً دولياً للصراع، إذ ارتبطت أمريكا أيضاً بحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة وأمن الملاحة والطاقة خاصة في ظل التصعيد الحالي بين ايران و أمريكا، إذ تتضح صورة الحرب بالوكالة بصورة أكبر مع دخول الولايات المتحدة وإسرائيل على خط الصراع فإيران تدعم الحوثيين عسكرياً بالأسلحة والتدريب والمعلومات فيما يستخدم الحوثيون قدراتهم لاستهداف مصالح وحلفاء خصوم طهران من السعودية إلى إسرائيل والسفن المرتبطة بها. وفي المقابل تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً ضد مواقع الحوثيين كما نفذت إسرائيل ضربات داخل اليمن ما جعل الساحة اليمنية امتداداً للمواجهة الأوسع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما من جهة أخرى. وبذلك أصبح الحوثيون حلقة وصل بين الصراع الداخلي اليمني والصراع الإقليمي بما يحوّل اليمن إلى إحدى ساحات الحرب غير المباشرة بين القوى المتنافسة و في مقابل الحوثي نجد القوات الحكومية المدعومة من السعودية والإمارات وأمريكا لكن الوضع ليس بهذه البساطة فلا يمكن الإقرار بأن هذه الأطراف تدعم طرفاً يمنياً واحداً وبالأهداف نفسها. فالمشهد أكثر تعقيداً مثلا السعودية دعمت الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي بينما دعمت الإمارات أيضاً قوى يمنية مناهضة للحوثيين لكنها كانت في مراحل مختلفة على خلاف مع الحكومة نفسها خصوصاً بسبب دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي. وهذا التعقيد نفسه يعكس تشتت الأطراف الداخلية المتنازعة ذاتها فحتى المعسكر المناهض للحوثيين ليس موحداً وهو ما سهّل على القوى الخارجية توظيف الانقسامات اليمنية.

وتكشف هذه التطورات أن الحرب اليمنية لم تعد مجرد صراع على السلطة داخل اليمن فكلما امتدت العمليات إلى الأراضي السعودية أو إلى البحر الأحمر وباب المندب اتسعت دائرة الأطراف المتأثرة بها وأصبحت القوى المحلية جزءاً من شبكة أوسع من التحالفات والخصومات. 

 

•تداعيات التصعيد المستمر بين القوات المتنازعة

 

لا تقتصر تداعيات التصعيد المستمر في اليمن على الخسائر المباشرة في صفوف المتنازعين بل تمتد إلى قطاعات حيوية وإلى الوضع الإنساني المتدهور. فمن جهة يطرح استهداف المنشآت والمصالح الطاقية تهديدًا متزايدًا لأمن الطاقة بالنظر إلى أهمية اليمن وممراته البحرية في حركة التجارة وإمدادات الطاقة الإقليمية والدولية. ومن جهة أخرى يؤدي استمرار المواجهات إلى تفاقم الأزمة الإنسانية من خلال ارتفاع أعداد الضحايا واتساع حركة النزوح في وقت يعاني فيه اليمن أصلًا واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في المنطقة بما يزيد من هشاشة السكان ويعمّق حاجتهم إلى المساعدات الإنسانية.

و في ظل استمرار التصعيد وتعدد الأطراف المتداخلة في الصراع تبدو آفاق الأزمة اليمنية مفتوحة على عدة سيناريوهات أبرزها استمرار حالة الاستنزاف دون قدرة أي طرف على تحقيق حسم نهائي بما قد يطيل أمد النزاع ويعمّق الانقسام الداخلي. كما يبقى احتمال اتساع دائرة المواجهة قائمًا خاصة مع استمرار ارتباط الساحة اليمنية بالتجاذبات الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، قد تدفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية المتزايدة الأطراف نحو إعادة إحياء مسارات التفاوض والوساطة بحثًا عن تسوية سياسية. وعليه سيظل مآل الأزمة مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف اليمنية على تجاوز انقساماتها وبمدى استعداد القوى الخارجية للحد من تدخلاتها وتغليب خيار التسوية على منطق التصعيد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق