أخبار العالم

قبل زيارة نتنياهو إلى نيويورك : سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة يطالب باعتقال ممداني ومفارقة العدالة الدولية

تصاعدت حدة المواجهة السياسية بين إسرائيل وعمدة نيويورك زهران ممداني قبل أيام من الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدما طالب السفير الإسرائيلي لدى المنظمة الدولية داني دانون باعتقال ممداني، ردا على مواقف العمدة السابقة التي دعا فيها إلى مساءلة نتنياهو على خلفية الحرب في غزة.

وقال دانون خلال مؤتمر صحفي عقد الخميس 17 سبتمبر إن ممداني هو الذي ينبغي اعتقاله، متهما إياه بالتحريض وبالتعاون مع ما وصفه بأعداء الولايات المتحدة، في إشارة خصوصا إلى إيران. كما انتقد السفير الإسرائيلي محاولة مسؤولين في إدارة ممداني ترتيب لقاء مع السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة في يوليو الماضي، معتبرا ذلك دليلا على ما وصفه بالتعاون مع خصوم واشنطن. وتبقى هذه الاتهامات مواقف سياسية صادرة عن مسؤول إسرائيلي وليست أحكاما قضائية مثبتة بحق ممداني.

وتأتي تصريحات دانون في سياق خلاف بدأ منذ أشهر عندما أعلن ممداني أنه يسعى إلى معرفة ما إذا كانت سلطات نيويورك تستطيع تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو في حال وصوله إلى المدينة. وكان ممداني قد وصف نتنياهو بأنه مجرم حرب وقال إن مكانه ينبغي أن يكون في لاهاي قبل أن تقر إدارته لاحقا بأن سلطات مدينة نيويورك لا تملك الصلاحية القانونية المستقلة لتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية. وأكدت تحليلات قانونية نقلتها رويترز أن عمدة نيويورك لا يملك هذه السلطة في ظل القانون الأميركي ووضع نتنياهو كرئيس حكومة أجنبية.

وتعود خلفية القضية إلى 21 نوفمبر 2024 قبل زيارة نتنياهو إلى نيويورك سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة يطالب باعتقال ممداني عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب على غزة. وتؤكد وثائق المحكمة أن المذكرات تتعلق بأفعال يُزعم أنها ارتُكبت اعتبارا من 8 أكتوبر 2023 وحتى 20 ماي 2024. وترفض إسرائيل اختصاص المحكمة والاتهامات الموجهة إلى قيادتها. ومن المهم قانونيا التأكيد على أن مذكرة التوقيف ليست حكما نهائيا بالإدانة وإنما إجراء قضائي صادر عن المحكمة في إطار التحقيقات والإجراءات التي تتولاها.

وتبرز هنا إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الدولي الحالي وهي العلاقة بين القوة السياسية والقانون الدولي. فالمسألة لا تتعلق فقط بالخلاف بين عمدة مدينة وسفير دولة وإنما تتصل بالسؤال الأوسع حول قدرة المؤسسات القضائية الدولية على مساءلة المسؤولين السياسيين والعسكريين عندما يتعلق الأمر بادعاءات ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.

ومن هذا المنظور فإن المطالبة باعتقال ممداني بسبب دعوته إلى مساءلة نتنياهو تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مفهوم العدالة نفسه. فكيف يمكن لمسؤولين سياسيين أن يطالبوا بمحاسبة خصومهم وأن يقدموا أنفسهم بوصفهم مدافعين عن القانون والأمن بينما يرفضون في الوقت نفسه آليات قضائية دولية وجهت اتهامات إلى مسؤولين في حكومتهم؟ هذا التناقض هو الذي يجعل قضية ممداني تتجاوز حدود السجال السياسي المحلي لتصبح جزءا من النقاش العالمي حول ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.

ويظهر هذا التناقض بصورة أكثر حدة عندما توضع المطالبة باعتقال ممداني في مواجهة واقع الحرب في غزة. فمنذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، تعرضت العمليات العسكرية الإسرائيلية لانتقادات دولية واسعة بسبب حجم الخسائر البشرية والدمار والوضع الإنساني في القطاع، بينما تواجه القيادة الإسرائيلية اتهامات أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أن عملياتها العسكرية تستهدف حركة حماس وأنها تتحرك دفاعا عن أمنها، وترفض الاتهامات الموجهة إليها.

وهنا تبرز مفارقة سياسية وقانونية يصعب تجاهلها: في الوقت الذي تتواصل فيه الحرب التي أدت إلى مقتل وإصابة أعداد كبيرة من الفلسطينيين وتدمير واسع في قطاع غزة، يصبح الشخص الذي يطالب بمساءلة المسؤولين عن هذه السياسات هو نفسه موضوعا لمطالبة بالاعتقال من جانب مسؤول إسرائيلي. وهذا لا يعني أن ممداني فوق القانون أو أن تصريحاته تمنحه أي سلطة قضائية، لكنه يطرح سؤالا جوهريا حول سبب تحول المطالبة بالمحاسبة إلى اتهام يستوجب الاعتقال بينما لا يُنظر بالجدية نفسها إلى الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين عن العمليات العسكرية.

وتزداد المفارقة وضوحا عندما يتعلق الأمر بمؤسسات العدالة الدولية. فالمحكمة الجنائية الدولية لم تصدر مذكرة التوقيف ضد نتنياهو بناء على تصريح سياسي من ممداني أو من أي مسؤول أميركي، وإنما بعد مسار قضائي خاص بها. وقد أعلنت المحكمة أن مذكرتي نتنياهو وغالانت تتعلقان بادعاءات تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولذلك فإن اختزال القضية في موقف ممداني السياسي يتجاهل وجود مسار قضائي دولي مستقل بدأ قبل الجدل الحالي في نيويورك.

ومن هنا يمكن فهم الانتقادات التي ترى في الموقف الإسرائيلي نموذجا لما يوصف بازدواجية المعايير. فحين يتعلق الأمر بخصوم إسرائيل يتم التشديد على ضرورة احترام القانون والمساءلة والأمن القومي، بينما تصبح المؤسسات القضائية الدولية موضع تشكيك عندما تصل إجراءاتها إلى مسؤولين إسرائيليين. ولا يعني ذلك أن كل انتقاد لإسرائيل أو لكل موقف أميركي منها يمثل دليلا على ازدواجية المعايير، لكن التناقض بين قبول مبدأ المساءلة عندما يخدم مصالح سياسية ورفضه عندما يطال حلفاء أو مسؤولين إسرائيليين يمثل موضوعا مشروعا للنقاش الدولي.

كما أن هذه المسألة تكشف عن اختلال أوسع في بنية النظام الدولي، حيث لا يتمتع جميع الفاعلين بالقدرة نفسها على التعامل مع المؤسسات القانونية الدولية. فالدول الكبرى وحلفاؤها تمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية تسمح لها بمقاومة بعض الإجراءات الدولية أو الحد من آثارها، بينما تجد دول وكيانات أخرى نفسها أكثر تعرضا للضغوط والعقوبات والإجراءات القضائية الدولية.

وتتخذ القضية بعدا أكثر حساسية في ظل استمرار الحرب في غزة، لأن النقاش لا يدور حول خلاف سياسي مجرد وإنما حول مبدأ المساءلة عن أفعال ارتُكبت خلال نزاع أدى إلى أزمة إنسانية عميقة. ولذلك فإن السؤال المطروح ليس فقط ما إذا كان ممداني يملك صلاحية اعتقال نتنياهو، بل أيضا ما إذا كان النظام الدولي يمتلك القدرة على ضمان أن تكون قواعده قابلة للتطبيق عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى وحلفائها.

وفي هذا السياق ينبغي التمييز بوضوح بين الحكومة الإسرائيلية وسياساتها وبين اليهود كجماعة دينية أو إثنية. فانتقاد حكومة نتنياهو أو مساءلة مسؤولين إسرائيليين بسبب سياساتهم العسكرية لا يعني معاداة اليهود، كما أن رفض السياسات الإسرائيلية لا ينبغي أن يتحول إلى استهداف جماعي لليهود. وفي المقابل، فإن وصف كل انتقاد للحكومة الإسرائيلية بأنه معاداة للسامية يمكن أن يضيّق المجال أمام نقاش سياسي وقانوني مشروع حول الحرب والقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.

وتتخذ المواجهة الحالية بعدا أكثر حساسية لأن نتنياهو يستعد لزيارة مقر الأمم المتحدة في نيويورك في وقت تتزايد فيه الاحتجاجات والانتقادات المرتبطة بالحرب على غزة. ومن المتوقع أن يلقي نتنياهو خطابه أمام الجمعية العامة في 24 سبتمبر خلال زيارة قصيرة تستمر نحو 24 ساعة، وفقا لما أعلنه السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة.

وكانت تصريحات ممداني قد وضعت الزيارة المرتقبة في قلب نقاش سياسي وقانوني داخل نيويورك قبل أن تؤكد إدارته أنها لا تمتلك السلطة القانونية المستقلة لتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية. وفي المقابل، دعا ممداني الحكومة الفدرالية الأميركية إلى التعامل مع القضية. وقد أكد في الأيام الأخيرة أنه لن يشارك في الاحتجاجات المرتقبة ضد نتنياهو، موضحا أن مسؤوليته كعمدة تتمثل في ضمان أمن سكان المدينة واستمرار عملها خلال انعقاد الجمعية العامة، مع تأكيده أنه لا يزال متمسكا بمواقفه السياسية السابقة.

ويكشف هذا الموقف عن تعقيد العلاقة بين القانون الدولي والقانون الأميركي. فالولايات المتحدة ليست طرفا في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، كما أن واشنطن لا تعترف باختصاص المحكمة في هذه القضية. وبالتالي فإن وجود مذكرة توقيف دولية لا يعني تلقائيا إمكانية تنفيذها داخل الأراضي الأميركية، وهو ما يفسر العقبات القانونية التي واجهها ممداني.

لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل يتمثل في التفاوت بين الخطاب السياسي حول احترام القانون الدولي وبين التعامل العملي مع المسؤولين الذين توجه إليهم اتهامات خطيرة. فالمطالبة باعتقال ممداني بسبب دعوته إلى مساءلة نتنياهو لا تجيب عن جوهر القضية التي دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرة التوقيف. بل إن تحويل النقاش من الاتهامات المتعلقة بسلوك الحرب إلى اتهام منتقدي الحكومة الإسرائيلية بالتحريض أو التعاون مع أعداء الولايات المتحدة قد يؤدي إلى إبعاد النقاش عن أصل المسألة وهي مسؤولية القادة عن أفعال القوات التي تقع تحت سلطتهم.

وتتجاوز هذه المفارقة حدود العلاقة بين ممداني ونتنياهو. فهي تطرح سؤالا أوسع حول من يملك حق تعريف مفهوم الإرهاب والتهديد والأمن ومن يملك حق المطالبة بالعدالة. ففي الوقت الذي يتم فيه تقديم الفلسطينيين في كثير من الخطابات السياسية باعتبارهم مصدر تهديد أمني، تواجه إسرائيل نفسها اتهامات دولية تتعلق بسلوك عملياتها العسكرية وبالوضع الإنساني في غزة. وبينما ترفض إسرائيل هذه الاتهامات وتؤكد حقها في الدفاع عن نفسها، يبقى وجود الإجراءات القضائية الدولية حقيقة قائمة لا يمكن اختزالها في موقف سياسي صادر عن عمدة نيويورك.

كما أن تصريحات دانون تعكس انتقال الخلاف من مستوى النقاش حول الحرب في غزة إلى مواجهة مباشرة حول طبيعة الخطاب السياسي المقبول داخل الولايات المتحدة. فالسفير الإسرائيلي اتهم ممداني بالتحريض وبالتعاون مع أعداء الولايات المتحدة، بينما يرى ممداني أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية والمطالبة بمساءلة مسؤوليها يدخلان ضمن النقاش السياسي والقانوني حول الحرب. وتبقى هذه الاتهامات مواقف سياسية صادرة عن أطراف النزاع وليست أحكاما قضائية مستقلة.

وفي الوقت نفسه، تستعد نيويورك لأيام من الاحتجاجات والإجراءات الأمنية المشددة بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأعلنت شرطة نيويورك أنها تتوقع مظاهرات يومية خلال أسبوع الجمعية العامة، مع نشر أعداد كبيرة من عناصر الشرطة حول مقر الأمم المتحدة والمناطق المحيطة به.

وتكشف هذه التطورات أن زيارة نتنياهو المقبلة إلى الأمم المتحدة لن تكون مجرد مشاركة دبلوماسية عادية في أعمال الجمعية العامة، بل ستجري في ظل انقسام سياسي وقانوني وإعلامي عميق حول الحرب في غزة. فوجود رئيس الحكومة الإسرائيلية في مقر الأمم المتحدة يتزامن مع استمرار الجدل حول مذكرة المحكمة الجنائية الدولية وتصاعد الاحتجاجات وتزايد النقاش حول مسؤولية القادة السياسيين عن أفعال القوات التي تقع تحت سلطتهم.

ومن زاوية أوسع، تعيد هذه القضية طرح سؤال أساسي حول مستقبل العدالة الدولية: هل يمكن بناء نظام قانوني دولي فعال إذا كانت قواعد المساءلة تختلف في التطبيق بحسب موقع الدولة وحجم نفوذها وتحالفاتها؟ إن قضية نتنياهو وممداني تكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بمن يملك سلطة الاعتقال، وإنما بمن يملك القدرة السياسية على تحديد من يخضع للمساءلة ومن يستطيع الإفلات من تبعاتها.

وفي هذا الإطار، يصبح التناقض بين المطالبة باعتقال ممداني ورفض مبدأ المساءلة الدولية في حالة نتنياهو رمزا لصراع أوسع بين منطق القوة ومنطق القانون. فبينما يسعى الفلسطينيون إلى تثبيت قضيتهم داخل المؤسسات الدولية ومطالبة المسؤولين عن الانتهاكات المحتملة بالمحاسبة، تواجه هذه المساعي بعقبات سياسية ودبلوماسية وقانونية كبيرة، في حين تستمر الحرب وتبقى تكلفة النزاع البشرية والسياسية حاضرة.

وبذلك تتجاوز قضية ممداني ونتنياهو حدود الصراع السياسي المحلي في نيويورك لتصبح جزءا من مواجهة أوسع حول الحرب في غزة والقانون الدولي وحدود الحصانة السياسية ودور المحكمة الجنائية الدولية ومدى قدرة النظام الدولي على تطبيق قواعده بصورة متسقة. وفي النهاية فإن السؤال الذي تفرضه هذه القضية لا يتعلق فقط بمن يجب اعتقاله، وإنما بما إذا كانت العدالة الدولية قادرة على مساءلة الأقوياء كما تحاسب الأضعف، وبما إذا كان القانون سيظل مبدأ عاما أم سيبقى رهينا بموازين القوة والتحالفات الدولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق