الاتفاقية الليبية–التركية.. المصالح الليبية

اعداد إدريس أحميد | صحفي وباحث سياسي : 22-10-2026
تأتي موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا في نوفمبر 2019، في مرحلة تشهد فيها منطقة شرق المتوسط تنافساً متزايداً على ترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة والممرات الاستراتيجية. وهو ما يطرح تساؤلات مهمة بشأن انعكاسات هذه الخطوة على المصالح الليبية، وإمكانية توظيفها في دعم الاستقرار وإنهاء الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد.
ونحن نعتقد أن تقييم الاتفاقية يجب ألا ينطلق من مواقف سياسية مسبقة أو من طبيعة العلاقات مع هذا الطرف أو ذاك، بل من مدى خدمتها للمصلحة الوطنية الليبية، وحفاظها على السيادة والحقوق البحرية، وقدرتها على فتح آفاق للتعاون والاستثمار.
المصالح الليبية أولاً
إن الاتفاقيات الدولية لا تُقاس بمجرد توقيعها أو التصديق عليها، وإنما بما تحققه من مكاسب فعلية للدولة وشعبها. ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاقية الليبية–التركية تستحق قراءة موضوعية تأخذ في الاعتبار حقوق ليبيا البحرية، وموقعها الجغرافي، وما تمتلكه من إمكانات في مجال الطاقة والاستثمار.
وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع الملفات البحرية المعقدة يتطلب الاستناد إلى القانون الدولي، والحوار مع الدول المعنية، ومعالجة الخلافات بالوسائل الدبلوماسية، بما يحفظ حقوق ليبيا ويجنبها الدخول في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها.
إن المصادقة على الاتفاقية تمثل خطوة سياسية وقانونية مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات المرتبطة بها، ولا تعفي المؤسسات الليبية من مسؤولية متابعة تفاصيلها وتوضيح انعكاساتها الاقتصادية والسياسية، وضمان أن تكون نتائجها في مصلحة الدولة الليبية.
هل تفتح الاتفاقية نافذة لإنهاء الأزمة الليبية؟
من الجوانب التي تستحق الاهتمام أن تركيا تمتلك علاقات ونفوذاً لدى أطراف ليبية مختلفة، وقد تطورت علاقاتها خلال الفترة الأخيرة لتشمل أطرافاً في شرق البلاد، إلى جانب علاقاتها القائمة في غربها.
وهذا التطور يمكن أن يشكل فرصة لتوظيف العلاقات الإقليمية في تقريب وجهات النظر الليبية، بدلاً من أن تبقى ساحة البلاد مجالاً للتنافس بين القوى الخارجية. فوجود قنوات تواصل مع مختلف الأطراف قد يساعد على دعم الحوار، وتوحيد المؤسسات، والتهيئة لانتخابات تنهي حالة الانقسام السياسي.
لكننا نؤكد أن الاتفاقية البحرية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون حلاً منفرداً للأزمة الليبية؛ فالأزمة أعمق من خلاف حول اتفاقية أو علاقة بين دولتين، وهي ترتبط بغياب التوافق الوطني، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر المسار الانتخابي.
ومن هنا، فإن القيمة السياسية للاتفاقية تتعزز إذا جرى توظيفها في إطار أوسع يدعم استقرار ليبيا ووحدة مؤسساتها، ويساعد على الانتقال من التنافس الإقليمي إلى التعاون الذي يخدم الليبيين.
شرق المتوسط.. تهديدات الأمن والطاقة والأطماع التوسعية
يشهد شرق المتوسط والمنطقة المحيطة به تنافساً متزايداً حول الحدود البحرية وموارد الغاز والطاقة والممرات الاستراتيجية، في ظل صراعات إقليمية ودولية باتت تداعياتها تتجاوز حدود الدول التي تشهدها. ولم تعد التحديات مقتصرة على الخلافات السياسية، بل أصبحت تمس أمن الدول واستقرارها وحقها في حماية مواردها ومقدراتها.
وقد أثارت الاتفاقية الليبية–التركية اعتراضات من اليونان وقبرص، ما يجعل الحوار الدبلوماسي والاحتكام إلى القانون الدولي ضرورة لتفادي تصعيد الخلافات. وفي المقابل، لا ينبغي لليبيا أن تتعامل مع هذه التطورات باعتبارها طرفاً هامشياً في معادلة إقليمية أكبر منها؛ فموقعها الجغرافي وسواحلها الممتدة ومواردها الطبيعية تمنحها أهمية استراتيجية، وتفرض عليها امتلاك رؤية واضحة لحماية حقوقها البحرية والمشاركة في ترتيبات الطاقة والتعاون الاقتصادي في المنطقة.
ولا يمكن إغفال الأطماع الإسرائيلية التوسعية في المنطقة، التي باتت أكثر وضوحاً في ظل التحركات الرامية إلى توسيع النفوذ والسيطرة على الموارد والممرات الاستراتيجية، دون احترام القوانين والأعراف الدولية. وتبرز في هذا السياق الخلافات البحرية مع لبنان بشأن الحدود وحقوق التنقيب عن الغاز، وما شهدته المنطقة من نزاع حول استغلال الموارد البحرية
إن دول المنطقة باتت أمام تحديات متزايدة تمس أمنها وطاقتها وسيادتها، الأمر الذي يفرض عليها تعزيز التنسيق والتعاون، وتوحيد المواقف تجاه التهديدات المشتركة، بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام صراعات تؤدي إلى استنزاف الموارد وإضعاف الدول.
وفي هذا السياق، تكتسب الاتفاقية الليبية–التركية أهمية إضافية إذا أسهمت في حماية الحقوق البحرية الليبية، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، ومنع تهميش ليبيا في الترتيبات الإقليمية المتعلقة بالطاقة ومستقبل شرق المتوسط. غير أن تحقيق ذلك يظل مرتبطاً بمدى احترام القانون الدولي، وإدارة الخلافات بالحوار، وتغليب المصالح الوطنية على الحسابات الضيقة.
من التنافس الإقليمي إلى التعاون والاستثمار المشترك
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود خلافات بين دول المنطقة فحسب، بل في كيفية إدارتها وتحويلها إلى فرص للتعاون بدلاً من التصعيد.
وتستطيع ليبيا، إذا أحسنت إدارة علاقاتها الخارجية، أن تستفيد من موقعها الاستراتيجي في تطوير التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية والأمن البحري. كما أن التعاون مع تركيا يمكن أن يفتح آفاقاً اقتصادية مهمة، شريطة أن يقوم على المصالح المتبادلة، والشفافية، واحترام السيادة الليبية، وتحقيق نتائج ملموسة للمواطن.
وفي المقابل، فإن بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار والبحر المتوسط يظل ضرورة استراتيجية؛ لأن المصالح الليبية لا تتحقق بالعزلة أو بالانحياز غير المحسوب، بل بقدرة الدولة على التفاوض وحماية حقوقها، والاستفادة من علاقاتها الدولية دون التفريط في استقلال قرارها الوطني.
ليبيا المستقرة مصلحة للجميع
إن إنهاء الأزمة الليبية يمثل مصلحة وطنية قبل أن يكون مطلباً إقليمياً أو دولياً. فالدولة الموحدة القادرة على إدارة حدودها ومواردها ومؤسساتها ستكون أكثر قدرة على حماية حقوقها البحرية، وجذب الاستثمارات، ومواجهة التحديات الأمنية، والمشاركة الفاعلة في ترتيبات المنطقة.
ولهذا، فإن المطلوب هو ألا تتحول الاتفاقية البحرية إلى موضوع جديد للانقسام الداخلي، أو وسيلة لتبادل الاتهامات السياسية، بل أن تكون مناسبة لنقاش وطني مسؤول حول المصالح الاستراتيجية لليبيا، وكيفية توظيف علاقاتها الخارجية لخدمة الاستقرار والتنمية
كما أن نجاح أي تفاهم إقليمي يظل مرتبطاً بوجود دولة ليبية موحدة، ومؤسسات شرعية قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، ورؤية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة إلى المصلحة العامة.
نحن نرى أن الاتفاقية الليبية–التركية ينبغي أن تُقيّم من زاوية ما يمكن أن تحققه لليبيا من حماية لحقوقها البحرية، وفرص اقتصادية، ودعم للاستقرار السياسي، لا من خلال المواقف المسبقة المؤيدة أو الرافضة لها.
فالتعاون مع تركيا يمكن أن يمثل فرصة مهمة إذا جرى توظيفه في إطار المصالح الليبية واحترام القانون الدولي، وبما يعزز قدرة البلاد على حماية سيادتها ومواجهة التحديات الإقليمية. وفي ظل الصراعات الراهنة والأطماع التوسعية التي تهدد أمن دول المنطقة ومواردها، تصبح الحاجة إلى التنسيق والتعاون أكثر إلحاحاً.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي ليس على اتفاقية بعينها، بل على قدرة الليبيين على بناء دولة موحدة تمتلك قرارها، وتحسن إدارة علاقاتها الخارجية، وتحول موقعها الجغرافي ومواردها إلى فرص للتنمية والاستقرار



