الجلسة العلمية الأولى: التأسيس الفلسفي والإبستمولوجي للتعلّم الحضاري

انشطة المركز 03\11 \2026
رئاسة الجلسة: الدكتورة خولة الكالحشي
خصصت الجلسة العلمية الأولى لمناقشة الأسس الفلسفية والإبستمولوجية للتعلّم الحضاري، من خلال تناول تطور المفاهيم المرتبطة بالعلاقات بين الحضارات، ونقد أشكال التمركز الذاتي والهيمنة الثقافية، إلى جانب البحث في القيم الإنسانية المشتركة باعتبارها مرجعية لإعادة بناء العلاقات الدولية. وقد عالجت المداخلات هذه القضايا من زوايا فكرية وفلسفية مختلفة، في سياق البحث عن أسس جديدة للحوار والتفاعل الحضاري.
1. مداخلة الدكتور عز الدين الجبالي
«من التعايش والتجاور إلى التعلّم الحضاري: تحوّل المفهوم في السياق المعاصر».
تناولت مداخلة الدكتور عز الدين الجبالي التحول الذي شهده مفهوم العلاقات بين الحضارات، من التصورات التقليدية القائمة على التعايش والتجاور إلى مفهوم التعلّم الحضاري الذي يتجاوز مجرد الاعتراف بوجود الآخر نحو التفاعل معه والاستفادة من تجاربه ومعارفه.
وفي هذا السياق، يبرز التعلّم الحضاري باعتباره مقاربة تقوم على الانفتاح المتبادل وتبادل الخبرات والتجارب الإنسانية، بما يسمح بتجاوز العلاقات السطحية بين الثقافات والانتقال إلى مستوى أعمق من التواصل الفكري والمعرفي. كما يطرح هذا التحول ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الحضارات، بحيث لا يُنظر إلى الاختلاف باعتباره عائقاً أمام التقارب، بل باعتباره فرصة للإثراء المتبادل وتوسيع آفاق المعرفة.
وتندرج هذه المقاربة ضمن التحولات التي يعرفها الفكر المعاصر، والتي تفرض البحث عن آليات جديدة لتنظيم العلاقات الحضارية، قائمة على الحوار والتفاعل والتعلّم المشترك، عوض الاكتفاء بمبدأ التعايش السلبي.
2. مداخلة الأستاذ منجي الرحوي
«نقد التمركز الذاتي والهيمنة الثقافية في الفكر المعاصر».
ركزت مداخلة الأستاذ منجي الرحوي على إشكالية التمركز الذاتي والهيمنة الثقافية، باعتبارهما من أبرز العوائق التي تحول دون تحقيق حوار حضاري متكافئ. وتتمثل هذه الإشكالية في النزعة التي تجعل ثقافة أو حضارة معينة مرجعاً وحيداً لتقييم بقية الثقافات، من خلال فرض تصوراتها وقيمها ومعاييرها باعتبارها نماذج عامة وكونية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية نقد التصورات التي تختزل التقدم الحضاري في نموذج ثقافي واحد، أو تنظر إلى الحضارات الأخرى من منظور التراتبية والتفوق، بما يؤدي إلى إقصاء الخصوصيات الثقافية والتقليل من قيمة التجارب الإنسانية المختلفة.
كما يطرح هذا المحور ضرورة تجاوز أشكال الهيمنة الرمزية والفكرية، وإرساء علاقة أكثر توازناً بين الحضارات، تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الخصوصيات الثقافية، بعيداً عن منطق الإخضاع أو فرض النموذج الواحد. ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في سياق دولي يتسم بتعدد مراكز التأثير الثقافي والفكري، وتنامي المطالب بالاعتراف بالتنوع الحضاري.
3. مداخلة الدكتور عز الدين الزياني
«المشترك القيمي والإنساني كمرجعية لإعادة بناء العلاقات الدولية».
تناولت مداخلة الدكتور عز الدين الزياني دور القيم الإنسانية المشتركة في تأسيس علاقات دولية أكثر توازناً وتعاوناً، انطلاقاً من فكرة أن تعدد الحضارات واختلاف مرجعياتها الثقافية لا ينفي وجود أرضية إنسانية مشتركة يمكن الاستناد إليها لتعزيز التفاهم والتقارب.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مجموعة من المبادئ والقيم، من بينها احترام الكرامة الإنسانية، والتضامن، والعدالة، والتسامح، والتعاون المتبادل، باعتبارها مرتكزات يمكن أن تسهم في تجاوز الخلافات الثقافية والسياسية وتعزيز فرص العمل المشترك بين الدول والشعوب.
كما يطرح هذا التوجه إمكانية توظيف المشترك الإنساني كإطار مرجعي لإعادة بناء العلاقات الدولية، بما يسمح بالانتقال من منطق التنافس والصراع إلى منطق الحوار والتعاون، مع المحافظة على خصوصية كل حضارة واستقلالية تجربتها التاريخية والثقافية.
وتبرز أهمية هذا الطرح في ظل التحديات الدولية الراهنة، التي تجعل من البحث عن مرجعيات إنسانية مشتركة ضرورة لتعزيز الاستقرار الدولي وترسيخ أسس التعايش السلمي بين مختلف المجتمعات.
أبرزت المداخلات الثلاث أهمية الانتقال من التصورات التقليدية للعلاقات الحضارية إلى مقاربة أكثر انفتاحاً تقوم على التعلّم المتبادل والاعتراف بالتنوع الثقافي والفكري. كما سلطت الضوء على ضرورة تجاوز التمركز الذاتي والهيمنة الثقافية، والبحث عن أرضية مشتركة من القيم الإنسانية القادرة على دعم الحوار وإعادة بناء العلاقات الدولية على أسس من الاحترام والتعاون والتفاهم المتبادل.



