كلمة ياسمين ادريس في اللقاء الحواري حول تطور قضايا المرأة الصين وتونس

انشطة المركز 11\09\2026
السيدات والسادة، الحضور الكريم، سعيدة جدا بكوني معكن اليوم ، أنا ياسمين إدريس ، ناشطة في المجتمع المدني و باحثة في دراسات النوع الاجتماعي – جامعة منوبة
حين نتحدث عن المرأة، كثيرا ما نتحدث عن الحقوق، وعن القوانين، وعن التعليم والعمل والمشاركة السياسية، وعن المسافة التي قطعتها المجتمعات في اتجاه تحقيق المساواة. لكنني أعتقد أن هناك سؤالا آخر، ربما يكون أكثر إنسانية وأقرب إلى حياتنا اليومية: ماذا ورثنا نحن، كنساء، من النساء اللواتي سبقننا؟ وماذا سنترك نحن للنساء اللواتي سيأتين بعدنا؟
ولهذا، عندما طلب مني أن أتحدث عن حوار بين ثلاثة أجيال حول القيم، فكرت مباشرة في جدتي، وفي أمي، وفي ابنتها ، أي فينا نحن، الجيل الذي يقف اليوم بين عالمين: عالم ورثناه، وعالم نحاول أن نصنعه.
لو أخذنا امرأة من جيل جداتنا، ووضعناها فجأة في حياتنا اليوم، ربما ستشعر أنها وصلت إلى عالم آخر تماما. عالم تستطيع فيه المرأة أن تتعلم، وأن تدخل الجامعة، وأن تعمل، وأن تنتخب، وأن تشغل مواقع في الإدارة والسياسة والطب والإعلام، وأن تسافر، وأن تتحدث عن حقوقها، وأن تختار مسار حياتها بدرجة أكبر مما كان متاحا للنساء قبل عقود.
وربما ستنظر إلينا وتقول: لقد تغيّر العالم كثيرا. وهي ستكون على حق. فعلا لقد تغيّر العالم. لكنها، بعد قليل، قد تنظر إلينا مرة أخرى وتسأل: هل تغيّر كل شيء؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية. لأن الأجيال قد تختلف في الأدوات والفرص واللغة، لكنها لا تختلف دائما في التحديات التي تواجهها. لقد تغيّرت أشكال كثيرة من السلطة، وتغيّرت أدوار النساء والرجال، وتغيّرت المساحات التي تستطيع المرأة أن تتحرك فيها، ولكن بعض التصورات القديمة ما زالت قادرة على الظهور بأشكال جديدة.
ربما لم يعد السؤال اليوم: ”هل يسمح للمرأة أن تتعلم؟“ فهذا الحق أصبح، في مجتمعات كثيرة، أمرا بديهيا. لكن الأسئلة أصبحت أكثر تعقيدا: هل تستطيع أن تتعلم ما تريد؟ هل هزمت البطريركية؟ هل تستطيع أن تختار المهن المناسبة لها كامرأة؟ هل تستطيع أن تختار عملها دون أن تحدد لها مسبقا؟ هل تستطيع أن تكون ناجحة دون أن يطلب منها أن تثبت أنها لا تزال ”امرأة جيدة“ وفق مقاييس قديمة؟ هل تستطيع أن تكون في المجال العام دون أن ينظر إلى حضورها باعتباره استثناء؟
وهنا أعتقد أن الحديث عن الأدوار الجندرية يجب أن يكون أكثر دقة. لأنني لا أؤمن بأن كل ما ورثناه من أدوار جندرية هو بالضرورة سلبي. فبعض الأدوار والقيم التي انتقلت من جيل إلى جيل كانت مرتبطة بالعناية، وبالمسؤولية، وبالتضامن، وبالأسرة، وبالقدرة على الصبر، وبالاهتمام بالآخرين. وهذه ليست قيما ينبغي التخلص منها.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القيمة إلى واجب مفروض على جنس واحد، أو عندما يتحول الدور الاجتماعي إلى سقف يمنع الإنسان من تجاوز ما حدد له مسبقا. فالاهتمام بالأسرة قيمة جميلة عندما يكون اختيارا ومسؤولية مشتركة. لكن عندما تصبح العناية بالأسرة مسؤولية المرأة وحدها، ويصبح المجال العام حكرا على الرجل، هنا تتحول الأدوار إلى أداة للحد من الحرية.
ولهذا، ربما لا نحتاج إلى أن نسأل: هل نحتفظ بالأدوار الجندرية أم نتخلى عنها؟ بل نحتاج أن نسأل: ما الذي نريد أن نحتفظ به من إرثنا؟ وما الذي نريد أن نعيد التفكير فيه؟
وهذه، بالنسبة لي، هي قيمة الحوار بين الأجيال. لأن الجدة لا تحمل الماضي فقط. هي تحمل ذاكرة مجتمع كامل. والأم لا تعيش الماضي ولا المستقبل فقط. هي تعيش في مرحلة انتقالية، بين ما تربت عليه وما تريد أن تمنحه لأبنائها. أما الابنة، فهي لا تبدأ من الصفر. هي تبدأ من كل ما حققته النساء قبلها.
إذا كانت الابنة اليوم تستطيع أن تدخل الجامعة، فذلك لم يحدث من تلقاء نفسه. إذا كانت تستطيع أن تصوت، وأن تعمل، وأن تدخل الحياة العامة، فذلك أيضا ليس أمرا طبيعيا أو أبديا. وراء كل حق من هذه الحقوق قصة. وراءه امرأة طالبت، وامرأة تعلمت، وامرأة عملت، وامرأة قاومت، وامرأة أصرت على أن وجودها في المجال العام ليس تعديا على مكان أحد.
وفي تونس، لا يمكننا الحديث عن هذا المسار دون استحضار نساء تركن أثرا عميقا في تاريخنا. ومن بينهن توحيدة بن الشيخ، التي أصبحت أول طبيبة تونسية، وواحدة من أبرز النساء الرائدات في تاريخ الطب في العالم العربي.
قصتها تذكرنا بأن المرأة لم تكن يوما مجرد متلقية للتغيير. المرأة كانت، وما زالت، صانعة للتغيير. كانت موجودة في البيت، نعم. لكنها كانت أيضا موجودة في المدرسة، وفي المستشفى، وفي الجامعة، وفي الحقل، وفي المصنع، وفي الإدارة، وفي المجتمع المدني، وفي السياسة، وفي الثقافة.
وربما لهذا السبب أحب أن أقول إن تاريخ المرأة ليس تاريخ انتقالها من ”البيت“ إلى ”المجتمع“. لأن المرأة كانت دائما جزءا من المجتمع. ما تغيّر هو أن المجتمع بدأ، تدريجيا، يعترف بشكل أوضح بأن العمل الذي تقوم به المرأة، داخل البيت وخارجه، هو جزء من بناء المجتمع نفسه.
وهذه الفكرة ليست تونسية فقط. وليست صينية فقط. إنها تجربة يمكن أن نجد لها أصداء في مجتمعات مختلفة حول العالم، رغم اختلاف تاريخها وثقافاتها وأنظمتها الاجتماعية.
وهنا تكمن أهمية أن نكون اليوم في حوار تونسي-صيني. إنه حوار بين تجربتين.
وفي النهاية، عندما ننظر إلى الأجيال الثالثة، نجد شيئا جميلا جدا. الجدة ربما كانت تملك موارد أقل، لكنها تركت قيما كثيرة. الأم ربما عاشت مرحلة التحول، ووسعت المساحة التي تستطيع المرأة أن تتحرك فيها. والابنة تجد أمامها مساحة أكبر، لكنها تحمل مسؤولية جديدة: ألا تعتبر ما حصلت عليه أمرا مضمونا، وألا تنسى النساء اللواتي سبقنها.
لأن الحقوق التي نعتبرها اليوم بديهية كانت، في وقت من الأوقات، أحلاما. والقيم التي نعتبرها اليوم قديمة ربما كانت في وقت آخر مصدر قوة وصمود.
لذلك، لا أريد أن يكون حوارنا بين الأجيال حوارا عن القطيعة. لا أريد أن نقول للجدة: ”عالمك كان متخلفا.“ ولا للأم: ”لم تقومي بما يكفي.“ ولا للابنة: ”أنت تعرفين كل شيء لأنك ولدت في زمن أكثر انفتاحا.“
بل أريد أن نضع الأجيال الثالثة جنبا إلى جنب.



