ليبيا من الاستقلال إلى تعثر بناء الدولة: قراءة في المسار التاريخي وأسباب الأزمة الراهنة

اعداد إدريس أحميد | صحفي وباحث سياسي : 19-10-2026
ينطلق هذا المقال من سؤال يتجاوز مجرد سرد تاريخ ليبيا السياسي: ماذا حققت المراحل التاريخية التي مرت بها البلاد؟ وماذا ورثت كل مرحلة عن سابقتها؟ ولماذا، رغم ما امتلكته ليبيا من موارد وإمكانات، تعثر بناء الدولة ووصلت البلاد إلى أزمتها الراهنة؟
نعتقد أن الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب قراءة متأنية لمسار الدولة الليبية منذ الاستقلال، مرورًا بالعهد الملكي، ثم تغيير عام 1969 وإعلان الجمهورية، وصولًا إلى أحداث عام 2011 وما ترتب عليها من تحولات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية.
فالأزمة الليبية لا يمكن فهمها بمعزل عن تاريخ الدولة والمجتمع، وعن طبيعة التحولات التي شهدتها البلاد، وما حققته كل مرحلة من إنجازات، وما تركته من تحديات انعكست على المراحل اللاحقة.
أولًا: مرحلة الاستقلال وبناء الدولة
حصلت ليبيا على استقلالها عام 1951، في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، حيث كانت البلاد تعاني الفقر وضعف الإمكانيات، إلى جانب التباعد الجغرافي والتعقيدات الاجتماعية بين مناطقها المختلفة.
وعلى الرغم من هذه الظروف، استطاعت الدولة الليبية تحقيق الاستقلال، ووضع دستور، والعمل على توحيد البلاد وبناء مؤسساتها. كما مثّل اكتشاف النفط تحولًا مهمًا في تاريخ الاقتصاد الليبي، إذ فتح آفاقًا جديدة أمام التنمية، وأسهمت عائداته في توسيع الخدمات وتطوير التعليم والجامعات والبنية الأساسية.
لقد واجهت مرحلة المملكة تحديات كبيرة، لكنها تمكنت من وضع أسس الدولة المستقلة، رغم محدودية الإمكانيات في بداياتها. وفي المقابل، بقيت تحديات تتعلق بتطوير المؤسسات وتعزيز المشاركة السياسية وبناء مجتمع قادر على مواكبة التحولات.
ومع مرور الوقت، ظهرت الحاجة إلى تغيير سياسي يستجيب للتحولات التي شهدتها البلاد، وهو ما مهّد لانتقال ليبيا إلى مرحلة جديدة عام 1969، حملت معها رؤى مختلفة لإدارة الدولة والمجتمع.
ثانيًا: مرحلة سبتمبر والتحولات السياسية والاجتماعية
في عام 1969، شهدت ليبيا تغييرًا سياسيًا انتقلت بموجبه من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري. وقد ورثت المرحلة الجديدة دولة مستقلة، وموارد نفطية، وتجربة في التخطيط للتنمية، ومؤسسات بدأت تتشكل منذ الاستقلال.
ولكن المسار تغيير منذ بداية السبعينات، عندما أعلنت الثورة الشعبية الثقافة وتعديل القوانين في 15 أبريل1973 ، وما تلها من انعكاسات اجتماعية وسياسية واقتصادية ، بدل استمرار البلاد في تميزها عن دولة المنطقة ، ولعل ذلك يمثل أخطر مرحلة تسببت في تراكمات، اوصلت ليبيا الى ماحدث في 2011. ، وماتلها طيلة 15 عاما ، وهذا معطي مهم. يرد على التساؤلات حول اسباب الازمة ويحتاج ان يقتنع به الجميع بكل موضوعية ، من اجل التفكير في تجاوز تلك التركه من اجل الانطلاق من جديد ..
وشهدت العقود التالية تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة، مستفيدة من الثروة النفطية. كما توسعت الخدمات في مجالات التعليم والصحة والبنية الأساسية، وتحسنت مستويات المعيشة، واستمر الاستقرار العام في البلاد حتى بداية السبعينيات.
لكن هذه التحولات، على أهميتها، لم تقابلها بالقدر المطلوب عملية بناء مؤسسات سياسية واجتماعية قادرة على ضمان استمرارية الدولة واستيعاب التغيرات، بعيدًا عن ارتباط مؤسساتها بطبيعة النظام السياسي القائم.
وهنا تبرز إحدى المسائل المهمة في قراءة التاريخ الليبي: فامتلاك الموارد وتحقيق التحولات الاقتصادية والاجتماعية لا يكفيان وحدهما لضمان استقرار الدولة، ما لم يصاحبهما بناء مؤسسات راسخة وقادرة على الاستمرار.
وقد ظهرت أهمية هذه المسألة بوضوح بعد أحداث عام 2011، عندما دخلت ليبيا مرحلة جديدة واجهت خلالها صعوبات كبيرة في إدارة التحول السياسي وإعادة بناء المؤسسات.
ثالثًا: ما بعد 2011 وتعثر بناء الدولة
مثّل عام 2011 مرحلة مفصلية في تاريخ ليبيا، إذ دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحولات السياسية والأمنية، رافقتها تحديات كبيرة في إعادة بناء المؤسسات وإدارة الاختلافات السياسية والاجتماعية.
وفي السابع من يوليو 2012، أُجريت انتخابات المؤتمر الوطني العام، في خطوة كان يُفترض أن تمهد لبناء مؤسسات سياسية مستقرة، والانتقال إلى مرحلة جديدة من إدارة الدولة.
لكن المسار اللاحق لم يحقق الأهداف المرجوة؛ إذ دخلت البلاد في انقسامات سياسية وأمنية، وتعددت مراكز القوة، وانتشر السلاح، وتراجعت قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بصورة موحدة.
كما تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتزايدت معاناة المواطنين نتيجة تعثر الخدمات واستمرار الخلافات السياسية، وعدم التوصل إلى تسوية تنهي الانقسام وتؤسس لمرحلة مستقرة.
وهكذا انتقلت ليبيا من مرحلة امتلكت فيها موارد وإمكانات كبيرة، رغم ما شاب تجربتها من قصور مؤسسي، إلى مرحلة أصبح فيها الانقسام السياسي والأمني أحد أبرز العوائق أمام بناء الدولة. وفي هذا السياق، برزت مسارات مختلفة لمواجهة التحديات الأمنية واستعادة الاستقرار، من بينها مشروع الكرامة.
رابعًا: مشروع الكرامة في مواجهة الإرهاب والفوضى الأمنية
نعتقد أن مشروع الكرامة يمثل الإنجاز الوحيد خلال السنوات الخمس عشرة التالية لعام 2011، إذا كان معيار التقييم هو تحقيق تحول ملموس في مواجهة الإرهاب وبسط الأمن والاستقرار، والانتقال إلى مسار التنمية والإعمار، مقارنة باستمرار الانقسام السياسي والأمني وتعثر بناء الدولة في مناطق أخرى من البلاد.
ويستند هذا التقييم إلى تجربة المشروع في مواجهة الجماعات الإرهابية في شرق ليبيا، حيث استمرت الحرب نحو أربع سنوات، وقدمت خلالها تضحيات كبيرة، وانتهت بتحقيق الانتصار على الجماعات الإرهابية في المنطقة.
ولم يقتصر الأمر على الجانب العسكري، بل امتد إلى بسط الأمن والاستقرار وبدء مشروعات التنمية والإعمار، وهو ما نراه أساسًا يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
ولا يعني هذا التقييم تجاهل التحديات أو اعتبار أن جميع مشكلات الدولة قد حُلّت، بل إن المقصود هو إبراز ما تحقق في هذه المجالات، في وقت ظلت فيه ليبيا تعاني الانقسام السياسي والأمني والأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن أهمية هذه التجربة، في تقديرنا، لا تقتصر على ما تحقق في الجانب الأمني، وإنما تشمل إمكانية الاستفادة منها في دعم بناء المؤسسات، وتوسيع مسار التنمية، والمساهمة في إيجاد مخرج سياسي للأزمة الليبية.
خامسًا: نحو إنهاء الأزمة وبناء الدولة
إن الخروج من الأزمة الليبية يتطلب الانتقال من إدارة الخلافات إلى البحث عن حلول عملية، ومن الانقسام إلى توحيد المؤسسات، ومن الصراع على السلطة إلى بناء دولة قادرة على أداء وظائفها.
ونعتقد أن الانتخابات تمثل إحدى الوسائل المهمة لتجديد الشرعية السياسية والوصول إلى مؤسسات موحدة، شريطة توافر الظروف اللازمة لإجرائها، والاتفاق على القواعد التي تضمن قبول نتائجها.
كما أن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وإطلاق مشروعات التنمية والإعمار، تمثل عناصر أساسية في أي مسار جاد لبناء الدولة.
وفي هذا السياق، نرى أن مشروع الكرامة يمثل أحد الخيارات الواقعية القادرة، في تقديرنا، على الاضطلاع بدور أساسي في إدارة البلاد، استنادًا إلى تجربته في محاربة الإرهاب وبسط الأمن والاستقرار وبدء مسار التنمية والإعمار.
ونعتقد أن توظيف هذه التجربة في دعم المسار السياسي، والتهيئة لإجراء الانتخابات، والعمل على الوصول إلى حل ليبي ـ ليبي، يمكن أن يفتح أفقًا عمليًا لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، بعيدًا عن التدخلات الخارجية والإملاءات التي لا تعبر عن الإرادة الوطنية.
إن التحدي الأساسي أمام ليبيا يتمثل في تحويل ما تمتلكه من موارد وإمكانات إلى مشروع وطني لبناء الدولة، يقوم على مؤسسات موحدة، وإدارة قادرة على تحقيق التنمية، وإرادة سياسية تضع مصلحة البلاد فوق المصالح الضيقة.
الخلاصة
إن تعثر بناء الدولة الليبية لا يرتبط بمرحلة تاريخية واحدة، بل بتراكمات وتجارب لم تنجح في معالجة جميع التحديات المؤسسية والسياسية والاجتماعية. ولذلك، فإن تجاوز الأزمة يتطلب الاستفادة من التاريخ، وتقييم التجارب بموضوعية، والانتقال إلى حلول عملية تنهي الانقسام وتعيد توحيد المؤسسات.
وفي هذا الإطار، نعتقد أن الاستفادة من تجربة مشروع الكرامة، وربط ما تحقق في المجال الأمني والتنموي بمسار سياسي جاد، يمكن أن يسهم في التهيئة للانتخابات والوصول إلى حل ليبي ـ ليبي، يمهد لبناء دولة موحدة ومستقرة.



