كلمة الدكتورة سهير اللحياني حول مبادرة الحضارة العالمية والتبادل الحضاري التونسي والصيني

انشطة المركز 2026/11/06
سهير اللحياني أكاديمية وباحثة متخصصة في علوم الاعلام و الاتصال
الخطاب الإعلامي بين ترسيخ النمطية وبناء التفاهم بين الشعوب
1. التقديم والإشكالية
السيدات والسادة الحضور، الأساتذة الأفاضل، ضيوفنا الكرام من جمهورية الصين الشعبية،
يسعدني أن أشارك في هذا الملتقى الذي ينظّمه المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية بالتعاون مع مجلة «الصين اليوم». وأتقدّم بالشكر إلى رئيسة المركز الدكتورة بدرة قعلول على الدعوة الكريمة.
أبدأ بسؤال بسيط: كم تونسيًّا زار الصين؟ وكم صينيًّا زار تونس؟ الجواب، بالنسبة إلى الأغلبية الساحقة من شعبينا، أن صورة الآخر لم تُبنَ بالتجربة المباشرة. بُنيت بالوساطة، أي بما تنقله الشاشة والصحيفة والمنصّة الرقمية. ومن هنا تتحدّد إشكالية هذه المداخلة:
إلى أي حدّ يسهم الخطاب الإعلامي في إعادة إنتاج الصور النمطية بين الشعوب؟ وما الشروط المهنية والمؤسسية والتربوية التي تتيح له أن يتحوّل من أداة لترسيخ النمطية إلى فضاء لبناء التفاهم؟
وأنطلق من فرضية مفادها أن الإعلام ليس مرآة محايدة تعكس الآخر، بل هو فاعل يصنع صورته. وتتحدّد هذه الصورة بثلاثة عوامل: منطق الإنتاج الإعلامي، والبنية الجيوسياسية لتدفّق الأخبار، والكفاءة النقدية للجمهور.
2. الإطار النظري: كيف تُصنع الصورة النمطية؟
أستند إلى مقاربات تأسيسية في علوم الإعلام والاتصال.
أولًا: والتر ليبمان. في كتابه «الرأي العام» (1922) صاغ مفهوم «الصور التي في رؤوسنا». فالإنسان لا يتعامل مع الواقع مباشرة، بل مع تمثّل مبسّط له. والصورة النمطية اقتصاد معرفي: نختزل الواقع المعقّد في قوالب جاهزة. وحين يتكرّر هذا الاختزال إعلاميًّا يصبح «حقيقة» اجتماعية. وقد بيّن سرج موسكوفيسي في نظرية التمثّلات الاجتماعية (1961) كيف تتحوّل المعرفة المتداولة إلى واقع مشترك. وبيّن هنري تاجفل (1981) كيف يقوم التصنيف الاجتماعي على التمييز بين «نحن» و«هم».
ثانيًا: ستيوارت هول. يرى أن التمثيل ليس نقلًا للمعنى بل إنتاج له عبر اللغة والصورة. وتقوم آلية النمطية عنده على التبسيط والتثبيت والتمييز: تُختزل جماعة بشرية في سمات قليلة، وتُثبَّت، ثم يُرسم حدّ فاصل بين «نحن» و«هم». وفي السياق الفرنكوفوني، حلّل روث أموسّي وآن-ماري بيرو (1997) النمطية بوصفها ظاهرة خطابية تقوم على الكليشيهات المتداولة.
ثالثًا: إدوارد سعيد. في «الاستشراق» (1978) و«تغطية الإسلام» (1981) بيّن كيف صاغ خطاب معرفي وإعلامي صورة «الشرق» من خارجه وبما يخدم علاقات القوة. وأهمية هذا الدرس أنه لا يخصّ الغرب وحده، فكل خطاب يتحدّث عن الآخر دون أن يصغي إليه يحمل بذرة النمطية.
رابعًا: غالتونغ وروغ (1965) ونظرية القيم الإخبارية. الخبر الخارجي يُنتقى وفق معايير مثل السلبية والنخبوية والدراما والقرب الثقافي. لذلك تقلّ فرص ظهور الأحداث الإيجابية، كالتعاون العلمي والتبادل الجامعي والمشاريع الثقافية، مقارنة بالأزمات. فتتراكم لدى الجمهور صورة مشوّهة بحكم الانتقاء وحده، دون حاجة إلى كذب صريح.
خامسًا: روبرت إنتمان ونظرية التأطير (1993). الإعلام يختار جوانب من الواقع ويبرزها، فيُنتج تعريفًا للمشكلة وتفسيرًا لأسبابها وحكمًا أخلاقيًّا عليها. والحدث الواحد، كاستثمار أجنبي في بلد ما، قد يُؤطَّر بوصفه «شراكة تنموية» أو «تبعية» أو «تهديدًا». وقد طبّق إنتمان هذا المفهوم على السياسة الخارجية في «إسقاطات القوة» (2004).
ويضاف إلى ذلك ما كشفه تحليل الخطاب النقدي مع تون فان دايك (1993): النمطية تُبنى في اللغة نفسها، في اختيار المفردات، وفي من يُمنح حق الكلام ومن يُتحدَّث عنه، وفي ما يُقال وما يُسكت عنه
3. آليات ترسيخ النمطية في الإعلام المعاصر
يمكن، في تقديري، رصد خمس آليات رئيسية.
الآلية الأولى: الانتقاء والغياب. ما لا يُنشر لا يوجد في الوعي الجماعي. فالتغطية الموسمية، التي لا تظهر إلا عند الأزمات، تجعل صورة بلد ما رهينة الأحداث الاستثنائية.
الآلية الثانية: التأطير اللغوي والبصري. من المفردات المشحونة إلى الصور المتكرّرة نفسها، كالحشود والمصانع والأعلام، تتشكّل ذاكرة بصرية جاهزة تُغني عن التفكير.
الآلية الثالثة: الوساطة المزدوجة. وأطرح هنا فرضية عمل تحتاج إلى مزيد من الاختبار الميداني. كثير مما يعرفه المتلقي العربي عن الصين، وما يعرفه المتلقي الصيني عن العالم العربي، يمرّ عبر وكالات أنباء ومنصّات ومحتويات تنتجها أطراف ثالثة، وبالتالي عبر أطرها وأولوياتها. وهذا ما تناولته أدبيات تدفّق الأخبار الدولية، من بويد-بارت وراتانن (1998) إلى داية ثوسّو (2007) الذي تحدّث عن التدفقات المضادة في الإعلام العالمي. وقد حذّر هرمان وتشومسكي (1988) من أثر البنية الاقتصادية والمؤسسية للإعلام في تحديد ما يُعرض وكيف يُعرض. وحين تكون الوساطة ثالثة، تُفهم العلاقة الثنائية بعيون غيرها.
الآلية الرابعة: الخوارزميات وفقاعات الترشيح. كما بيّن إيلاي باريزر (2011)، تقدّم المنصات الرقمية لكل مستخدم ما يوافق ميوله السابقة، فتتحوّل الصورة النمطية من تصوّر موروث إلى تصوّر مُعزَّز آليًّا. وتزداد المسألة تعقيدًا اليوم مع المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي، الذي قد يعيد إنتاج التحيّزات الكامنة في بياناته على نطاق واسع.
الآلية الخامسة: التعبئة الدعائية المقابلة. وهنا أود أن أكون صريحًا علميًّا: النمطية لا تنتج دائمًا عن خطاب سلبي. فالخطاب الاحتفالي المبالغ فيه، الذي يقدّم الآخر في صورة مثالية بلا تعقيد ولا اختلاف، هو بدوره صورة نمطية، لكنها «إيجابية». والتفاهم الحقيقي لا يُبنى على المديح المتبادل، بل على معرفة دقيقة تتّسع للتعقيد والاختلاف.
4. من الحالة العامة إلى السياق التونسي الصيني
تربط تونس والصين علاقات دبلوماسية منذ عام 1964، وتشهد العلاقة بينهما اليوم تنوّعًا في المجالات الاقتصادية والتعليمية والثقافية. غير أن هذا الامتداد التاريخي لم يقابله، في تقديري، حضور إعلامي بالقدر نفسه من العمق.
فعلى المستوى التونسي، تغلب على التغطية الإعلامية للصين زاويتان: الزاوية الاقتصادية في صيغة «القوة الصاعدة» و«المصنع العالمي»، والزاوية الجيوسياسية في صيغة «المنافسة بين القوى الكبرى». أما الصين كحضارة ممتدة، بفلسفتها وتعليمها ولغتها وفنونها، فحضورها محدود. وقد وصف جوشوا كورلانتزيك (2007) صعود الجاذبية الصينية في العالم، لكن الجاذبية لا تتحقق إلا بقدر ما يوجد من معرفة متبادلة بالثقافة.
وعلى المستوى الصيني، يبقى العالم العربي في كثير من الأحيان حاضرًا من خلال قضايا النزاعات والطاقة، أكثر مما هو حاضر بثقافته وتنوّعه ومجتمعاته.
وهذا الغياب المتبادل للبعد الحضاري هو ما يجعل مبادرة «حوار الحضارات والتعلّم» مدخلًا ملائمًا لهذا النقاش. فقد دعا الرئيس شي جين بينغ في خطابه بمقر اليونسكو (2014) إلى التبادل والتعلّم المتبادل بين الحضارات، ثم طُرحت مبادرة الحضارة العالمية (2023). ومنطق التعلّم المتبادل يفترض معرفة مباشرة، والمعرفة المباشرة تتطلب إعلامًا قادرًا على نقل الثقافة لا الحدث فقط. وهذا ما سمّاه دومينيك فولتون «التعايش الثقافي»، أي الانتقال من مجرد الإخبار إلى الاتصال الحقيقي، فـ«الإخبار ليس اتصالًا» (2009).
وأنبّه إلى أن هذه الملاحظات تقوم على قراءة عامة للمشهد الإعلامي، ولا تغني عن بحوث تحليل مضمون منهجية تقيس حجم التغطية وأطرها في الصحافة والتلفزيون والمنصات في البلدين، وهو ما أدعو إلى إنجازه.
5. نحو خطاب إعلامي يبني التفاهم: مقترحات عملية
من التشخيص إلى الفعل، أقترح ستة مسارات.
1. الاتصال المباشر بين الإعلاميين. برامج تبادل وتدريب مشتركة بين الصحفيين التونسيين والصينيين، وتغطيات ميدانية في البلدين، بحيث يصبح المراسل شاهدًا لا ناقلًا عن غيره. وهذا يندرج ضمن ما سمّاه نيكولاس كال (2008) «الدبلوماسية العامة» القائمة على الإصغاء والتبادل لا على البثّ في اتجاه واحد، وما دعا إليه يان ميليسن (2005) في «الدبلوماسية العامة الجديدة».
2. الترجمة والتوثيق. الترجمة هي البنية التحتية الخفية للتفاهم. فالمطلوب دعم ترجمة الأعمال الفكرية والأدبية والإعلامية بين العربية والصينية مباشرة، دون المرور الإلزامي بلغة ثالثة.
3. التربية على الإعلام والمعلومة. وهي مدخل ينسجم مع محور الجلسة، أي التربية والثقافة. فإدماج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية، وفق الأطر التي وضعتها اليونسكو (ويلسون وآخرون، 2011)، يُكسب الناشئة القدرة على تفكيك الصور النمطية، والتحقق من المصادر، والتمييز بين الخبر والرأي والدعاية.
4. الإنتاج المشترك. أفلام وثائقية وبرامج وبودكاست ومحتوى رقمي من إنتاج مشترك، يُسمع فيه الناس العاديون، من طلبة وحرفيين وباحثين وفنانين، وليس المسؤولون وحدهم.
5. مواثيق مهنية وأخلاقية. اعتماد قواعد تحريرية في التعامل مع الصور النمطية، تقوم على تنويع المصادر، وتجنّب التعميم، وتحرّي الدقة في تسمية الشعوب والثقافات.
6. الدور الأكاديمي. إنشاء مراصد مشتركة لتحليل الخطاب الإعلامي بين تونس والصين، تتعاون فيها الجامعات ومراكز البحث والمراكز الفكرية، وتقدّم تقارير دورية تُغذّي القرار والممارسة المهنية.
6. الخاتمة والتوصيات
أختم بثلاث ملاحظات.
أولًا: الصورة النمطية ليست خطأً فرديًّا يمكن تصحيحه بخبر واحد، بل هي نتاج بنية إنتاجية وجيوسياسية وتقنية، ومعالجتها تتطلب إصلاحًا على مستوى الممارسة والتعليم والسياسات.
ثانيًا: التفاهم لا يعني غياب الاختلاف. فقد ذهب يورغن هابرماس في نظريته عن الفعل التواصلي إلى أن التفاهم يتحقق حين يتبادل المتحاورون الحجج في ظروف من الاحترام المتبادل، لا حين يتطابقون. وهو في جوهره ما تدعو إليه مبادرة التعلّم الحضاري: أن تتعرّف الحضارات إلى بعضها دون أن تذوب إحداها في الأخرى.
ثالثًا: الإعلام اليوم أمام خيار تاريخي. إمّا أن يكون ساحة لتكريس منطق الصدام، الذي روّج له صمويل هنتنغتون في مقاله الشهير (1993)، وإمّا أن يكون فضاءً لما سمّته الأمم المتحدة عام 2001 «حوارًا بين الحضارات».
وعليه أوصي بما يلي:
إنشاء مرصد تونسي صيني مشترك لتحليل الخطاب الإعلامي وصور الآخر.
تدريب الإعلاميين على الحساسية الثقافية وأخلاقيات تغطية الشعوب.
إدماج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية.
دعم الترجمة المباشرة بين العربية والصينية.
تشجيع الإنتاج الإعلامي المشترك الذي يمنح الكلمة للمجتمعات.
وشكرًا لكم على حسن الإصغاء.
المراجع المقترحة
نظرية الصورة النمطية والتمثّل
Allport, G. W. (1954). The Nature of Prejudice. Addison-Wesley.
Amossy, R. & Herschberg Pierrot, A. (1997). Stéréotypes et clichés. Nathan.
Hall, S. (ed.) (1997). Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. Sage.
Moscovici, S. (1961). La psychanalyse, son image et son public. PUF.
Tajfel, H. (1981). Human Groups and Social Categories. Cambridge University Press.
Lippmann, W. (1922). Public Opinion. Harcourt, Brace.
Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
Said, E. W. (1981). Covering Islam. Pantheon Books.
van Dijk, T. A. (1993). Elite Discourse and Racism. Sage.
الأخبار الدولية والتأطير والاتصال السياسي
Galtung, J. & Ruge, M. H. (1965). The structure of foreign news. Journal of Peace Research, 2(1), 64–91.
Entman, R. M. (1993). Framing: Toward clarification of a fractured paradigm. Journal of Communication, 43(4), 51–58.
Entman, R. M. (2004). Projections of Power: Framing News, Public Opinion, and U.S. Foreign Policy. University of Chicago Press.
Herman, E. S. & Chomsky, N. (1988). Manufacturing Consent. Pantheon Books.
Boyd-Barrett, O. & Rantanen, T. (eds.) (1998). The Globalization of News. Sage.
Thussu, D. K. (2007). Media on the Move: Global Flow and Contra-Flow. Routledge.
Castells, M. (2009). Communication Power. Oxford University Press.
Pariser, E. (2011). The Filter Bubble. Penguin.
الجيوبوليتيك والدبلوماسية العامة والقوة الناعمة
Huntington, S. P. (1993). The Clash of Civilizations? Foreign Affairs, 72(3), 22–49.
Nye, J. S. (2004). Soft Power: The Means to Success in World Politics. PublicAffairs.
Melissen, J. (ed.) (2005). The New Public Diplomacy. Palgrave Macmillan.
Cull, N. J. (2008). Public diplomacy: Taxonomies and histories. The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science, 616(1), 31–54.
Kurlantzick, J. (2007). Charm Offensive: How China’s Soft Power Is Transforming the World. Yale University Press.
علوم الإعلام والاتصال (المقاربة الفرنكوفونية والتواصلية)
Habermas, J. (1981). Theorie des kommunikativen Handelns. Suhrkamp.
Wolton, D. (1997). Penser la communication. Flammarion.
Wolton, D. (2009). Informer n’est pas communiquer. CNRS Éditions.
Mattelart, A. (1992). La communication-monde. La Découverte.
التربية الإعلامية والوثائق الدولية
Wilson, C., Grizzle, A., Tuazon, R., Akyempong, K. & Cheung, C.-K. (2011). Media and Information Literacy Curriculum for Teachers. UNESCO.
الأمم المتحدة، الجمعية العامة، القرار 56/6 (2001): «الأجندة العالمية للحوار بين الحضارات».
شي جين بينغ، خطاب في مقر اليونسكو، باريس، 27 مارس 2014. ومبادرة الحضارة العالمية، 2023.



