المواجهة بين واشنطن وطهران تدخل مرحلة جديدة وسط مؤشرات على استمرار الحرب

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 04-09-2029
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي مع اعتماد الطرفين استراتيجيات أكثر اتساعاً في إدارة الصراع حيث وسّع الجيش الأميركي نطاق ضرباته ليشمل نحو مئة هدف إيراني إضافة إلى استهداف ناقلتين حكوميتين في حين ردت إيران بهجمات صاروخية وباستخدام الطائرات المسيّرة استهدفت ما وصفته بالقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة في أحدث جولة من المواجهة المباشرة بين الجانبين ويأتي هذا التصعيد في ظل مؤشرات متزايدة على أن الولايات المتحدة تستعد لاحتمال استمرار المواجهة لفترة أطول فقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الخميس أن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يعمل على تمديد انتشار القوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط حتى عام 2027 وهو ما يعكس استعداد واشنطن للتعامل مع احتمال استمرار العمليات العسكرية وعدم حصرها في إطار زمني قصير
وفي المقابل تشير المعطيات السياسية إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تبحث في الوقت نفسه عن خيارات يمكن أن تسمح بإنهاء الحرب أو الانتقال إلى مرحلة مختلفة من إدارة الصراع إذ يجري وفق التقارير نقاش داخل الإدارة الأميركية حول إمكانية إعلان انتهاء الحرب مع الاعتماد بدرجة أكبر على أدوات الضغط الاقتصادي لإجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية ويكشف الجمع بين الاستعداد العسكري طويل الأمد والبحث عن وسائل للضغط الاقتصادي عن مقاربة أميركية تقوم على إبقاء الخيارات مفتوحة بين التصعيد العسكري والضغط السياسي والاقتصادي وهو ما يشير إلى أن واشنطن لا تتعامل مع المواجهة باعتبارها عملية عسكرية محدودة بل كأزمة متعددة الأبعاد يمكن أن تمتد تداعياتها إلى ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والعلاقات الدولية
وعلى الجانب الإيراني أعلنت السلطات عن خسائر بشرية في صفوف القوات الإيرانية حيث أعلن الحرس الثوري مقتل ثلاثة عشر من عناصره بينهم أربعة من الوحدة الصاروخية وثلاثة من قوات الباسيج كما أفادت السلطات الإيرانية بمقتل سبعة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين في الأحواز في حين سقط أربعة قتلى وأصيب ثمانية وستون شخصاً في سيريك الواقعة قبالة مضيق هرمز وتكتسب التطورات المرتبطة بمضيق هرمز أهمية استراتيجية خاصة نظراً إلى الموقع الحيوي الذي يحتله المضيق في حركة التجارة العالمية للطاقة فأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة أو تهديد لأمن المنشآت وطرق نقل النفط يمكن أن يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود المواجهة الأميركية الإيرانية لتطال أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي
كما بدأت تداعيات التصعيد تظهر على مستوى أوسع في المنطقة ولا سيما في جنوب لبنان حيث نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير في بلدات القنطرة وحداثا ووادي بلدة برعشيت كما توغلت قوة إسرائيلية داخل منطقة مزرعة حلتا وأقدمت على تطويق عدد من المنازل وفق ما أعلنته الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية الرسمية وتشير هذه التطورات إلى أن المواجهة بين واشنطن وطهران لا تجري في فراغ إقليمي بل تتفاعل مع شبكة واسعة من الصراعات والتوترات الممتدة من الخليج إلى لبنان وهو ما يزيد من مخاطر تحول المواجهة الثنائية إلى صراع إقليمي أوسع تتداخل فيه الجبهات العسكرية والأمنية
ومن منظور جيوسياسي فإن التطورات الحالية تعكس انتقال الصراع الأميركي الإيراني من مرحلة الضغط المتبادل إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على اختبار قدرة كل طرف على تحمل تكلفة المواجهة وعلى فرض شروطه على الطرف الآخر فواشنطن تحاول الجمع بين التفوق العسكري والضغط الاقتصادي بينما تعتمد طهران على الصواريخ والطائرات المسيّرة وتوسيع نطاق الضغط على المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة
ويطرح هذا المسار تساؤلات حول مستقبل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط فإذا كانت واشنطن تستعد فعلياً لتمديد وجود قواتها حتى عام 2027 فإن ذلك قد يعني أن الإدارة الأميركية تتوقع استمرار التوتر مع إيران حتى في حال توقف العمليات العسكرية المباشرة كما قد يشير إلى توجه نحو إعادة تشكيل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة على أساس احتواء طويل الأمد بدلاً من خوض حرب قصيرة ذات أهداف محددة وفي المقابل فإن استمرار الضربات الإيرانية وتكبد خسائر بشرية ومادية داخل إيران قد يدفع طهران إلى مواصلة سياسة الردع المباشر وعدم السماح لواشنطن بفرض واقع عسكري جديد من دون تكلفة كما أن استمرار التصعيد قد يزيد من أهمية أدوات الرد غير المباشر عبر الحلفاء الإقليميين والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية
وبذلك تبدو المواجهة الحالية أمام مسارين متوازيين يتمثل الأول في استمرار التصعيد العسكري وتوسيع نطاق العمليات بينما يقوم الثاني على محاولة الانتقال إلى الضغط الاقتصادي والسياسي تمهيداً لتسوية محتملة غير أن الجمع بين المسارين يعكس غياب رؤية واضحة بشأن نهاية الصراع ويشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار سياسة الضغط المتبادل إلى جانب محاولات اختبار فرص التفاوض
وفي ظل هذا الوضع فإن أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو احتمال تحول الحرب من مواجهة محدودة بين واشنطن وطهران إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتعدد فيها ساحات المواجهة وتتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والأمنية وهو ما يجعل مستقبل الصراع مرتبطاً ليس فقط بقدرة الطرفين على تحقيق أهدافهما بل أيضاً بمدى قدرة دول المنطقة والقوى الدولية على احتواء تداعياته ومنع انتقاله إلى جبهات جديدة



