أحداث وشخصياتأخبار العالمأنشطة المركز

كلمة  السيدة وحيدة المي في اللقاء الحواري حول تطور قضايا المرأة  الصين وتونس

المرأة التونسية والأسرة: من توزيع الأدوار إلى شراكة المسؤوليات… ماذا تحقّق؟

السيدات والسادة، الحضور الكريم،

يسعدني في رحاب سفارة جمهورية الصين الشعبية الصديقة أن أشارككم اليوم هذا اللقاء حول المرأة التونسية.

وأعتقد أن قيمة هذا اللقاء تتجاوز الحديث عن المرأة ومكانتها إلى التفكير في التحولات التي عرفتها الأسرة التونسية، وفي الكيفية التي يمكن بها أن تتغير أدوار أفرادها ومسؤولياتهم بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع.

لقد قطعت المرأة التونسية منذ الاستقلال أشواطا مهمة في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وأصبحت حاضرة في مختلف المجالات والاختصاصات، وفي مواقع المسؤولية وصنع القرار حيث تغير دورها خارج الأسرة وفي المجال العام، فهل تغير حضورها داخل المجال الخاص (الأسرة) وهل فرض نجاحها إعادة توزيع المسؤوليات؟.

لقد انتقلنا، إلى حد بعيد، من النموذج التقليدي للأسرة التونسية الذي يقوم على أن الرجل هو المعيل المتكفل بالعمل وتأمين الجانب الاقتصادي، والمرأة الراعية الأساسية لأفراد الأسرة من أبناء ومسنين في الكفالة من فروع الزوجة والزوج، والقائمة بشؤون البيت في المجال الحضري و المشاركة بجزء كبير في النشاط الفلاحي بأنواعه في المجال الريفي.

ومنذ الاستقلال و تأسيس مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت ،1956 ودخولها حيز التنفيذ في 1 جانفي 1957، وفرض إجبارية التعليم للإناث جنبا إلى جنب مع الذكور في سنة 1958 من طرف الزعيم الحبيب بورقيبة، بدأ يسير هذا النموذج التقليدي نحو التغيير ويمهّد لنموذج تتقاسم فيه المرأة التونسية المجال العام مع الرجل.

من الرعاية الأحادية إلى الرعاية التشاركية

عندما نقول إن الأسرة كانت مطالبة بأن تؤدي وحدها كل وظائف الرعاية فنحن هنا نختزل الأسرة التقليدية في الأم أساسا وهي ربة البيت التي تتولى تربية الأبناء ورعاية الحماة والحمى وفروع الزوج من إخوة وأقارب وحتى امتداته البعيدة في شجرة العائلة.

وقد ساهم خروجها إلى العمل في تخفيف هذا العبء حيث أصبحت هناك فضاءات تابعة للدولة وأخرى خاصة تتقاسم معها رعاية الأبناء مثل رياض ومحاضن الأطفال مؤطرة بقوانين تضمن حقوق الطفل وتؤمن سلامته.

إلى جانب انتقال رعاية المسن داخل الأسرة من المسؤولية العائلية إلى مسؤولية الفضاءات المشتركة. إذ تطورت في تونس منظومة رعاية كبار السن، وأصبحت إلى جانب المؤسسات العمومية و مآوى المسنين توجد مؤسسات خاصة توفر الإيواء والرعاية الاجتماعية والمتابعة الصحية والنفسية والخدمات المرافقة.وهو تحول يحيلنا على إعادة تشكل الأدوار داخل الأسرة والتخلص التدريجي من الانفراد بدورها العاطفي والإنساني عندما تقتضي الحاجة إلى الاستعانة بخدمات ومؤسسات متخصصة.

فعندما تحررت المرأة من قيود البيت وعرفت طريقها إلى مجالات مهنية وعلمية متنوعة و خاصة استقلالها الاقتصادي عن الرجل الذي لم يعد معيلها الوحيد هو وعائلته في المؤسسة الزوجية، فإن العبء بات خفيفا ومسؤولية الرعاية لم تعد بالضرورة وظيفة نسائية خالصة.

وبذلك انتقلت الأسرة تدريجيا من مفهوم “رعاية أحادية للمرأة” إلى مفهوم “رعاية تشاركية تتقاسمها الأسرة والمؤسسات”.

من تمكين المرأة إلى توازن الأسرة

هناك تحول آخر أراه مهما في تونس، وفي هذا السياق سأسلط الضوء على الإجراءات الحديثة أكثر من العودة إلى الوراء، باعتبار أن التحول الحقيقي انطلق – كما ذكرت سابقا- منذ إقرار إجبارية تعليمها وتيسير ولوجها إلى سوق الشغل مثل الرجل.

وهذه الأدوار الجديدة في الحياة العامة فرض توفير مرونة إجرائية لتسهيل عبور المرأة من عتبة البيت إلى الفضاء العام وتوفير الأرضية القانونية لذلك وتمكينها من حضانة الأبناء و من النفقة عند الطلاق و الاستقلال المادي والحق في العمل وحمايتها من العنف المسلط عليها.

وسعت الدولة إلى فك ارتباطها اللامتوازن توغل في الفضاء الخاص، في مواقع إدارية أو سياسية أو حتى مهنية حرفية وبسيطة أصبح بالأسرة وكلما لت ارتباطا بالاهتمام بالأسرة واستقرارها من حيث إيجاد قوانين تتلاءم مع هذه التغيرات اليومية طا الاهتمام بالمرأة أكثر المعيشية.

ولئن تناقش هذه القوانين على مستوى التطبيق والجدوى إلا أن هياكل الدولة وعلى رأسها وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفل وكبار السن أصبحت تطوع سياساتها مع التحولات الجديدة للأسرة.

ونذكر في هذا المجال أن الوزارة تعمل على تعزيز تماسك الأسرة وقدرتها على مواجهة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، ضمن رؤية تمتد إلى سنة 2035. بعدما أثبتت الاحصائيات ارتفاع نسب الطلاق والعنف الزوجي والحديث عن “التفكك الأسري”.

وفي صلب هذه السياسية الإنقاذية الجديدة لم يعد تمكين المرأة اقتصاديا هو الهاجس بل البحث عن كيفية تهيئة الأسرة نفسها حتى تستوعب نجاح المرأة وتغير أدوارها دون أن تتحمل عبء البيت والشارع بمفردها و إحداث الشرخ العاطفي والنفسي والوقوع في التفكك نتيجة عدم تكافؤ توزيع الأدوار داخل الأسرة.

ووعت الدولة أن التمكين الحقيقي للمرأة لا يكتمل إذا كان ثمنه أن تعمل المرأة خارج البيت ثم تعود لتتحمل وحدها معظم المسؤوليات داخله أو أن تدفع من نجاحها وتميزها بمفردها.

خاصة وأن هذه القوانين تعتبر أن تحقيق التوازن داخل الأسرة ليس امتيازا للمرأة وحدها، بل هو مصلحة للرجل أيضا وللأطفال وللأسرة والمجتمع بأسره.

ومن هنا فرضت مسألة العمل على تحقيق التوازن الأسري وإعادة هيكلة الحياة الزوجية ما قبل الزواج.

الزواج… من علاقة تقليدية إلى مشروع حياة مشترك

وأصبحنا من هذا المنطلق نتحدث اليوم عن استراتيجيا وزارة المرأة التونسية لـ”الإعداد والتأهيل للحياة الزوجية والأسرية” تنطلق من أن الزواج ليس مجرد انتقال اجتماعي أو قانوني من مرحلة إلى أخرى، بل هو مشروع حياة مشتركة يحتاج إلى وعي واستعداد ومهارات من الطرفين قبل الدخول في مغامرة الزواج والإنجاب.

فالبرنامج الذي تعمل عليه وزارة الأسرة حاليا يقوم على اختبار جوانب نفسية واجتماعية وقانونية وصحية، وعلى تعزيز التواصل الإيجابي، وإدارة الخلافات، وتحمل المسؤولية الوالدية والمالية وذلك لأجل استباق الخلافات والأزمات داخل الأسرة بتهيئة الشريكين منذ البداية لفهم طبيعة الحياة المشتركة ومتطلباتها والوعي بأخطاء الآخر وعيوبه والأهم من ذلك خلق شراكة فعلية وناجعة داخل الأسرة وجعل الرجل شريكا في مسؤولية تخصهما معا لا تخص المرأة بمفردها مثل إدارة البيت و تربية الأبناء وتسيير الشأن اليومي وتقاسم الأعباء البسيطة والثقيلة.

وهو تغيير في الثقافة الحياتية وفي النظرة إلى الأدوار داخل الأسرة.

إعادة تشكيل الأسرة.. هل نجحنا؟

اليوم ونحن نتحدث عن قوانين تقف إلى جانب المرأة وتدعم حضورها داخل الأسرة والمجتمع، ونتحدث عن نجاح باهر للتونسية في الجامعات و مواقع العمل و مواقع المسؤولية والمجالات الثقافية والإبداعية، من حقنا أن نتساءل: هل استطاعت المرأة أن تنجح في المجال العام دون أن تدفع وحدها ثمن نجاحها داخل الأسرة؟، هل استطاع الرجل أن ينتقل من “دور المعيل” فقط إلى “دور الشريك الكامل” في التربية والرعاية؟،هل قبل المجتمع اليوم بأن يتحمل الرجل أو مؤسسات الرعاية العمومية جزءا من مسؤولية كانت الأسرة والمرأة تحديدا تتحمل معظمها دون أحكام أخلاقية ولا ضغوط نفسية واجتماعية؟.

وهل نجحت القوانين المتطورة في تحرير المرأة من الأسرة وإعادة تشكيل الأسرة نفسها؟. وهل نستطيع اليوم الحديث خارج البناء التقليدي للأسرة التونسي عن “شريكين” في القرار، و التربية و الرعاية و تحمل الأعباء و صناعة مستقبل الأبناء بدل الرجل “المعيل” والمرأة “الراعية”؟

من هنا، أعتقد أن التحدي أمامنا ما يزال كبيرا، فالتغيير السلوكي والقيمي والثقافي لا يمكن للقوانين أن تفرضه بالقوة في ظل تواصل استفحال العقلية الذكورية حتى لدى الجامعيين والمتعلمين والمثقفين والنخبة السياسية والقيادية نفسها، لأن الإشكال يتعلق إلى جانب القوانين الحافظة للحقوق بسؤال التنشئة منذ الطفولة المبكرة من الأسرة وفضاءات التنشئة والرعاية إلى المدرسة وصولا إلى الجامعة حتى نتمكن من تكريس المسؤولية المشتركة في الرعاية وتصبح المرأة أكثر قدرة على الاختيار، ويصبح الرجل أكثر حضورا في حياة أسرته اختيارا وليس اضطرارا، وتصبح الأسرة نفسها أكثر توازنا وقدرة على مواجهة التحولات.

وما دمنا نتحدث اليوم بعد سبعين سنة من الاستقلال وإقرار مجلة الأحوال الشخصية عن »دور المرأة« و»دور الرجل« باعتبارهما عالمين منفصلين، ولم نصل بعد إلى توزيع عادل ومرن للمسؤوليات المشتركة داخل الأسرة وفق قدرات وظروف كل فرد فإننا رغم القوانين المتطورة ونجاحات المرأة الباهرة وسعي الدولة لمواكبة التغيرات الطارئة على المجتمع، مازلنا لم نصل بالسرعة نفسها إلى نموذج تكون فيه مسؤوليات الرعاية موزعة بصورة أكثر عدلا بين الرجل والمرأة، وبين الأسرة والمؤسسات والمجتمع، ولعل أجمل ما يمكن أن نطمح إليه هو عدم القفز على الثغرات القانونية والمجتمعية حتى لا نضطر مستقبلا إلى إعادة تلقين الأجيال الصاعدة نفس الاسطوانة.

وشكرا لكم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق