واشنطن تكثف تحركاتها الدبلوماسية بين موسكو وكييف تمهيداً لجولة جديدة من المفاوضات

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 04-09-2026
تستعد واشنطن لتكثيف تحركاتها الدبلوماسية بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، مع توجه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى كل من موسكو وكييف خلال الأيام المقبلة، وفق ما نقله مصدر لوكالة روسيا اليوم. وتأتي هذه الزيارة المرتقبة في وقت تتزايد فيه المؤشرات على رغبة الإدارة الأميركية في دفع المسار التفاوضي بين روسيا وأوكرانيا إلى مرحلة أكثر نشاطاً، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية على الأرض وتحمل الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التحرك الأميركي الذي يجمع بين التواصل مع طرفي النزاع في إطار جولة دبلوماسية واحدة. فانتقال المبعوثين الأميركيين بين موسكو وكييف يعكس محاولة واشنطن الحفاظ على قناة اتصال مباشرة مع الجانبين وفهم مواقفهما بشأن القضايا الأساسية التي تعيق التوصل إلى تسوية سياسية للحرب
ويأتي هذا التحرك في سياق زمني يشهد تصاعداً في الحديث عن إمكانية العودة إلى المفاوضات، رغم استمرار المواجهات العسكرية بين القوات الروسية والأوكرانية. وكانت التصريحات الصادرة عن موسكو وكييف خلال الفترة الأخيرة قد عكست تبايناً واضحاً في تقدير فرص التوصل إلى اتفاق نهائي إذ تؤكد روسيا استعدادها لمناقشة مسار سياسي في حين تستمر الخلافات حول شروط التسوية والقضايا الإقليمية والأمنية التي تشكل جوهر النزاع
ومن الناحية السياسية فإن توجه ويتكوف وكوشنر إلى موسكو وكييف يمكن أن يعكس رغبة الإدارة الأميركية في ممارسة دور أكثر مباشرة في إدارة الأزمة الأوكرانية. فبدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية أو الاتصالات غير المباشرة تسعى واشنطن إلى التواصل مع مراكز القرار لدى طرفي النزاع ومحاولة تضييق مساحة الخلاف بينهما وتكتسب موسكو أهمية خاصة في هذه التحركات باعتبارها الطرف الذي يمتلك مجموعة من المطالب الأمنية والسياسية المرتبطة بمستقبل المناطق المتنازع عليها والعلاقة بين أوكرانيا والمنظومة الغربية ومستقبل الترتيبات الأمنية في أوروبا. وفي المقابل تمثل كييف الطرف الذي يسعى إلى ضمان سيادته ووحدة أراضيه والحصول على ترتيبات أمنية تمنع تكرار الحرب مستقبلاً
وتواجه الوساطة الأميركية في هذا السياق تحديات كبيرة نتيجة استمرار الفجوة بين المواقف الروسية والأوكرانية. فإعادة إطلاق المفاوضات لا تعني بالضرورة أن الطرفين أصبحا قريبين من اتفاق إذ تظل قضايا الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقات بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية كما أن استمرار العمليات العسكرية يمثل عاملاً ضاغطاً على أي مسار تفاوضي إذ يمكن للتطورات الميدانية أن تؤثر بصورة مباشرة في حسابات الأطراف وفي قدرتها على تقديم تنازلات سياسية. ولذلك فإن نجاح التحرك الأميركي سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة واشنطن على إيجاد صيغة توازن بين المطالب الروسية والهواجس الأمنية الأوكرانية دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف موقع أي من الطرفين بشكل يدفعه إلى رفض العودة إلى طاولة المفاوضات
ومن منظور أوسع فإن التحرك الأميركي يكشف عن استمرار أهمية الحرب الأوكرانية في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في أوروبا. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا بل أصبحت مرتبطة بمستقبل الأمن الأوروبي والعلاقة بين موسكو والغرب وبموقع الولايات المتحدة داخل النظام الأمني الدولي
كما أن دخول شخصيات مقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في المسار الدبلوماسي يعكس اعتماد الإدارة الأميركية على قنوات تفاوضية مباشرة وغير تقليدية إلى جانب المؤسسات الدبلوماسية الرسمية. وقد يمنح هذا الأسلوب واشنطن مرونة أكبر في التواصل مع الأطراف المختلفة لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول طبيعة الضمانات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة ومدى قدرتها على تحويل الاتصالات السياسية إلى اتفاق قابل للتنفيذ
وتأتي الزيارة المرتقبة في وقت تحاول فيه واشنطن تثبيت موقعها كطرف قادر على التأثير في مسار الحرب وليس مجرد داعم عسكري وسياسي لكييف. ويمنح التواصل المباشر مع موسكو وكييف الإدارة الأميركية فرصة لإعادة صياغة أولوياتها في الملف الأوكراني وربط التسوية المحتملة بحسابات أوسع تتعلق بالأمن الأوروبي والعلاقات الأميركية الروسية ومستقبل النظام الدولي وفي المقابل فإن نجاح أي مبادرة تفاوضية سيظل مرتبطاً بإرادة موسكو وكييف وقدرتهما على الانتقال من إدارة العمليات العسكرية إلى البحث عن تسوية سياسية. فالوساطة الخارجية يمكن أن توفر قنوات للحوار وتطرح صيغاً للتفاوض لكنها لا تستطيع فرض اتفاق دائم في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين طرفي النزاع
وعليه فإن تحرك ويتكوف وكوشنر بين موسكو وكييف يمثل خطوة دبلوماسية مهمة في مسار الحرب الأوكرانية لكنه لا يشكل بحد ذاته مؤشراً مؤكداً على قرب التوصل إلى اتفاق سلام. والأرجح أن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه التحركات ستنجح في إطلاق جولة جديدة من المفاوضات أم ستظل في إطار الاتصالات الاستكشافية التي تهدف إلى اختبار مواقف الطرفين وتهيئة الظروف أمام مسار تفاوضي أكثر جدية وتبرز أهمية هذه التحركات في كونها تأتي في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى البحث عن مخرج سياسي للحرب التي أعادت تشكيل البيئة الأمنية الأوروبية وأثرت في توازنات القوى الدولية. ومن هذا المنطلق فإن التحرك الأميركي بين موسكو وكييف لا ينبغي قراءته فقط باعتباره محاولة لإنهاء الحرب بل أيضاً باعتباره جزءاً من صراع أوسع حول شكل النظام الأمني الأوروبي ومستقبل العلاقات بين روسيا والغرب وموقع الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الدولية



