تطور النزاع الليبي منذ 2011

اعداد مريم خميلة: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 24–09-2026
منذ استقلال ليبيا سنة 1951 ظلّ بناء الدولة الليبية مرتبطاً بتوازنات اجتماعية وقبلية متشابكة في مجتمع تتداخل فيه الانتماءات المحلية والقبلية مع الانتماء الوطني. ومع وصول معمر القذافي إلى السلطة سنة 1969 دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتركيز السلطة وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق نظام سياسي استمر لأكثر من أربعة عقود قبل أن تهزّ احتجاجات سنة 2011 أسس هذا النظام وتدفع ليبيا إلى مسار سياسي وأمني مختلف جذرياً.
عاشت ليبيا لأكثر من أربعة عقود تحت حكم معمر القذافي الذي وصل إلى السلطة سنة 1969 وأقام نظاماً اتسم بتركيز السلطة وتقييد الحياة السياسية. ومع نهاية العقد الأول من الألفية تراكمت عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية أسهمت في تصاعد حالة الاحتقان و بتأثير من أصداء موجة «الربيع العربي» التي انطلقت من تونس أواخر 2010 اندلعت الاحتجاجات في بنغازي في فيفري 2011 مطالبة بالإصلاح ثم تحولت سريعاً إلى مطالب برحيل القذافي، قبل أن تتطور المواجهة إلى نزاع مسلح بين قوات النظام ومعارضيه ومع اتساع رقعة القتال دخل العامل الدولي على الخط ولا سيما بعد قرار مجلس الأمن عدد 1973 وبدء عمليات الناتو تراجعت سيطرة النظام وسقطت طرابلس في أوت 2011. وفي أكتوبر أُلقي القبض على القذافي في سرت وقُتل لتنتهي بذلك حقبة استمرت أكثر من أربعة عقود وتدخل ليبيا مرحلة جديدة من تاريخها اتسمت بتعقيدات سياسية وأمنية عميقة.
لم يكن سقوط النظام اذن نهاية للأزمة و إنما شكّل بداية لمسار جديد اتسم بتعدد القوى السياسية والعسكرية وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على فرض سلطتها. ومن هنا يطرح هذا المسار تساؤلات شتى لعل أهمها كيف تحولت الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011 من نقطة إعادة بناء الدولة الليبية إلى أزمة سياسية و عسكرية و مؤسساتية ممتدة؟
سقوط النظام و بداية تفكك الدولة : 2011-2014.
من سيملأ الفراغ الذي تركه النظام؟
شكّل سقوط نظام معمر القذافي سنة 2011 نقطة تحوّل في تاريخ ليبيا لكنه ترك وراءه فراغاً سياسياً وأمنياً عميقاً. بعدما انهارت مؤسسات النظام الأمنية والعسكرية من دون وجود قوة مركزية قادرة على احتكار السلاح وفرض سلطتها على مختلف أنحاء البلاد برز السؤال حول الجهة القادرة على ملء الفراغ الذي خلّفه النظام في وقت احتفظت فيه عشرات التشكيلات و الفصائل المسلحة بنفوذها وسلاحها و قد حذرت تحليلات في تلك الفترة من احتمال تحوّل التنافس بين الفصائل إلى اقتتال داخلي خاصة و أنها أصبحت تتصرف درجة كبيرة من الاستقلالية عن السلطة المركزية و هو ما خلق حالة من الفوضى لتصبح القوة المسلحة إحدى الأدوات الرئيسية لتحديد موازين النفوذ داخل البلاد و هو ما جعل الانتقال السياسي شديد الهشاشة.
فشل الانتقال السياسي:
في محاولة لبناء مؤسسات دولة جديدة و ارساء نظام سياسي قائم على الانتخابات تولى المجلس الوطني الانتقالي إدارة المرحلة الأولى قبل أن يجري مجلس من المعارضين اقتراعا لانتخاب مؤتمر وطني عام سنة 2012 الذي كان يفترض أن يقود البلاد نحو صياغة دستور دائم و إقامة مؤسسات مستقرة الا ان المؤتمر واجه منذ البداية صعوبات عميقة أبرزها ضعف سلطة الدولة في مواجهة الجماعات المسلحة التي رسلت وجودها حينها و اخذت بزمام السلطة و بذلك ظل نفوذ الفصائل المسلحة عائقاً أمام ترسيخ سلطة الدولة.
وخلال 2013 استمرت الاضطرابات الأمنية وتعثرت محاولات دمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات الدولة و يعود ذلك إلى اشتداد بأس الفصائل المسلحة الى درجة محاصرتها للمباني الحكومية و منها مهاجمة القنصلية الأمريكية في بن غازي التي أسفرت عن مقتل السفير و في المقابل تزايدت الانقسامات داخل المؤتمر الوطني العام إلى جانب تأجيل الانتخابات و هو ما جعل ثقة المواطنين في المؤتمر الوطني العام تتراجع بشكل عمّق هشاشة المرحلة الانتقالية .
وفي سنة 2014 أُجريت انتخابات مجلس النواب غير أن المؤتمر الوطني العام رفض نتائجها كما أن هذه النتائج تزامنت مع اندلاع صراع مسلح واسع أدى إلى انقسام سياسي ومؤسساتي فقد تم تشكيل حكومة مدعومة من الجماعات المسلحة في الغرب في المقابل انتقل البرلمان المنتخب الجديد إلى طرابلس في الشرق لدعم حكومة منافسة و هي حكومة خليفة حفتر القائد العسكري السابق الذي جمع عدة فصائل مسلحة تحت مسمى الجيش الوطني الليبي وهو ما مهّد لظهور سلطات متنافسة لتنتقل البلاد من مرحلة انتقالية مضطربة إلى حالة واضحة من الانقسام السياسي والعسكري تمثّل مرحلة جديدة من الأزمة الليبية.
تحول الانقسام إلى صراع على الدولة: 2014-2020
دخلت ليبيا منذ عام 2014 مرحلة جديدة من أزمتها السياسية والأمنية اتسمت بانقسام مؤسسات الدولة وظهور سلطات ومراكز قوة متنافسة في شرق البلاد وغربها بالتوازي مع سيطرة قوى مسلحة مختلفة على مناطق متباينة بما جعل الدولة عاجزة عن فرض سلطة مركزية موحّدة.
دولتان داخل دولة و مراكز قوى متعددة:
شهدت هذه المرحلة انقسام للسلطات السياسية أضعف الدولة و فسح المجال لعديد التجاوزات أبرزها استغلال تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش حالة الفوضى ليسيطر على مدينة سرت مسقط رأس القذافي والواقعة في الوسط و قد بدأ التنظيم بتعزيز وجوده داخل المدينة مستفيدا من ضعف القوى المحلية و انقسامها و بحلول أوت 2015 كان داعش قد فرض سيطرته على كامل المدينة ثم وسع نفوذه على الساحل المحيط بها جاعلا من سرت مركزا لبناء سلطة موازية و هو ما حول ليبيا الى ساحة أكثر تعقيدا للصراع. وقد شكّل تمدد التنظيم وتزايد خطر الجماعات المسلحة مؤشراً على خطورة استمرار الانقسام إذ باتت مواجهة التهديدات الأمنية رهينة وجود سلطة سياسية وأمنية أكثر توحيداً وفي هذا السياق تكثفت الجهود الأممية الرامية إلى إنهاء الانقسام وأسفرت في ديسمبر 2015 عن توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات،الذي أرسى إطاراً لتشكيل حكومة الوفاق الوطني وتوحيد المؤسسات غير أن الاتفاق، رغم كونه محاولة لإعادة بناء سلطة مركزية لم ينهِ بصورة فعلية تعدد مراكز القوة العسكرية والسياسية وهو ما أبقى البلاد أمام انقسام مستمر بينما ظل تنظيم «داعش» يمثل أحد أبرز مظاهر الفراغ الأمني الذي أفرزه الصراع الداخلي .
وفي سنة 2016 بدأ تنظيم الدولة الإسلامية يتراجع أمام الهجوم الذي شنته القوات الموالية للحكومة الوفاق الوطني لاستعادة مدينة سرت و تمكنت تدريجيا من محاصرة التنظيم داخلها قبل أن تنتهي العمليات العسكرية باستعادة سرت كليا في ديسمبر و في الاثناء قاتل حفتر المتطرفين في درنة و بنغازي و سيطر على منطقة الهلال النفطي في وسط ليبيا .
و بذلك ترسخ الانقسام بين الشرق و الغرب أمام استمرار وجود مراكز قوة خارج إطار سلطة مركزية موحدة.
من الانقسام الداخلي إلى التدويل:
مع استمرار الانقسام خلال 2017 و2018 أخذ البعد الخارجي للأزمة يتزايد إذ تحوّلت ليبيا تدريجياً إلى مجال لتنافس إقليمي ودولي متداخل مع الصراع المحلي. وبلغ هذا المسار مرحلة أكثر حدة في أفريل 2019 عندما شنّت قوات خليفة حفتر هجوماً على طرابلس لتدخل البلاد في جولة جديدة من المواجهات العسكرية. وفي عام 2020 ازداد حضور القوى الخارجية في مسار الصراع في الوقت الذي استمرت فيه المواجهات بين حكومة الوفاق والقوات التابعة لحفتر قبل أن تُفضي الجهود الأممية إلى توقيع اتفاق وقف إطلاق نار شامل ودائم في 23 أكتوبر 2020 تلاه إطلاق مسار سياسي جديد عبر منتدى الحوار السياسي الليبي. وهكذا لم يعد الصراع الليبي مجرد مواجهة داخلية بين قوى محلية متنافسة بل أصبح نزاعاً تتشابك فيه الانقسامات الداخلية مع المصالح والتدخلات الإقليمية والدولية بحيث باتت الأطراف الليبية جزءاً من شبكة أوسع من التنافس على النفوذ داخل البلاد.
فهل أصبح الصراع الليبي صراعا داخليا تدعمه قوى خارجية أم ساحة تنافس إقليمي و دولي تستغل فيه الأطراف المحلية؟
من الحرب إلى أزمة الشرعية والانتخابات.
محاولة توحيد السلطة :
مثّلت سنة 2021 محاولة لإعادة توحيد السلطة وإنهاء حالة الانقسام التي كرّستها سنوات الصراع إذ أُنشئت حكومة الوحدة الوطنية في إطار المسار السياسي الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة وتم تحديد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 24 ديسمبر العام نفسه بما كان يفترض أن يضع حداً للمرحلة الانتقالية ويمهّد لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس شرعي موحّد. غير أنّ الخلافات حول القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وترشح بعض الشخصيات حالت دون إجراء الانتخابات فأعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تعذر تنظيمها لتدخل البلاد مجدداً في حالة من الجمود السياسي. وفي سنة 2022 أدى فشل المسار الانتخابي إلى عودة الانقسام التنفيذي بشكل واضح مع تشكيل حكومة منافسة من جانب مجلس النواب في الشرق في مقابل استمرار حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بما أعاد إنتاج ازدواجية مراكز السلطة والمؤسسات. ولم تقتصر آثار الانقسام على المجال السياسي، بل ظهرت تداعياته في إدارة الأزمات الاجتماعية وهو ما برز بشكل مأساوي سنة 2023 عقب إعصار دانيال وانهيار سُدّيْ درنة حيث كشفت الكارثة عن هشاشة البنية التحتية و حجم الدمار الناجم عن حالة الفوضى و الانقسام لمدة 12 سنة كما فضحت هذه الكوارث أيضا مشكلات الإدارة والرقابة وتداخل الصلاحيات في ظل الانقسام المؤسساتي.
وخلال 2024 و2025، استمر الانسداد السياسي وتعثر تنظيم الانتخابات رغم تعدد المبادرات الأممية الرامية إلى التوافق حول القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وتوحيد المؤسسات، بينما ظلّت ليبيا منقسمة بين مراكز سلطة متنافسة تستند إلى شبكات سياسية وأمنية مختلفة ففي سنة 2024 شهدت ليبيا أزمة تعرف بأزمة البنك أو المصرف المركزي عقب جملة من التغييرات المتمثلة في اقالة محافظ المصرف المركزي الليبي و استبدال دبابة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط و قد أثارت هذه التغييرات أزمة سياسية بالنظر للاستقلالية النسبية التي كانت تحافظ عليها كلتا الهيئتين قبل التغير.
أما سنة 2025 عادت الصراعات بين الجماعات المسلحة الى الواجهة حيث اشتدت الاشتباكات العنيفة نتيجة قتل رئيس إحدى الجماعات المسلحة عبد الغني الككلي المعروف باسم غنيوة قائد جهاز دعم الاستقرار و تبعا لذلك انتزعت فصائل متتالية مع الدبيبة السيطرة سريعا على الأراضي الخاضعة لغنيوة ليمتد بذلك نفوذ الدبيبة حتى انه اقترب من أحكام السيطرة على طرابلس إلا انه لم يحقق ذلك .
ومع دخول سنة 2026، انتقل المسار السياسي إلى محاولة جديدة لكسر هذا الجمود من خلال اتفاق الاجتماع المصغّر «4+4»، الذي وُقّع في 30 أوت برعاية بعثة الأمم المتحدة وتناول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة المسائل القانونية والدستورية العالقة مع الالتزام بالعمل نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. وقد أقرّ مجلس النواب الاتفاق بالإجماع في 14 سبتمبر فيما تواصلت المشاورات بشأن تنفيذه وتوسيع دائرة الدعم له وبذلك تبدو سنة 2026 محطة جديدة في محاولة إعادة بناء مسار سياسي موحّد غير أنّ استمرار الخلافات حول المؤسسات والقواعد الانتخابية يظلّ عاملاً مؤثراً في مدى قدرة الاتفاق على تجاوز الانقسام الذي استمر لأكثر من عقد. وبالتوازي مع الأزمة السياسية برزت ضغوط اقتصادية مرتبطة بقطاع النفط بعدما أدت احتجاجات وإغلاقات في عدد من الحقول والمنشآت النفطية إلى تهديد الإنتاج مع تحذير المؤسسة الوطنية للنفط من إمكانية إعلان القوة القاهرة إذا استمرت الاضطرابات في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط.
هذا بالإضافة إلى السلسلة من الاحتجاجات في طرابلس خلال شهر جوان بسبب انقطاع التيار الكهربائي و الماء نتيجة لموجة الحر إلى جانب تراجع الخدمات و غلاء الأسعار قبل أن تتوسع المطالب لتشمل رحيل الأجسام السياسية والحكومتين في الشرق والغرب وهو ما عكس اتساع نطاق الاستياء الشعبي من استمرار الانقسام السياسي بين الحكومتين المتنافستين الذي لا يزال قائماً في 2026 وإن كان هناك مسار تفاوضي لمحاولة إنهائه فالمصادر الحديثة تصف المشهد الليبي بأنه ما زال منقسماً بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة وإدارة موازية في الشرق مدعومة من خليفة حفتر ويرأسها أسامة حماد.
و ختاما تكشف الأزمة الليبية منذ 2011 عن مسار طويل من تفكك الدولة وتعدد مراكز السلطة واستمرار الانقسامات السياسية والأمنية، حيث تعاقبت محاولات الانتقال والتسوية دون أن تنجح في إرساء استقرار مؤسسي دائم. وقد أدى غياب التوافق إلى إطالة المرحلة الانتقالية وتعطيل بناء مؤسسات موحدة بينما انعكست تداعيات الانقسام على الأمن والاقتصاد والخدمات والحياة اليومية للسكان ورغم تعدد المبادرات الداخلية والدولية الهادفة إلى إنهاء الأزمة فإن استمرار الخلاف حول السلطة وقواعد إدارة الدولة حال دون الوصول إلى تسوية نهائية.
لذلك تبقى الأزمة الليبية في جوهرها أزمة بناء دولة وتوافق سياسي ولا يبدو تجاوزها مرتبطاً بتسوية ظرفية فحسب وإنما بإعادة تأسيس مؤسسات موحدة وقادرة على ضمان الاستقرار وتحقيق انتقال سياسي مستدام.
وفي ظل تعدد محاولات التسوية وتعثر المسار الانتخابي يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح ليبيا في تجاوز إرث أكثر من عقد من الانقسام وبناء دولة موحدة ومستقرة أم أن استمرار التنافس على السلطة ومراكز النفوذ سيعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة؟



