ليبيا.. التحركات الثلاثية: أمريكا ـ مصر ـ تركيا

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 14-08-2026
تشهد الساحة الليبية، منذ إطلاق المبادرة الأمريكية التي تقدم بها مسعد بولس لحل الأزمة الليبية، تحركات متسارعة من جانب ثلاث دول رئيسية: الولايات المتحدة ومصر وتركيا. ويبدو أن هذه التحركات تعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الوضع الليبي على حاله لم يعد يخدم مصالح هذه الأطراف، وأن الوصول إلى تسوية سياسية أصبح أكثر إلحاحاً.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المبادرة الأمريكية، وإلى قدرة الأطراف الليبية على التعاطي معها، في ظل إدراك إقليمي ودولي بأن الأزمة الليبية لم تعد تحتمل المزيد من إدارة الانقسام أو تأجيل الاستحقاقات.
واشنطن.. عودة تدريجية إلى الملف الليبي
منذ أن قادت الولايات المتحدة عملية التغيير في ليبيا عام 2011، تراجع حضورها المباشر في الملف الليبي، نتيجة انشغال الإدارات الأمريكية المتعاقبة بملفات استراتيجية أخرى. وتراوح الدور الأمريكي بين إدارة وأخرى، فيما تُرك المجال لقوى دولية وإقليمية أخرى، وبطبيعة الحال للأمم المتحدة، للاضطلاع بدور رئيسي في إدارة المسار السياسي الليبي.
وقد اختلفت مقاربة الإدارات الأمريكية، الديمقراطية والجمهورية، تجاه ملفات المنطقة. فالديمقراطيون، خلال إدارة باراك أوباما، قادوا سياسة دعم التحولات والثورات، مع ترك مساحة أكبر للشعوب لتحديد مساراتها، بينما انشغلت الإدارات الجمهورية بدرجات مختلفة بملفات أخرى وبسياسات أكثر تركيزاً على المصالح والأمن والقضايا الاستراتيجية.
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، انشغلت الإدارة الأمريكية بملفات دولية عديدة، من التنافس مع أوروبا والصين إلى أزمات وحروب المنطقة، وصولاً إلى الحرب مع إيران، إلا أن ليبيا عادت تدريجياً إلى دائرة الاهتمام الأمريكي من خلال الدور الذي يقوم به مسعد بولس.
وفي تقديرنا، يمكن قراءة مستوى الاهتمام الأمريكي بأي ملف دولي من خلال طبيعة ومستوى الانخراط فيه: بدءاً من دور المبعوث، مروراً بانخراط وزارة الخارجية والمؤسسات المعنية، وصولاً إلى التدخل المباشر من البيت الأبيض والرئيس. وكلما ارتفع مستوى الانخراط، كان ذلك مؤشراً على ارتفاع أهمية الملف في الحسابات الأمريكية، وإن لم يكن ذلك بالضرورة سلماً رسمياً ثابتاً لصنع القرار.
ومن هذه الزاوية، فإن إدارة الملف الليبي من خلال مبعوث رفيع المستوى تعني أن واشنطن تولي الملف اهتماماً، لكنها في الوقت نفسه لم تضعه بالضرورة في مستوى الملفات التي تستوجب تدخلاً رئاسياً مباشراً.
مصر.. الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية
إلى جانب الولايات المتحدة، تلعب مصر دوراً مهماً في المشهد الليبي، انطلاقاً من أن أمن واستقرار ليبيا يرتبطان بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري.
فمصر تنظر إلى ليبيا باعتبارها امتداداً استراتيجياً لأمنها، في ظل الحدود المشتركة والتداخل الأمني والاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب مصالح اقتصادية كبيرة.
وقد لعبت القاهرة دوراً مهماً في مراحل مختلفة من الأزمة الليبية، وكان لها دور في جهود وقف الحرب التي اندلعت عام 2019، كما حافظت على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الليبية.
ومن ثم، فإن المصلحة المصرية تبدو واضحة في الوصول إلى ليبيا مستقرة وموحدة، بما يضمن أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ويمنع تحول الأراضي الليبية إلى مصدر تهديد لمصر أو إلى ساحة مفتوحة أمام قوى تتعارض مصالحها مع القاهرة.
تركيا.. من الغرب إلى الانفتاح على الشرق
أما تركيا، فلها حضور قوي في غرب ليبيا، وعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة، إلى جانب اتفاقيات ومصالح استراتيجية، من بينها الاتفاقيات البحرية.
لكن تركيا أدركت، في تقديرنا، أن استمرار الانفتاح على طرف واحد من المعادلة الليبية لا يكفي لضمان مصالحها على المدى البعيد.
ومن هنا جاءت أهمية الانفتاح التركي على شرق البلاد وإقامة قنوات تواصل مع القيادة العامة.
وهذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً؛ لأن تركيا باتت تتعامل مع حقيقة أن الشرق الليبي طرف أساسي في المعادلة، وأن القيادة العامة تمثل قوة مؤثرة وقادرة على التعاون في أي ترتيبات تتعلق بالاستقرار ومستقبل البلاد.
وبالنسبة إلى أنقرة، فإن توسيع علاقاتها لتشمل الشرق لا يعني التخلي عن مصالحها في الغرب، وإنما يمكن فهمه باعتباره محاولة لتأمين مصالحها في ليبيا عبر التواصل مع مختلف مكونات المشهد.
لماذا تهتم أمريكا بليبيا؟
في تقديرنا، فإن الاهتمام الأمريكي بليبيا لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية الأوسع.
فالولايات المتحدة تبحث عن مناطق أكثر استقراراً وأقل توتراً، خصوصاً بعد أزمات وحروب المنطقة، وما أظهرته السنوات الماضية من صعوبة حسم بعض الملفات بالقوة أو من خلال التدخلات المباشرة.
وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن تنافساً متزايداً مع الصين وروسيا في أفريقيا، إلى جانب التنافس مع القوى الأوروبية على النفوذ والمصالح.
وهنا تبرز أهمية ليبيا.
فليبيا دولة ذات موقع جيوسياسي بالغ الأهمية، وتملك موارد طاقة كبيرة، وتقع على المتوسط، وتمثل بوابة مهمة إلى شمال أفريقيا وعمق القارة الأفريقية.
ومن ثم، فإن ليبيا ليست مجرد ملف سياسي داخلي، وإنما تمثل بالنسبة إلى القوى الدولية مساحة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية وأمنية، خصوصاً في ظل التنافس على الطاقة والنفوذ والأسواق والاتصال بأفريقيا.
ولا تريد الولايات المتحدة، في تقديرنا، أن تترك هذه المساحة مفتوحة أمام منافسيها، خصوصاً الصين وروسيا، كما لا يمكنها تجاهل الدور الأوروبي المتصل بليبيا وأمن المتوسط والهجرة والطاقة.
مصر وتركيا.. البحث عن حل يضمن المصالح
هنا يمكن فهم الموقف المصري والتركي.
فكل من القاهرة وأنقرة يريد إنجاز حل ليبي أكثر دقة واستقراراً، ليس فقط من أجل إنهاء الأزمة، وإنما أيضاً لضمان مصالحه الخاصة.
ومصر ترى أن الاستقرار الليبي جزء من أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، بينما ترى تركيا أن استقرار ليبيا وتوسيع علاقاتها مع مختلف الأطراف يمثلان ضمانة لمصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
ولهذا، فإن البلدين يمتلكان القدرة على التأثير في الموقف الأمريكي، كما أن لكل منهما حدوداً واضحة للموقف الذي يمكن أن يقبله في أي تسوية مقبلة.
وهنا يظهر الفرق بين موقف الولايات المتحدة من جهة، وموقفي مصر وتركيا من جهة أخرى.
فواشنطن تنظر إلى ليبيا ضمن حسابات دولية وجيوسياسية أوسع، بينما تنظر القاهرة وأنقرة إليها أيضاً من زاوية مصالحهما المباشرة والقريبة.
ومع ذلك، فإن نقطة الالتقاء بين الدول الثلاث تتمثل في أن استمرار الفوضى والانقسام لا يخدم مصالح أي منها.
ومن هنا، يبقى التفاهم بين هذه الدول على المصالح والحدود التي يمكن أن يتحرك ضمنها الحل الليبي عاملاً مهماً في تحديد فرص نجاح أي مبادرة.
المشكلة.. الموقف الليبي
لكن، وللأسف الشديد، يبقى الموقف الليبي نفسه منقسماً ومشتتاً، وبعيداً في كثير من الأحيان عن فهم المصلحة الوطنية بصورة واضحة.
وقد ساهم الجهل بالسياسة، والتعنت، والتمسك بشعارات وأفكار تبرر الانقسام، في استمرار الأزمة وإعادة إنتاجها.
فبدلاً من أن يكون الهدف الأساسي هو بناء الدولة وإنهاء الانقسام، أصبحت بعض المواقف مرتبطة بحسابات شخصية أو جهوية أو سياسية ضيقة.
وهذا ما جعل العديد من المبادرات والاستحقاقات السابقة تفشل، أو تتحول إلى مجرد مراحل جديدة لإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.
وفي كل مرة تقترب فيها البلاد من استحقاق حقيقي، تظهر خلافات جديدة، أو يرفض طرف ما المسار، أو يحاول إعادة صياغة المبادرة وفق رؤيته الخاصة، حتى لو كانت هذه الرؤية قد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية عدم قدرتها على الوصول إلى حل.
لماذا تتجه المبادرة إلى طرفي المعادلة؟
من هنا يمكن فهم توجه المبادرة الأمريكية إلى طرفي المعادلة الليبية، في محاولة للوصول إلى إمكانية التفاهم على خطوة أولى يمكن أن تشكل بداية لمشوار طويل نحو حل الأزمة.
وقد اتضح، في تقديرنا، للدول الثلاث أن أفضل الخيارات قد يكون في بلورة المبادرة وتحويلها إلى مسار عملي، بدلاً من انتظار استحقاقات جديدة يمكن أن تفشل مرة أخرى بسبب رفض أحد الأطراف أو بسبب محاولة طرف آخر فرض رؤيته الخاصة على المسار.
فالمشكلة لم تعد في نقص المبادرات، وإنما في القدرة على تحويل المبادرة إلى خطوات قابلة للتنفيذ، وإيجاد الأطراف القادرة على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه.
القيادة العامة.. جدية القرار والاستعداد للحل
وفي هذا السياق، نرى أن استعداد القيادة العامة للتعاطي مع المبادرة الأمريكية، أو مع أي حل ليبي ـ ليبي، يبدو أكثر جدية، من حيث وحدة القرار والقدرة على اتخاذ موقف واضح والالتزام به.
وهذا لا يعني أن الحل الليبي يمكن أن ينجح من طرف واحد، أو أن طرفاً بعينه يمتلك وحده مفاتيح الأزمة، وإنما يعني أن تماسك القرار والقدرة على الالتزام بالمواقف يمثلان عاملاً مهماً في أي تسوية مقبلة.
وفي تقديرنا، فإن وجود قرار أكثر تماسكاً وإرادة واحدة داخل القيادة العامة قد يجعل التعامل معها في أي مسار تفاوضي أكثر وضوحاً، مقارنة بحالة الانقسام والتعدد في مراكز القرار التي طبعت المشهد الليبي خلال السنوات الماضية.
ومن هنا، فإن أي حل ليبي ـ ليبي جاد يحتاج إلى أطراف تمتلك القدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية التوافق وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لا إلى أطراف تستطيع التوافق في الحوار ثم تعجز عن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
الدور المصري والتركي.. أساس مهم للنجاح
إذا أخذنا هذه المعطيات مجتمعة، فإننا نعتقد أن الدور التركي والمصري يمثل أساساً مهماً لنجاح المبادرة الأمريكية.
فمصر تمتلك تأثيراً وعلاقات واسعة مع الشرق، وتركيا تمتلك نفوذاً وعلاقات قوية في الغرب، والولايات المتحدة تمتلك القدرة على توفير الغطاء الدولي والدفع السياسي للمسار.
وإذا أمكن جمع هذه الأدوار ضمن تفاهم واضح، فإن فرص الوصول إلى تسوية ليبية تصبح أكبر.
لكن هذا لا يعني أن الحل سيأتي من الخارج.
فالدول الثلاث قد تتفاهم على مصالحها، وقد ترسم حدوداً عامة للتسوية، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة دولة ليبية مستقرة ما لم تتوافر إرادة ليبية حقيقية.
الخلاصة
إن التحركات الأمريكية والمصرية والتركية الحالية تبدو، في تقديرنا، مختلفة في طبيعتها عن كثير من التحركات السابقة، لأنها تأتي في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الأزمة الليبية أصبح عبئاً على الجميع، وأن إدارة الانقسام لم تعد كافية.
فالولايات المتحدة تريد أن تمنع تحول ليبيا إلى مساحة جديدة للصراع الدولي، وتريد حماية مصالحها في المتوسط وأفريقيا، ومواجهة التمدد الروسي والصيني.
ومصر تريد ليبيا مستقرة وآمنة، بما يحفظ أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
وتركيا تريد أيضاً استقراراً يحفظ مصالحها واتفاقياتها وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية.
وفي المقابل، فإن ليبيا تحتاج قبل كل شيء إلى أن يدرك أبناؤها أن استمرار الانقسام لن يمنح أحداً انتصاراً حقيقياً، وإنما سيبقي البلاد رهينة للتدخلات الخارجية.
ومن هنا، فإن نجاح المبادرة الأمريكية لا يتوقف على واشنطن وحدها، ولا على القاهرة وأنقرة، وإنما يتوقف في النهاية على قدرة الليبيين على استثمار هذا التقاطع الدولي والإقليمي لصالحهم.
وفي تقديرنا، فإن التفاهم الأمريكي ـ المصري ـ التركي قد يمثل أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة، لكن المفتاح الحقيقي يبقى في يد الليبيين أنفسهم.
فإذا استطاعت الأطراف الليبية أن تنتقل من منطق الصراع على السلطة إلى منطق بناء الدولة، ومن الشعارات إلى القرارات، ومن انتظار الخارج إلى تحمل المسؤولية الوطنية، فقد تكون المبادرة الحالية بداية لمسار مختلف.
أما إذا استمر التعنت والانقسام ومحاولة كل طرف فرض رؤيته الخاصة، فإن المبادرة، مثل غيرها من المبادرات السابقة، قد تتحول إلى محطة جديدة في إدارة الأزمة بدلاً من أن تكون بداية لنهايتها.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: ماذا تريد أمريكا ومصر وتركيا من ليبيا فقط؟ وإنما: ماذا يريد الليبيون من أنفسهم، وهل هم مستعدون فعلاً لصناعة حل ليبي ـ ليبي
في ظل محاولات التشويش وتوتيرالاوضاع من الطرف الذي لا يريد الحل؟



