ناتو سني لمواجهة من؟

إعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الإستراتجية الأمنية والعسكرية 12-08-2026
اتفاق مكة السني؟
اتفاق عسكري اقليمي تركي سعودي باكستاني فتح باب النقاش أمام الخبراء والمهتمين بالشرق الاوسط وبالقضايا الإسلامية، فهذا الإتفاق العسكري الدفاعي هو ضرورة تقتضيها المرحلة والظرفية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط أمام بروز قوى تريد الهيمنة على المنطقة والسؤال الأبرز لماذ الآن؟
هل لأن ايران تريد الهيمنة على المنطقة؟
ولماذا لم يكن هذا الإتفاق منذ زمن أين كانت إسرائيل هي المهدد الأبرز على المنطقة؟
من الأخطر على المنطقة اسرائيل ام ايران؟
فتح اتفاق الدفاع العسكري المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت الدول الثلاث تتجه إلى تأسيس نواة لتحالف عسكري إقليمي اسلامي شامل ام تحالف اسلامي سني؟
وقد وصفت الصحافة الغربية هذا التحالف على أنه مشروع محتمل لـ”ناتو إسلامي سني”، وفي نفس الوقت تشير بعض المصادر المختصة بأن هذا التحالف العسكري قد خططت له تركيا لتكون الضامن الأكبر للأمنالاقليمي في الشرق الأوسط والوكيل الرسمي للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة للحد من التمدد الايراني لان الحرب القادمة في الشرق الأوسط ستكون سنية شيعية كما تريدها أمريكا وإسرائيل.
واشارت الصحف الغربية أن الإتفاق المشترك الذي جمع الثلاثي العسكري البارز في المنطقة جاء على إعتبار دفاعي عسكري وينص على أنّ أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعتبر هجوما على جميع الأطراف، في صيغة تقترب من حيث المبدأ من الالتزام الوارد في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
ويرى المحللون والمهتمون ان هذا الإتفاق يتجاوز الاتفاقية الدفاعية بل يذهب الى أبعد من ذلك فهو يمثل توسعا كبيرا في دور أردوغان كطرف ضامن للأمن في الشرق الأوسط وللمعسكر الإسلامي السني وضامن للمصالح الأمريكية هناك، وربما يتجاوز كذلك تلك الحدود الدفاعية بل سيكون حجر أساس لرؤية تركية أوسع لإنشاء هيكل أمني إقليمي أكثر استقلالا عن القوى الغربية، وأكثر أرتباطا بالولايات المتحدة الأمريكية في عملية عقابية للإتحاد الأوروبي الذي رفض إدماج تركيا في الإتحاد الأوروبي.
والسؤال المطروح بعد اتفاق مكة:
إلى أي مدى ستلتزم الأطراف الثلاثة للدفاع عن بعضها البعض ان تعرضت أحد الدول للهجوم؟
ولماذا لم تدخل مصر كقوة عسكرية في هذا التحالف؟
والسؤال الأهم: من هي الجهات التي يجب ردعها؟
ويقول بعض المحللين أن الاتفاق قد يكون في مرحلته الحالية رسالة ردع سياسية وعسكرية أكثر منه ضمانة حاسمة للتدخل في كل صراع تواجهه إحدى الدول الثلاث، خصوصاً في ظل اختلاف مصادر التهديد والأولويات الأمنية لكل منها.
هل يمكن لهذا التحالف ان يردع الجمهورية الإسلامية الإرانية؟
مبدئيا يجب الإشارة الى أن الدول المتحالفة الثلاثة حليفة وموالية لإيران بشكل مطلق مما يضعها عمليا وموضوعيا في المعسكر المناهض لإيران ضمن الانقسام الهيكلي الذي تشهده المنطقة.
وبالتالي لو تم استهداف المصالح أو القواعد العسكرية الأمريكية في إحدى هذه الدول من قبل إيران فهل سيتم الرد عليها عسكريا من قبل التحالف الثلاثي؟ ننتظر الأيام المقبلة وننتظر أول إمتحان لهذا التحالف؟
والمثير للإنتباه أن وزير الخارجية التركي، حقان فيدان، قال على هامش التوقيع على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران. وطبعا هذا التصريح يأتي على خلفية طمأنة إيران والإيجابة على السؤال هل هذا التحالف موجه لإيران؟
كما يذكر أن المملكة العربية السعودية قد تعرضت فعلا للقصف الإيراني خلال الحرب عليها كما تكبد قطاع النفط السعودي خسائر اقتصادية فادحة؛ فضلا عن إسقاط صواريخ إيرانية كانت متجهة نحو المجال الجوي التركي، أما باكستان، فترتبط بجارتها إيران بعلاقات معقدة تتسم غالبا بالعداء، وهذا ما تدركه الصهيوامريكية فهي تعمل على ترك المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران لهذا التحالف من أجل حرب بالوكالة وتكون إسلامية بين السنة والشيعة. وبالتالي استنزاف هذه القوى في المنطقة وانهاكها بحرب اقليمية لصالح إسرائيل والمخطط الصهيوني.
وقد برر فيدان بأن الاتفاقية -التي استغرق الإعداد لها أكثر من عامين ونصف- تعادل من الناحية الفنية التزام الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.
فهذا التحالف جاء على إثر خلق عدو “شيعي فارسي” في المنطقة مقابل جهات سنية صاعدة يمكن لها ان تتسبب في إزعاج لإسرائيل فالقدرات العسكرية لكل من هذه الدول ليست بالأمر الهين ولا يمكن لإسرائيل مواجهتها مباشرة وبالتالي يمكن إنهاكها واستنزافها في صراع مفتعل بين الشيعة والسنة، إذ تُعد باكستان القوة النووية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة وهذا واقع يزعج الصهيوامريكا، بينما تمتلك السعودية القوة العسكرية العربية الأبرز في منطقة الخليج وهي القوة الإقليمية الصاعدة والمتشددة في حل الدولتين وتعارض إعلان التطبيع، بينما تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وتتمتع بصناعة دفاعية مزدهرة. ولها طموحات كبرى في المنطقة وتحلم برجوع الإمبراطورية العثمانية والسيطرة من جديد على المنطقة وهذا كذلك ما تخشاه اسرتئيل وبالتالي ابرام اتفاق ثلاثي ربما يلهيهم عن العدو الحقيقي ويدخلهم في دوّامة الإستنزاف السني الشيعي.
وفي المقابل هذه الدول الثلاثة لها مخاوف مشتركة تجاه إيران وفي نفس الوقت لها مشاغلها الخاصة والمتباينة فباكستان لا تزال تعتبر الهند عدوها الأساسي ومصدر القلق الأكبر لأمنها القومي، ووبالنسبة لتركيا فلها ملفات مهمة عالقة منذ أمد طويل مع اليونان وبشأن قبرص، فضلا عن انخراطها في المستنقع السوري والأكراد، أما السعودية فتتركز مخاوفها بشكل أكبر على إيران، وإن كانت جبهة القتال الرئيسية لها في السنوات الأخيرة قد تمثلت في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.
ولهذا وبحسب بعض الخبراء فإنّ الاتفاقية بنيت على أساس مبدأ الردع الجماعي أكثر من الدفاع الجماعي، وبالتالي لا يمكن أن تكون “ناتو اسلامي”.كما أنّ الاتفاقية تعكس “أحلام” تركيا “اردوغان لبناء “جيش دفاعي إسلامي واسع في الشرق الأوسط تحت سلطها، مع توجيه رسائل ردعية لكل من إيران وإسرائيل.
هل للولايات المتحدة الأمريكية يد في صنع هذا التحالف؟
الولايات المتحدة عملت بشكل مكثف على إقحام دول الخليج وتركيا وكل الموالين لها في المنطقة على الدخول معها في الحرب على إيران ولم تنجح بشكل مباشر وبالتالي وبحسب التقارير الإستخباراتية دفعت واشنطن الى التركيز على إنشاء مثل هذا التحالف السني لردع إيران و”أذرعها في المنطقة” واتفاق مكة هو تجسيد للمخطط الصهيوامريكي لإستنزاف هذه القوى وإقحامها في الحرب على إيران واردوغان طبعا يريد ان يعمل كوكيل للأمريكي في المنطقة ليحقق أحلامه العثمانية وفعلا تمّ الإتفاق وتمّ التوقيع والبيت “الترامباوي” لم يعرب عن قلقه بل بالعكس رأى في هذا التحالف تحقيقا لمخطط كان يسعى إليه وننتظر بعد فترة توسيعا لهذا التحالف السني ليشمل قوى إقليمية أخرى، مثل مصر، وقطر التي ستدخل في الأيام المقبلة.
كما أن الاتفاقية قد تؤدي إلى زيادة الدعم العسكري التركي للمملكة العربية السعودية؛ إذ أن المشاركة في دوريات بحرية متعددة الجنسيات في البحر الأحمر، أو نشر قوات في السعودية لأغراض دفاعية، من شأنه أن يوسع بشكل كبير الدور الأمني لتركيا في المنطقة.
والجدير بالتأكيد هو أنّ هناك تحولا كبيرا في مفهوم المعركة في الشرق الأوسط كما أشرنا الى ذلك سابقا، وهو تحوّل في تولي المسؤولية الردعية الأمنية من القوة الغربية الأمريكية الى تولي القوى الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمنها الذاتي ولكنها ستبقى تحت الإشراف الأمريكي لأن واشنطن تدرك تماما أطماع أردوغان ولن تتركه دون إشراف ولا تأطير.



