من الوساطة إلى الانحياز : كيف أعاد التحالف مع الرياض تشكيل الموقف الباكستاني تجاه إيران

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم الاخبار الدولية 18-09-2026
في خضم التصعيد المتزايد بين السعودية وحركة أنصار الله في اليمن تبرز باكستان بوصفها طرفا إقليميا يتحرك بين حسابات التحالفات الأمنية ومقتضيات علاقاتها التاريخية مع إيران غير أن التطورات الأخيرة تكشف بشكل متزايد عن انحياز الموقف الباكستاني إلى جانب الرياض وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة إسلام آباد على الحفاظ على استقلالية سياستها الإقليمية
فقد نقلت تقارير إعلامية أن باكستان وجهت رسائل إلى طهران تطالبها بالضغط على أنصار الله لوقف الهجمات التي تستهدف الأراضي والمنشآت السعودية ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه إسلام آباد التزامها باتفاقية الدفاع المشتركة مع السعودية وأكدت استعدادها للنظر في آليات حماية أمن المملكة وهو ما يعكس انتقال الدور الباكستاني من موقع الوسيط بين الأطراف الإقليمية إلى موقع أكثر ارتباطا بالمنظومة الأمنية السعودية
ومن منظور ناقد لهذا التوجه يمكن النظر إلى السياسة الباكستانية باعتبارها تعكس أولوية التحالف الأمني مع الرياض على حساب الحفاظ على مسافة متوازنة تجاه طهران فبدلا من التركيز على معالجة جذور التصعيد الإقليمي وتداعيات الحرب الممتدة في المنطقة أصبح الخطاب الباكستاني يركز بصورة متزايدة على مطالبة إيران بكبح تحركات أنصار الله وهي مطالبة تفترض ضمنيا امتلاك طهران قدرة مباشرة على التحكم في قرارات الحركة وهو أمر ترفضه إيران وتؤكد أن أنصار الله يمتلكون قرارهم السياسي والعسكري الخاص
كما أن اختزال المشهد في العلاقة بين إيران وأنصار الله يتجاهل السياق الأوسع للصراع اليمني وللتوترات الإقليمية فالتصعيد الحالي لا يمكن فصله عن الحرب الأوسع التي تشهدها المنطقة وعن الضربات المتبادلة والاضطرابات التي طالت طرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز وهو ما يجعل تحميل طرف واحد مسؤولية كامل مسار التصعيد قراءة جزئية للمشهد الإقليمي
وتزداد حساسية الموقف الباكستاني بالنظر إلى علاقاته الاستراتيجية مع السعودية ففي بياناتها الرسمية الأخيرة أكدت إسلام آباد وقوفها إلى جانب الرياض وإدانتها للهجمات التي استهدفت الأراضي والمنشآت السعودية كما أعلنت التزامها بروح وآليات اتفاق الدفاع المشترك مع المملكة
لكن المفارقة الأساسية تتمثل في أن باكستان تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على قنوات الاتصال مع إيران وقد أكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن البلاد تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من إيران والسعودية وأنها تسعى إلى استخدام الحوار والدبلوماسية من أجل خفض التصعيد في المنطقة
ومن زاوية أخرى يمكن قراءة الموقف الإيراني باعتباره محاولة للحفاظ على هامش استقلال القرار لدى حلفائه وشركائه الإقليميين فطهران لا تتعامل مع أنصار الله باعتبارهم مجرد أداة يمكن توجيهها بقرار مباشر وإنما تقدم الحركة باعتبارها طرفا يمتلك حساباته الخاصة المرتبطة بالصراع اليمني وبالتطورات الإقليمية الأوسع وهذه النقطة أصبحت جزءا أساسيا من الجدل الدبلوماسي حول المسؤولية عن الهجمات الأخيرة
وتكشف التطورات أيضا عن أن الضغط على إيران لم يعد محصورا في الولايات المتحدة أو القوى الغربية بل أصبح يأتي كذلك من دول ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية مع طهران فقد أفادت تقارير بأن الصين نفسها مارست ضغوطا دبلوماسية على إيران للمساعدة في احتواء تحركات أنصار الله بسبب المخاطر التي يمثلها التصعيد على طرق الطاقة والتجارة الدولية
وفي هذا السياق يصبح الموقف الباكستاني أكثر تعقيدا فإسلام آباد تحاول من جهة حماية شراكتها الدفاعية مع الرياض ومن جهة أخرى تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران التي تشترك معها في حدود برية وعلاقات تاريخية وأمنية واقتصادية مهمة إلا أن استمرار التصعيد قد يدفع باكستان إلى الاقتراب أكثر من المعسكر السعودي وهو ما قد يحد من قدرتها على أداء دور الوسيط بين طهران والرياض
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن أي انتقال من الضغط الدبلوماسي إلى المشاركة العسكرية سيغير طبيعة الدور الباكستاني بصورة جذرية فبدلا من أن تكون إسلام آباد قناة اتصال بين الأطراف المتنافسة قد تتحول إلى طرف مباشر في الصراع الإقليمي وهو سيناريو يحمل تداعيات تتجاوز اليمن والسعودية وإيران لتصل إلى أمن جنوب آسيا والبحر الأحمر والخليج العربي
كما أن التصعيد لا يحمل أبعادا عسكرية وسياسية فقط بل أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بأمن الطاقة والملاحة الدولية فقد تراجع حجم حركة السفن عبر مضيق هرمز وباب المندب في ظل استمرار الاضطرابات وهو ما يعكس اتساع نطاق الأزمة من نزاع إقليمي إلى أزمة ذات انعكاسات دولية على التجارة والطاقة
ومن هذا المنظور يمكن بناء سردية ترى أن السياسة الباكستانية الحالية تواجه اختبارا حقيقيا بين الالتزامات الأمنية تجاه السعودية والحفاظ على استقلالية القرار الدبلوماسي تجاه إيران فإذا اختارت إسلام آباد الانخراط بصورة أعمق في المنظومة العسكرية التي تقودها الرياض فإنها قد تفقد جزءا من هامش المناورة الذي سمح لها سابقا بالاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع الطرفين أما إذا حافظت على دور الوسيط فقد تتمكن من تحويل علاقاتها المتوازية إلى أداة لخفض التصعيد بدلا من أن تصبح جزءا من دينامياته
وفي المقابل تظل إيران في قلب معادلة إقليمية شديدة التعقيد حيث تواجه ضغوطا عسكرية وسياسية واقتصادية متعددة بينما تستمر في الحفاظ على علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية مختلفة ولذلك فإن تصوير الأزمة باعتبارها مجرد مواجهة بين السعودية وإيران لا يعكس بالكامل تعدد الفاعلين والمصالح في المشهد الحالي
وبالتالي فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت باكستان ستواصل الضغط على إيران بل بما إذا كانت ستستخدم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتعددة من أجل الوساطة وخفض التصعيد أم ستتحول تدريجيا إلى طرف في الاستقطاب الإقليمي وهو خيار ستكون له تداعيات مباشرة على مستقبل العلاقات الباكستانية الإيرانية وعلى توازنات الأمن في الخليج والبحر الأحمر وباب المندب



