غير مصنف

مداخلة السيد عز الدين الزياني : “المشترك القيمي والإنساني كمرجع لإعادة بناء العلاقات الدولية”

 

سيداتي، سادتي، صباح الخير،

إن موضوع “المشترك القيمي والإنساني كمرجع لإعادة بناء العلاقات الدولية” هو موضوع الساعة في عالم متقلب من كل جانب. ولن أفاجئ أحداً إذا قلت إن العالم كما بُني عام 1945 غداة الحرب العالمية الثانية لم يعد موجوداً إلا على الورق. اليوم نشهد، واقفين أحياناً عاجزين، تنافساً شرساً بين القوى الكبرى. إن التعددية القطبية، بمنظمة الامم المتحدة والتي عهدناها قوية وفاعلة، آخذة في التدهور لصالح هيمنة استعلائية نرجسية تقودها، على حساب الشعوب النامية المعدمة، قوة كبرى لم يعد أحد يرغب في ذكر اسمها.

إن مقترح الرئيس الصيني شي جين بينغ الداعي إلى العودة للقيم الإنسانية لإدارة عالمنا الذي يعج بكل الكوارث الطبيعية والمناخية والاجتماعية وما يتبعها من حروب ونهب وفقر وبؤس وانعدام أمن، هذا المقترح الحكيم يأتي في وقته المناسب، لأن ما يحدث على كوكب الأرض لم يعد مجرد عمل غير لائق، وغير مقبول بل هو فوضى مدبرة تقودها الأنانية.

اليوم نحن بعيدون كل البعد عن العبارة الخالدة للربان الأعظم ماو تسي تونغ الذي قال سنة 1949: “الشعب، الشعب وحده، هو القوة المحركة التي تصنع تاريخ العالم”.

إن الصين لم تتوقف أبداً عن حث دول عالمنا على حوكمة إنسانية. وأذكر هنا أنه خلال مؤتمر باندونغ الشهير لدول عدم الانحياز سنة 1955، كان رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي قد عبر عن دعم الصين لاستقلال تونس فيما تجاهلت بعض الدول الأخرى ذلك وفي 4 أفريل 1956، أي بعد أسبوعين فقط من إعلان استقلال تونس وجه السيد تشو إن لاي رسالة تهنئة إلى رئيس الوزراء التونسى انذاك الحبيب بورقيبة. وكانت الصين من أوائل الدول في العالم التي هنأت باستقلال بلد عربي وإفريقي هو تونس

وفي سنة 1958، وقعت الصين وتونس أول اتفاق تجاري بينهما رغم تباين وجهات النظر الأيديولوجية بينهما وفي جانفي 1964، استُقبل رئيس الوزراء السيد تشو إن لاي بحفاوة كبيرة من قبل الرئيس الحبيب بورقيبة. ومع ذلك، فإن الرئيس التونسي كان قد استقبل في 19 ديسمبر 1963، أي قبل أيام قليلة من وصول رئيس الوزراء الصيني، المبعوث الخاص الأمريكي روبرت كومر، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جون كينيدي. وهذا يثبت استقلالية القرار السياسي التونسي، إذ إنه في 10 جانفي 1964 أقامت تونس والصين علاقاتهما الدبلوماسية.

وعلى غرار الربان الأعظم ماو تسي تونغ، كان بورقيبة يقول أيضاً: “السلام ليس فقط غياب الحرب، بل هو حضور العدالة”. في رأيي المتواضع، هذه العبارة للرءيس الراحل الحبيب بورقيبة تلخص الوضع الحالي. إن النظام الدولي المنبثق عن سنة 1945 والمؤسس على ركيزتين، السيادة والمصلحة الاقتصادية، هو معطل اليوم. فالإبادة الجماعية في غزة، والحرب في أوكرانيا، والعدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في فيفري الماضي وهي دولة ذات سيادة، وليست لها حدود مشتركة مع المعتدين والأزمة المناخية، والانقسام بين الشمال والجنوب، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا نستطيع التعايش، لكننا لم نعد نعرف كيف نتعاون.

في سنة 2020، في ذروة جائحة كوفيد، أقلعت طائرة تونسية نحو إيطاليا وعلى متنها أطباء، في حين كانت المستشفيات التونسية تفتقر لكل شيء. وقالت تونس حينها بكل وضوح: “الإنسان لا يُساوَم عليه” وذلك بعد الارتفاع المهول لأعداد الوفيّات بين كبار السن الاطاليين نظرا لعدم وجود العدد الكافي من الأطباء في إيطاليا انذاك

في أيامنا هذه، عالمنا يمشي على ساقين لم تعودا قادرتين على حمله. الساق الأولى هي القوة العسكرية. حالياً يوجد 12 ألف رأس نووي. الميزانيات العسكرية لم تكن أبداً مرتفعة كما هي في هذه الأونة. ويُحصى اليوم 120 نزاعاً معلناً في العالم. وتدير الأمم المتحدة 11 نزاعاً دموياً، منها 5 في إفريقيا. ورغم هذا السباق المحموم نحو التسلح، فإننا لسنا أكثر أمناً مما كنا عليه في 1945. ففي الواقع، 1% من سكان العالم يملكون 50% من ثروات كوكبنا علما و أن توقعات الامم المتحدة تبرز ان عدد سكان العالم سيتجاوز 11 مليار نسمة بحلول عام 2100 منهم 4,4 مليار نسمة في القارة الأفريقية وحدها

إذن، ما هو المشترك القيمي والإنساني كمرجع لإعادة بناء العلاقات الدولية؟ إنه موجود بالفعل بيننا وله ثلاثة جوانب. جانب قانوني موجود في ميثاق الأمم المتحدة: “نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة”، والجانب الثاني ثقافي، فالمفكر التونسي الكبير ابن خلدون كان يتحدث كثيراً عن “الأمة”، أي عن العيش المشترك. وكان المناضل الكبير الجنوب افريقي نيلسون مانديلا يردد دائماً كلمة “أوبونتو”: “أنا موجود لأننا موجودون”. وأخيراً، جانب حيوي وهو المناخ. فالاحتباس الحراري لا يحتاج إلى تأشيرة لعبور الحدود.

وفي الختام، لا أحد اليوم قادر على حل الأزمات التي نواجهها بمفرده. إن مقترح الرئيس شي جين بينغ جدير بأن يؤخذ بجدية. إنه أفضل وأكثر المقترحات مسؤولية و عقلانية التي قدمها رئيس بحجم الرئيس الصيني ليتمكن عالمنا من استعادة هدوئه والوئام بين الشعوب لكي نتفرغ للتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية سيما وأن عالمنا يعج بالخيرات و لا يتطلب منا إلا اقتسامها بالعدل والمساواة وفق القيم الأخلاقية الانسانية التي اضمحل اليوم و للأسف البعض منها.!

أشكركم على حسن إصغائكم.

عز الدين الزياني
سفير سابق ورئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق