أخبار العالم

عراقجي في نيويورك بين القضية الفلسطينية وإعادة تشكيل معادلات الاستقرار الإقليمي

تأتي تحركات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في نيويورك على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية تتداخل فيها الحرب والتفاوض والأزمة الفلسطينية مع التحولات المتسارعة في منظومة الأمن الإقليمي حيث بحث عراقجي مع نظيره المصري بدر عبد العاطي ونظيره البريطاني إيد ميليباند التطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية مؤكدا أن إنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين عنه يمثلان من وجهة نظر طهران شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار في المنطقة وقد اكتسبت هذه اللقاءات أهمية إضافية لأنها جرت في قلب المنظومة الدبلوماسية الدولية وفي ظل استمرار الحرب الأميركية الإيرانية واتساع تداعياتها على الخليج والبحر الأحمر والقضية الفلسطينية

وتعكس تحركات عراقجي في نيويورك رغبة إيرانية في إبقاء الدبلوماسية حاضرة بالتوازي مع استمرار المواجهة العسكرية فطهران لا تتعامل مع الجمعية العامة باعتبارها مجرد مناسبة بروتوكولية وإنما باعتبارها مساحة لعرض روايتها للصراع والتواصل المباشر مع القوى الإقليمية والدولية وفي هذا الإطار التقى عراقجي بعدد من وزراء الخارجية على هامش اجتماعات الجمعية العامة فيما تزامنت تحركاته مع دعوات إقليمية متزايدة إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي

ويكتسب اللقاء مع الوزير المصري تحديدا أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الدور الذي تحاول القاهرة الاضطلاع به في إدارة أزمات المنطقة فمصر أكدت خلال الأشهر الماضية دعمها للمسارات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران وضرورة إنهاء الحرب وخفض التصعيد كما شددت على أهمية معالجة القضية الفلسطينية ومنع اتساع نطاق الصراع وقد تحركت القاهرة في اتجاهات متعددة شملت الاتصالات مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج والأطراف الأوروبية وهو ما يجعل الحوار المصري الإيراني جزءا من شبكة أوسع من الاتصالات الرامية إلى احتواء التداعيات الإقليمية للحرب

ومن هذه الزاوية فإن حديث عراقجي عن فلسطين خلال لقائه بنظيره المصري لا ينفصل عن تصور إيراني أوسع للأمن الإقليمي يقوم على الربط بين الأزمات المختلفة ففي الخطاب الإيراني لا يمكن فصل الحرب في غزة عن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة كما لا يمكن فصل المواجهة الإيرانية الغربية عن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولذلك تحاول طهران وضع القضية الفلسطينية ضمن الإطار الأوسع للأمن الإقليمي بدلا من التعامل معها باعتبارها ملفا منفصلا

ويحمل هذا الموقف أيضا بعدا سياسيا يتعلق بتعريف أسباب عدم الاستقرار في الشرق الأوسط فعندما يربط عراقجي الاستقرار بإنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين عنه فإنه يرفض المقاربة التي تختزل أمن المنطقة في احتواء إيران أو ضبط الفصائل المسلحة أو تأمين طرق الملاحة والطاقة فقط ويطرح في المقابل مقاربة تعتبر أن جذور الأزمة الإقليمية مرتبطة أيضا باستمرار الصراع الفلسطيني وبغياب تسوية تحقق الحقوق الفلسطينية وهي رؤية تختلف عن المقاربات التي تركز أساسا على التهديدات الأمنية المباشرة

ويظهر الاختلاف في الأولويات بوضوح عند مقارنة الموقف الإيراني بالتحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة فالقاهرة تركز بصورة أساسية على وقف التصعيد والعودة إلى التفاوض وحماية أمن المنطقة وحرية الملاحة فيما تضع طهران إنهاء الاحتلال والقضية الفلسطينية ضمن الشروط السياسية الأوسع التي ينبغي معالجتها لتحقيق استقرار طويل الأمد وهذا لا يعني غياب نقاط التقاطع بين الطرفين بل يعكس اختلافا في ترتيب الملفات وفي كيفية تفسير جذور الأزمة الإقليمية

أما اللقاء مع وزير الخارجية البريطاني فيحمل دلالة مختلفة بسبب طبيعة العلاقة بين طهران ولندن وبسبب الموقف البريطاني من القضايا الأمنية في الشرق الأوسط فالحوار بين الطرفين يجري في بيئة من التوتر السياسي والأمني حيث تطالب لندن إيران بعدم القيام بأنشطة تعتبرها عدائية بينما تؤكد طهران من جانبها ضرورة معالجة جذور الصراع الإقليمي وعلى رأسها القضية الفلسطينية وتنتقد السياسات الغربية التي تعتبرها غير متوازنة تجاه إسرائيل والفلسطينيين

ومن ثم فإن لقاء عراقجي بوزير الخارجية البريطاني لا يمثل بالضرورة تقاربا في المواقف وإنما يعكس أهمية القنوات الدبلوماسية حتى بين الأطراف التي توجد بينها خلافات عميقة فالاجتماع المباشر يسمح لكل طرف بعرض أولوياته ومطالبه كما يوفر مساحة لتبادل الرسائل في مرحلة تحتاج فيها القوى الدولية إلى إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة لتجنب مزيد من التصعيد

وتبرز القضية الفلسطينية في هذا السياق باعتبارها أحد الملفات التي تحاول إيران استخدامها لإعادة وضع الصراع الإقليمي ضمن إطار سياسي أوسع فطهران تؤكد أن استمرار الاحتلال وعدم إنصاف الفلسطينيين يشكلان أحد مصادر عدم الاستقرار فيما تواصل دول عربية وأوروبية طرح صيغ مختلفة للتسوية السياسية القائمة على حل الدولتين وقد شهدت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال هذه الدورة تركيزا واسعا على مستقبل القضية الفلسطينية وعلى وقف الحرب في غزة والانتقال إلى ترتيبات سياسية أكثر استدامة

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات التي طرأت على البيئة الإقليمية منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية فقد أصبحت أمنية الخليج والملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر مرتبطة بصورة مباشرة بمسار المواجهة كما أصبحت الدول العربية أكثر انخراطا في محاولات احتواء التصعيد وتجنب انتقال الحرب إلى ساحات إضافية وقد أكدت مصر في اتصالاتها الإقليمية المتكررة ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة وتجنب اتساع دائرة المواجهة

وفي هذا السياق تحاول إيران تقديم نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في المنطقة فموقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في ملفات متعددة من الخليج إلى العراق واليمن ولبنان إضافة إلى دورها في الملف النووي تجعل استبعادها من أي صيغة إقليمية أمرا معقدا ولذلك تكتسب اللقاءات التي يجريها عراقجي أهمية تتجاوز مضمونها المباشر لأنها تسمح لطهران باختبار مواقف القوى الإقليمية والدولية تجاه المرحلة المقبلة

ويكتسب حديث عراقجي عن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية أهمية خاصة ضمن هذا الإطار لأنه يعكس انتقال الخطاب الإيراني من المطالبة بوقف العمليات العسكرية فقط إلى المطالبة بإجراءات قانونية وسياسية تجاه المسؤولين عنها غير أن مسألة المسؤولية الجنائية الدولية تظل مرتبطة بالإجراءات والاختصاصات القضائية الدولية ولا يمكن اختزالها في المواقف السياسية للدول ولذلك ينبغي التمييز بين المطالبة السياسية بالمحاسبة وبين الأحكام القضائية النهائية

ومن الناحية الجيوسياسية فإن الربط الإيراني بين القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي يحمل رسالة إلى الدول الغربية مفادها أن معالجة أعراض الأزمة الأمنية دون معالجة القضية الفلسطينية لن تكون كافية لإنهاء حالة عدم الاستقرار كما يحمل رسالة إلى الدول العربية بأن أمن المنطقة لا يمكن اختزاله في أمن الممرات البحرية والطاقة وحدهما بل يرتبط أيضا بالصراعات السياسية التي تنتج موجات متكررة من التصعيد

وفي المقابل فإن الدول العربية نفسها لا تتبنى بالضرورة الرؤية الإيرانية كاملة فمصر على سبيل المثال تركز في تحركاتها على خفض التصعيد والعودة إلى التفاوض وضمان أمن الملاحة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي في حين تؤكد في الملف الفلسطيني دعم إقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وهو ما يعكس وجود مساحة مشتركة في التأكيد على القضية الفلسطينية مع اختلاف في الأدوات والأولويات

وتأتي هذه التحركات أيضا في وقت تحاول فيه عدة دول إقليمية الدفع نحو إطار أمني أكثر استقلالا عن المواجهة الأميركية الإيرانية فقد أظهرت مواقف دول الخليج خلال اجتماعات الجمعية العامة اهتماما متزايدا بخفض التصعيد والحوار الإقليمي بينما دعت أطراف عربية وإسلامية إلى الحفاظ على أمن الملاحة وتجنب توسيع دائرة الحرب وهو ما يشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى ترتيبات أمنية إقليمية تتجاوز منطق الاصطفافات التقليدية

وعليه فإن لقاءات عراقجي مع نظيريه المصري والبريطاني يمكن قراءتها باعتبارها جزءا من معركة دبلوماسية أوسع حول تعريف أسباب الأزمة الإقليمية وشروط إنهائها فإيران تريد أن تضع الاحتلال والقضية الفلسطينية ضمن قلب النقاش حول الأمن والاستقرار بينما تركز قوى أخرى بدرجات مختلفة على وقف الحرب والتهدئة والمفاوضات وأمن الملاحة ومنع انتشار الصراع

وتكشف هذه التحركات في النهاية أن القضية الفلسطينية ما زالت مرتبطة بصورة مباشرة بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وأن أي محاولة لبناء ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط تواجه سؤالا أساسيا يتعلق بمستقبل فلسطين فبالنسبة إلى طهران لا يمكن تحقيق استقرار مستدام من دون إنهاء الاحتلال وإنصاف الحقوق الفلسطينية بينما تسعى مصر وقوى دولية أخرى إلى الجمع بين وقف التصعيد والمسار السياسي وفي الحالتين تبقى القضية الفلسطينية أحد المحاور المركزية التي تحدد اتجاه السياسة الإقليمية وتؤثر في علاقات القوى الكبرى بدول الشرق الأوسط

وفي هذا الإطار لا تبدو تحركات عراقجي في نيويورك مجرد سلسلة من اللقاءات الثنائية بل جزءا من جهد دبلوماسي إيراني لإعادة تثبيت موقع طهران في النقاش الدولي حول مستقبل المنطقة فبينما تستمر المواجهة العسكرية تحاول إيران استخدام الدبلوماسية والمنابر الدولية لتأكيد أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تأخذ في الاعتبار القضية الفلسطينية ومصالح دول المنطقة وشروط الأمن الإقليمي وأن معالجة الملفات الأمنية بمعزل عن جذور الصراع السياسي قد لا تكون كافية لبناء تسوية مستقرة وطويلة الأمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق