الاجتماع التشاوري السادس في جنيف بشأن السودان: آليات التنسيق الدبلوماسي وتحديات تسوية النزاع في سياق التنافس الإقليمي والدولي

اعداد نور الهدى فجراوي :قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 22-10-2026
انعقد الاجتماع التشاوري السادس بشأن تعزيز التنسيق بين المبادرات والجهود الرامية إلى تحقيق السلام في السودان بمدينة جنيف يوم 21 أكتوبر 2026، برعاية مشتركة من الاتحاد السويسري ومكتب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان. وترأس الاجتماع كل من ألكسندر فاسيل، كاتب الدولة السويسري للشؤون الخارجية، وبيكا هافيستو، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان.
جاء هذا الاجتماع في سياق استمرار الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي. وقد ارتبط اندلاع المواجهة بالصراع على السلطة والخلافات المتعلقة بإدماج القوات شبه العسكرية في الجيش النظامي، قبل أن يتحول النزاع تدريجيًا إلى أزمة سياسية وعسكرية وإنسانية وإقليمية متعددة الأبعاد.
وتكمن أهمية اجتماع جنيف في الوظيفة التي يؤديها على مستوى التنسيق الدبلوماسي. فهو لا يمثل، في حد ذاته، مفاوضات مباشرة بين الطرفين المتحاربين، بل يهدف إلى تقريب مواقف الدول والمنظمات المشاركة في مبادرات الوساطة، والحد من التناقضات بين تحركاتها، وتهيئة الظروف الملائمة لخفض التصعيد وإطلاق مسار سياسي شامل.
ومن ثم، فإن تحليل هذا الاجتماع يقتضي تجاوز حدود العرض الإخباري للوقائع الدبلوماسية، من خلال دراسة خلفياته الاستراتيجية، وطبيعة الأطراف المشاركة فيه، ومصالحها الجيوسياسية، وحدود الوساطة الدولية، وانعكاسات الاجتماع المحتملة على مستقبل السودان ومحيطه الإقليمي.
أولًا: الخلفية السياسية والاستراتيجية للاجتماع
منذ أبريل 2023، يعيش السودان حالة من الصراع المسلح بين قوتين عسكريتين كانتا قد شاركتا سابقًا في الاستيلاء على السلطة خلال عام 2021. وقد أسهمت الخلافات المتعلقة بإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية، وإدماج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، والسيطرة على مؤسسات المرحلة الانتقالية، في انهيار التحالف بين القيادتين العسكريتين.
غير أن المواجهة لم تعد تقتصر على التنافس بين مركزين مسلحين على السلطة، بل تحولت إلى نزاع واسع النطاق أدى إلى تفكك السيطرة على أجزاء من الأراضي السودانية، وتدمير البنية التحتية، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، وتراجع النشاط الاقتصادي، وإضعاف مؤسسات الدولة.
وقد امتدت المواجهات إلى مناطق عديدة، من بينها الخرطوم ودارفور وكردفان، في حين ساهم النزوح وتعطل شبكات الإمداد واستهداف المرافق الأساسية في تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتراجع القدرة على توفير الخدمات الضرورية.
وعلى المستوى العسكري، أدى استخدام الطائرات المسيّرة وتطور أساليب القتال إلى تغيير بعض أنماط المواجهة، مع تزايد المخاطر التي تهدد المدنيين والمنشآت الحيوية. كما ساهم استمرار العمليات العسكرية في المناطق الزراعية والمناطق الهشة اقتصاديًا في تقويض مصادر رزق السكان وزيادة صعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
وبذلك، لم تعد الأزمة الإنسانية مجرد نتيجة ثانوية للحرب، بل أصبحت عنصرًا متداخلًا مع دينامياتها، بالنظر إلى تأثيرها في الاستقرار الاجتماعي، وحركة السكان، وقدرة المجتمعات المحلية على الصمود.
سبقت اجتماع جنيف خمسة اجتماعات تشاورية عُقدت في مدن مختلفة، هي القاهرة وجيبوتي ونواكشوط وبروكسل والقاهرة، خلال الفترة الممتدة من يونيو 2024 إلى يناير 2026. ويندرج الاجتماع السادس ضمن مسار يهدف إلى تعزيز الانسجام بين الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تسوية النزاع السوداني.
ويعكس تعدد المبادرات الدبلوماسية الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها السودان بالنسبة إلى عدد كبير من الدول والمنظمات. لكنه يكشف، في الوقت نفسه، عن صعوبة توحيد مواقف الوسطاء، لاختلاف أولوياتهم وعلاقاتهم بالأطراف المتحاربة وأدوات التأثير المتاحة لديهم.
ففي حين تركز بعض الأطراف على حماية المدنيين وتسهيل المساعدات الإنسانية، تعطي أطراف أخرى أهمية أكبر للاستقرار الإقليمي، وأمن الحدود، ومكافحة انتشار الجماعات المسلحة، واستعادة سلطة الدولة المركزية.
ولا تتعارض هذه الأولويات بالضرورة، إلا أن غياب التنسيق بينها قد يؤدي إلى تعدد مسارات الوساطة، وتضارب الرسائل الدبلوماسية، وصعوبة تحويل المبادرات السياسية إلى التزامات عملية.
ومن هذا المنطلق، يسعى اجتماع جنيف إلى تعزيز التكامل بين المبادرات القائمة، بدلًا من إلغائها أو استبدالها بمسار واحد. وتتمثل الغاية في جعل مختلف الجهود الدبلوماسية أكثر انسجامًا، بما يسمح بتوجيهها نحو أهداف مشتركة.
غير أن التنسيق الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لإنهاء الحرب؛ إذ يتطلب التوصل إلى تسوية مستدامة وجود إرادة سياسية لدى الأطراف المتحاربة، إلى جانب آليات فعالة لضمان تنفيذ الاتفاقات.
ثانيًا: الأطراف المشاركة ومصالحها الجيوسياسية
جمع اجتماع 21 أكتوبر 2026 ممثلين عن 22 دولة، إلى جانب منظمات إقليمية ودولية منخرطة في جهود السلام. وشملت قائمة المشاركين الولايات المتحدة والصين وروسيا ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجنوب السودان وتشاد وإثيوبيا وكينيا وقطر وتركيا، فضلًا عن عدد من الدول الأوروبية.
كما شاركت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، المعروفة باسم إيغاد، وجامعة الدول العربية.
وتمنح هذه التركيبة الاجتماع طابعًا متعدد الأطراف، بالنظر إلى اختلاف القدرات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية للمشاركين، وتباين مصالحهم في السودان والمنطقة المحيطة به.
ويمكن تصنيف أبرز الأطراف المشاركة وفقًا لطبيعة أدوارها على النحو الآتي:
أ. المجموعة الرباعية
تضم المجموعة الرباعية الولايات المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وتُعرف باسم «الرباعية» أو «كواد».
ويمثل هذا الإطار إحدى منصات التشاور بين الدول الأربع بشأن الجهود الدبلوماسية المتعلقة بالسودان. وتختلف أدوات التأثير المتاحة لأعضائه؛ فالولايات المتحدة تمتلك أدوات دبلوماسية واقتصادية واسعة، بينما ترتبط مصر بالسودان بعلاقات جغرافية وأمنية مباشرة، وتؤدي السعودية دورًا إقليميًا مهمًا، في حين ترتبط المصالح الإماراتية باعتبارات النفوذ الإقليمي والتجارة والأمن في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض تطابق مواقف هذه الدول أو مصالحها، إذ قد تختلف تصوراتها بشأن مستقبل السلطة السودانية وشروط التسوية السياسية.
ب. المجموعة الخماسية
تضم المجموعة الخماسية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وإيغاد وجامعة الدول العربية.
ويتيح هذا الإطار الجمع بين مؤسسات دولية وإقليمية تمتلك اختصاصات متكاملة في مجالات الوساطة والأمن الجماعي والدبلوماسية والتعاون الإقليمي والمساعدات الإنسانية.
وتكمن أهميته في إمكانية الربط بين الجهود الأممية والمبادرات الإفريقية والعربية، بما يساعد على توسيع قاعدة التنسيق وتجنب تكرار المبادرات.
غير أن فعالية هذا الإطار تبقى مرتبطة بمدى توافق أعضائه، ووضوح توزيع الأدوار بينهم، وقدرتهم على التأثير في سلوك الأطراف المتحاربة.
ج. الدول المجاورة والقوى الدولية الأخرى
تتأثر الدول المجاورة للسودان مباشرة بتداعيات الحرب، سواء من خلال تدفقات اللاجئين أو المخاطر الأمنية العابرة للحدود أو اضطراب المبادلات التجارية.
أما القوى الدولية الكبرى، فتملك موارد سياسية واقتصادية ودبلوماسية يمكن توظيفها لدعم جهود السلام، لكن التنافس بينها قد يعقّد بناء موقف دولي موحد.
تحتل الأمم المتحدة موقعًا مركزيًا في الجهود الرامية إلى تنسيق المبادرات الدولية. ويشمل دور المبعوث الشخصي للأمين العام دعم الاتصالات السياسية، وتقريب وجهات النظر، وتشجيع المسارات التي يمكن أن تفضي إلى تسوية تفاوضية.
وتوفر سويسرا إطارًا دبلوماسيًا لاستضافة المشاورات وتيسير الاتصالات، مستفيدة من خبرتها في الوساطة والمساعي الحميدة.
أما الاتحاد الإفريقي وإيغاد، فتنبع أهميتهما من ارتباط الأزمة السودانية بمحيطها الإفريقي، ولا سيما منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل والعلاقات بين دول الجوار.
ويمكن للاتحاد الأوروبي المساهمة عبر الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية، بينما توفر جامعة الدول العربية إطارًا إقليميًا للتشاور بين الدول العربية المعنية بمستقبل السودان.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الشرعية المؤسسية والقدرة على التنفيذ. فقد تتمكن منظمة دولية من تيسير الحوار أو تنسيق المساعدات، دون أن تمتلك الوسائل السياسية أو التنفيذية الكافية لضمان احترام وقف إطلاق النار.
لذلك، لا تتمثل المشكلة الأساسية في عدد المؤسسات المشاركة، بل في مدى وضوح مسؤولياتها: من يتولى الوساطة؟ ومن يتابع تنفيذ الالتزامات؟ ومن يضمن الوصول الإنساني؟ وما الآليات المعتمدة للتعامل مع خروقات الاتفاقات المحتملة؟
يحتل السودان موقعًا استراتيجيًا عند تقاطع القرن الإفريقي وحوض النيل والساحل والبحر الأحمر. وترتبط أهميته بأمن الحدود والتجارة الدولية وإمدادات الطاقة والأمن الغذائي وحركة السكان.
ومن شأن استمرار الحرب أن يؤثر في استقرار الدول المجاورة، ويزيد من الضغوط المرتبطة باستقبال اللاجئين وتأمين الحدود، فضلًا عن مخاطر انتشار الأسلحة والشبكات المسلحة العابرة للحدود.
كما يمنح حضور الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الإقليمية الاجتماع بُعدًا مرتبطًا بالتنافس على النفوذ. فهذه الدول لا تتبنى بالضرورة التصورات نفسها بشأن النظام السياسي السوداني أو طبيعة التسوية المطلوبة أو أولويات الاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، سيكون من الاختزال تفسير الحرب السودانية باعتبارها مجرد انعكاس للتنافس بين القوى الخارجية؛ إذ ترتبط أسبابها المباشرة أيضًا بالصراع الداخلي على السلطة، وعسكرة المؤسسات، وضعف البنية السياسية المدنية.
وعليه، يمكن فهم اجتماع جنيف باعتباره محاولة لمعالجة مشكلتين مترابطتين: تشتت الجهود الدبلوماسية الدولية، ومخاطر اتساع التداعيات الإقليمية لحرب تتجاوز آثارها حدود السودان.
ثالثًا: أهداف الاجتماع ومحاور عمله الرئيسية
يتمثل الهدف الأول في تعزيز التكامل بين المبادرات الدبلوماسية المختلفة، والحد من التناقضات التي قد تنشأ عن تعدد الوسطاء.
ويشمل ذلك تبادل التقييمات المتعلقة بالوضع العسكري والإنساني، وتحديد الأولويات المشتركة، وتنسيق الرسائل الموجهة إلى الأطراف المتحاربة، والعمل على منع استغلال الخلافات بين الوسطاء لتعطيل المفاوضات.
كما يسعى الاجتماع إلى تعزيز التواصل بين المجموعة الرباعية والمجموعة الخماسية، بما يسمح بتقريب المقاربات وتوزيع الأدوار بصورة أكثر فعالية.
لكن التوافق على الأهداف العامة لا يعني بالضرورة الاتفاق على وسائل تحقيقها. فقد تتفق الدول والمنظمات على ضرورة وقف الحرب، بينما تختلف بشأن آليات مراقبة وقف إطلاق النار، والضمانات الأمنية، وشكل المرحلة الانتقالية، ومشاركة القوى السياسية السودانية.
ومن ثم، فإن قيمة التنسيق تكمن في قدرته على الانتقال من إعلان المبادئ إلى وضع إجراءات مشتركة قابلة للمتابعة والتقييم.
يرتبط الهدف الثاني بتقليل حدة المواجهات العسكرية وتهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى وقف إطلاق نار شامل ومستدام.
ويمكن أن تتضمن عملية خفض التصعيد إجراءات تدريجية، مثل الحد من الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، وإنشاء قنوات اتصال بين القيادات العسكرية، والاتفاق على ترتيبات عدم الاعتداء، وتطوير آليات للتحقق من الالتزام بالتعهدات.
وتكمن أهمية هذه الخطوات في أنها قد تتيح بناء قدر من الثقة بين الأطراف، وتوفر بيئة أكثر ملاءمة لاستئناف المفاوضات السياسية.
غير أن غياب القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عن الاجتماع يحد من إمكانية التفاوض المباشر بشأن الالتزامات العسكرية.
فقد أُشير إلى أن الطرفين سيُبلغان بنتائج المشاورات، لكن نقل نتائج الاجتماع إليهما لا يعادل موافقتهما على تنفيذها.
ولذلك، يتطلب وقف إطلاق النار موافقة القيادات المعنية، وتحديد آليات المراقبة، وإنشاء قنوات اتصال لمعالجة الخروقات، وضمان قدرة القيادات على إلزام القوات التابعة لها.
يشكل الوضع الإنساني أحد المحاور الأساسية للاجتماع، بالنظر إلى حجم الاحتياجات الناتجة عن الحرب، وتضرر البنية التحتية، وصعوبة وصول المساعدات إلى عدد من المناطق.
وتشمل الاحتياجات الأساسية الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى، إضافة إلى حماية النازحين واللاجئين وتوفير المساعدة للفئات الأكثر تضررًا.
غير أن إيصال المساعدات لا يتوقف على توفر التمويل فقط، بل يتطلب ضمانات أمنية للعاملين في المجال الإنساني، وتسهيل حركة القوافل، وإزالة العوائق الإدارية، وضمان الوصول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة أطراف مختلفة.
كما تستوجب حماية المدنيين احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي قد تلحق بالسكان والمنشآت المدنية.
ويتمثل أحد التحديات الرئيسية في منع استخدام المساعدات الإنسانية وسيلة للضغط العسكري أو السياسي. فإيصال الغذاء والدواء والخدمات الأساسية ينبغي أن يظل أولوية مستقلة عن مسار المفاوضات السياسية.
يتمثل المحور الرابع في دعم عملية سياسية ذات مصداقية، يقودها السودانيون أنفسهم، ولا تقتصر على التوصل إلى تفاهم بين القيادات العسكرية.
وتقوم هذه المقاربة على أن إنهاء المواجهة المسلحة لا يضمن، في حد ذاته، إقامة نظام سياسي مستقر. إذ يتطلب السلام المستدام بناء مؤسسات مدنية قادرة على إدارة الدولة، وضمان مشاركة سياسية أوسع، ومعالجة أسباب التهميش والصراع على الموارد والسلطة.
ومن بين الأسئلة الرئيسية التي تطرحها هذه العملية: ما المؤسسات التي ستدير المرحلة الانتقالية؟ وكيف يمكن ضمان مشاركة القوى المدنية والمجتمعية؟ وما الضمانات اللازمة لمنع عودة الهيمنة العسكرية على الحياة السياسية؟ وكيف يمكن إصلاح القطاع الأمني دون خلق فراغ مؤسسي جديد؟
ويقتضي بناء مسار سياسي شامل إشراك القوى المدنية والنساء والشباب وممثلي المناطق المتضررة، وعدم اختزال مستقبل البلاد في التوازنات العسكرية بين الطرفين المتحاربين.
كما ينبغي أن تتناول التسوية جذور الأزمة، بما فيها اختلال توزيع السلطة والثروة، وتهميش بعض الأقاليم، وضعف المؤسسات المدنية، وتعدد مراكز القوة المسلحة.
وبالتالي، فإن إعادة بناء الدولة السودانية ليست مجرد عملية لإنهاء المعارك، بل هي مشروع سياسي ومؤسسي طويل الأمد.
رابعًا: مخرجات الاجتماع وتقييم فعاليته
تتمثل أبرز المخرجات السياسية للاجتماع في إعادة التأكيد على ضرورة تنسيق الجهود الدولية والإقليمية، وتعزيز التعاون بين الوسطاء، والاستفادة من قنوات التأثير المختلفة من أجل خفض التصعيد وإيجاد تسوية سياسية.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ظل تعدد المبادرات وتباين أولويات المشاركين. فكلما ارتفع مستوى التنسيق، زادت إمكانية توجيه الضغوط الدبلوماسية نحو أهداف مشتركة، وتقلصت فرص استغلال التناقضات بين الوسطاء.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التوافق على المبادئ العامة والقدرة على تطبيقها. فالاجتماع الذي ينجح في تقريب وجهات النظر لا يكون بالضرورة قد حقق تقدمًا ملموسًا في وقف الحرب.
ويظل التقييم الموضوعي مرتبطًا بمدى تحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات لمتابعة النتائج.
يتمثل أحد أبرز القيود في عدم مشاركة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بصورة مباشرة في المشاورات.
فغياب الطرفين يسمح للمشاركين بمناقشة المبادرات والضغوط الممكنة، لكنه يحول دون التفاوض المباشر بشأن تفاصيل الترتيبات العسكرية والأمنية.
ويحتاج أي وقف لإطلاق النار إلى اتفاق واضح بشأن مناطق انتشار القوات، وقنوات الاتصال، وآليات مراقبة الالتزام، وإجراءات التعامل مع الخروقات.
كما يتطلب تنفيذ الاتفاقات وجود قيادات قادرة على إلزام الوحدات التابعة لها، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد العسكري وتعدد مراكز النفوذ.
وعليه، لا ينبغي قياس نجاح اجتماع جنيف فقط بمدى توافق الدول والمنظمات المشاركة، بل بقدرته على التأثير في مواقف الأطراف السودانية ودفعها نحو الالتزام بتسوية تفاوضية.
تُظهر التجارب المقارنة في تسوية النزاعات أن تعدد المبادرات قد يساهم في توفير قنوات للحوار، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى إطالة المفاوضات عندما تغيب آليات واضحة لتوزيع المسؤوليات ومتابعة تنفيذ الاتفاقات.
وفي السودان، تتجاوز التحديات مسألة تنظيم الوساطة، لتشمل استمرار العمليات العسكرية، وتباين الحسابات الاستراتيجية للأطراف، وصعوبة ضمان وصول المساعدات الإنسانية.
ومن هذا المنظور، يمثل اجتماع جنيف خطوة ضمن مسار دبلوماسي طويل، ولا يمكن اعتباره نقطة تحول حاسمة بمجرد انعقاده.
وتتوقف فعاليته على استمرار التنسيق بين المشاركين، وتطوير آليات واضحة للمتابعة، وربط الجهود السياسية بتحسن ملموس في الوضعين الأمني والإنساني.
خامسًا: التداعيات الإقليمية والدولية للحرب السودانية
لا يمكن فهم الحرب السودانية بوصفها نزاعًا داخليًا معزولًا عن محيطه الجغرافي. فالسودان يقع عند تقاطع المجال الإفريقي والعربي، وترتبط استقراره وأمنه بديناميات القرن الإفريقي وحوض النيل والساحل والبحر الأحمر.
وتتحمل الدول المجاورة أعباء متعددة نتيجة استمرار الحرب، من بينها استقبال اللاجئين، وتأمين الحدود، ومواجهة مخاطر انتقال الأسلحة والجماعات المسلحة، إضافة إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن اضطراب المبادلات التجارية.
وتُعد مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا من الدول التي تتأثر، بدرجات متفاوتة، بالتطورات الأمنية والسياسية في السودان.
ويختلف مستوى التأثير وفقًا لطبيعة الحدود المشتركة، والروابط الاقتصادية والاجتماعية، ومواقف كل دولة من الأطراف المتحاربة.
كما يؤدي استمرار النزاع إلى تعقيد بناء ترتيبات أمنية إقليمية مستقرة، خصوصًا عندما تتداخل الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات العسكرية والسياسية للدول المجاورة.
تكتسب الأزمة السودانية أهمية إضافية بسبب موقع البلاد على البحر الأحمر، الذي يمثل ممرًا حيويًا للتجارة الدولية ونقل الطاقة والاتصال بين أوروبا وآسيا.
ويثير استمرار الحرب مخاوف بشأن استقرار الموانئ والبنية التحتية والنشاط الاقتصادي، كما يزيد من أهمية السودان في حسابات الدول الساعية إلى حماية طرق التجارة البحرية وتوسيع حضورها الاستراتيجي في القرن الإفريقي.
وتشارك في هذه المعادلة قوى إقليمية ودولية متعددة، لكل منها مصالحها الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.
غير أن وجود هذه المصالح لا يعني أن جميع التحركات الخارجية تستهدف الأهداف نفسها، ولا يكفي وحده لإثبات وجود سياسة موحدة لإطالة الحرب.
ومن الضروري التمييز بين تأثير العوامل الخارجية في النزاع وبين الأسباب الداخلية التي أدت إلى اندلاعه واستمراره. فالمنافسة الإقليمية قد تعقد جهود التسوية، لكن إنهاء الحرب يتطلب أيضًا معالجة أزمة السلطة والشرعية وبنية المؤسسات العسكرية والسياسية داخل السودان.
تعكس الحرب السودانية الصعوبات التي تواجه الدبلوماسية متعددة الأطراف في التعامل مع النزاعات التي تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية.
فالأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية تمتلك أدوات للوساطة والتنسيق وتعبئة الموارد الإنسانية، لكن قدرتها على فرض تسوية تظل محدودة عندما تغيب الإرادة السياسية لدى الأطراف المتحاربة أو تتعارض مصالح الدول المؤثرة.
ومن ثم، يمثل اجتماع جنيف محاولة لتحسين أداء الدبلوماسية متعددة الأطراف من خلال تقليص التنافس بين المبادرات، وتحديد الأهداف المشتركة، وربط المسار السياسي بالاحتياجات الإنسانية والأمنية.
ومع ذلك، يتطلب نجاح هذه المقاربة الانتقال من التنسيق الإجرائي إلى التأثير الفعلي في سلوك الأطراف المتحاربة.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة السودانية
يمكن، استنادًا إلى طبيعة الاجتماع والتحديات التي تواجه الوساطة، تحديد ثلاثة سيناريوهات تحليلية محتملة. ولا تمثل هذه السيناريوهات تنبؤات مؤكدة، بل مسارات مشروطة بتطورات الوضع العسكري ومواقف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
السيناريو الأول: تقدم تدريجي نحو وقف إطلاق النار
يقوم هذا السيناريو على نجاح المشاركين في توحيد مواقفهم واستخدام قنوات تأثيرهم لإقناع الطرفين المتحاربين بقبول هدنة قابلة للتحقق.
وقد تتيح الهدنة توسيع نطاق المساعدات الإنسانية، وفتح قنوات اتصال عسكرية، وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات السياسية.
ويتطلب هذا المسار وجود آليات واضحة لمراقبة الالتزام، والتعامل مع الخروقات، وضمان وصول المساعدات إلى السكان المدنيين.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب بالتوازي مع الدبلوماسية
في هذا السيناريو، يستمر التنسيق بين الوسطاء، لكن من دون التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ، بسبب تمسك الأطراف المتحاربة بمواقفها العسكرية والسياسية.
وقد يؤدي ذلك إلى استمرار العمليات القتالية وتفاقم الأزمة الإنسانية، مع بقاء الاجتماعات الدولية إطارًا لإدارة الأزمة والحد من بعض آثارها، بدلًا من إنهائها.
السيناريو الثالث: تعمق التجزئة السياسية والأمنية
يتمثل هذا السيناريو في استمرار تفكك السلطة المركزية وتوسع مناطق النفوذ المسلح، مع احتمال ظهور ترتيبات إدارية وأمنية متنافسة.
ومن شأن هذا المسار أن يعقد استعادة مؤسسات الدولة، ويزيد من صعوبة توحيد القوات المسلحة وإعادة بناء الإدارة العامة، كما قد يوسع التداعيات الأمنية والإنسانية على دول الجوار.
ويتوقف المسار الذي ستتخذه الأزمة على مجموعة من المتغيرات، أبرزها تطور ميزان القوى العسكري، واستعداد القيادات المتحاربة للدخول في مفاوضات جدية، وقدرة الوسطاء على تنسيق الضغوط الدبلوماسية، ومدى التزام الأطراف الخارجية بدعم تسوية سياسية.
سابعًا: قراءة أكاديمية للاجتماع في ضوء نظريات العلاقات الدولية
1. المقاربة المؤسسية الليبرالية
من منظور المؤسسية الليبرالية، يعكس اجتماع جنيف أهمية المؤسسات الدولية في تسهيل التعاون بين الدول، وتبادل المعلومات، وتقليص تكاليف التنسيق، وإنشاء أطر مشتركة لمعالجة الأزمات.
ويتيح جمع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية إمكانية تقريب وجهات النظر وتحديد الأولويات المشتركة. كما يمكن أن يسهم استمرار الاجتماعات التشاورية في بناء الثقة بين الوسطاء وتطوير قواعد عمل أكثر انتظامًا.
لكن هذه المقاربة لا تفترض أن المؤسسات قادرة وحدها على تجاوز تضارب المصالح. ففاعلية التعاون تبقى مرتبطة باستعداد الدول لاستخدام مواردها ونفوذها من أجل تحقيق الأهداف المتفق عليها.
2. المقاربة الواقعية وتوازن المصالح
وفقًا للواقعية في العلاقات الدولية، لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية عن مصالح الدول وموازين القوى.
فالدول المشاركة في اجتماع جنيف لا تنطلق بالضرورة من تصورات متطابقة بشأن مستقبل السودان، بل تتأثر حساباتها بأمن الحدود، والنفوذ الإقليمي، والعلاقات الاقتصادية، وموقع السودان في التوازنات الاستراتيجية.
وتساعد هذه المقاربة على تفسير الصعوبات التي تواجه توحيد المبادرات الدولية؛ إذ قد تتفق الدول على ضرورة إنهاء الحرب، بينما تختلف حول طبيعة التسوية السياسية، والأطراف التي ينبغي أن تشارك فيها، والضمانات المطلوبة لتنفيذها.
ولا تعني الواقعية أن التعاون مستحيل، بل تشير إلى أن استمراره يتطلب إيجاد تقاطع بين المصالح المختلفة، بما يجعل التسوية مقبولة لدى الأطراف القادرة على التأثير في مسار النزاع.
3. مقاربة الأمن الإنساني
تنتقد مقاربة الأمن الإنساني اختزال الأمن في حماية الحدود أو المحافظة على توازنات القوة بين الدول، وتضع الفرد في مركز التحليل.
ومن هذا المنظور، يشمل الأمن الحماية من العنف والجوع والنزوح وفقدان الخدمات الأساسية، ولا يقتصر على الاستقرار العسكري أو السياسي.
وبالتالي، لا يمكن تقييم نتائج اجتماع جنيف استنادًا إلى مستوى التنسيق الدبلوماسي وحده، بل ينبغي النظر أيضًا إلى انعكاساته على حياة المدنيين.
وتشمل المؤشرات المهمة حجم المساعدات التي تصل إلى المناطق المتضررة، وقدرة العاملين الإنسانيين على أداء مهامهم، ومدى حماية المدنيين والبنية التحتية، وإمكانية عودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية وكريمة.
4. مقاربة بناء السلام
تؤكد دراسات بناء السلام أن إنهاء المعارك لا يعني بالضرورة إنهاء الصراع، لأن السلام المستدام يحتاج إلى معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية والمؤسسية التي أدت إلى العنف.
وفي السودان، يشمل ذلك إعادة بناء المؤسسات المدنية، وإصلاح القطاع الأمني، ومعالجة التهميش الإقليمي، وتطوير ترتيبات سياسية تضمن المشاركة والتمثيل، إلى جانب آليات العدالة والمساءلة.
وبالتالي، يمكن لاجتماع جنيف أن يسهم في تهيئة الظروف الخارجية اللازمة للتسوية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل عملية سياسية سودانية واسعة تتعامل مع جذور الأزمة.
ثامنًا: التحديات والتوصيات
استنادًا إلى طبيعة الاجتماع والإشكاليات المرتبطة بالحرب، يمكن تحديد مجموعة من الأولويات التي من شأنها تعزيز فعالية جهود الوساطة.
أولًا: تطوير آلية متابعة مشتركة. ينبغي أن تقترن الاجتماعات التشاورية بإجراءات واضحة لتقييم تنفيذ التعهدات، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة التطورات العسكرية والإنسانية بصورة منتظمة.
ثانيًا: تعزيز التنسيق بين المبادرات القائمة. يتطلب ذلك تحديد الأدوار النسبية للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وإيغاد والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، مع تجنب ازدواجية المسارات وتعارض الرسائل الدبلوماسية.
ثالثًا: إعطاء الأولوية للحماية الإنسانية. ينبغي العمل على ضمان الوصول الآمن للمساعدات، وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وتسهيل حركة الإغاثة عبر خطوط النزاع والحدود عند الضرورة.
رابعًا: توسيع المشاركة المدنية السودانية. يجب ألا يقتصر المسار السياسي على التفاوض بين القيادات العسكرية، بل ينبغي أن يشمل القوى المدنية والمجتمعية والنساء والشباب وممثلي المناطق المتضررة.
خامسًا: ربط وقف إطلاق النار بمسار سياسي واضح. فالهدنة التي لا ترتبط بعملية سياسية ذات أهداف ومراحل محددة قد تظل مؤقتة وهشة. ومن المهم أن تتضمن أي تسوية تصورات عملية للانتقال السياسي وإصلاح المؤسسات الأمنية وإعادة بناء الدولة.
سادسًا: دعم المساءلة واحترام القانون الدولي. ينبغي أن تترافق جهود التسوية مع دعم التحقيقات المستقلة في الانتهاكات المزعومة، وضمان عدم إهمال حقوق الضحايا، بما يحد من مخاطر الإفلات من العقاب ويعزز فرص المصالحة المستدامة.
يمثل الاجتماع التشاوري السادس في جنيف بشأن السودان محطة ضمن الجهود الدولية الرامية إلى تنسيق المبادرات الدبلوماسية والحد من تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وتنبع أهميته من جمع عدد كبير من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية في إطار واحد، ومن محاولة ربط جهود الوساطة بالأولويات الإنسانية والسياسية والأمنية.
غير أن الأهمية المؤسسية للاجتماع لا تعني بالضرورة تحقيق اختراق مباشر في مسار الحرب. فغياب الطرفين المتحاربين عن المشاورات، واستمرار التباينات بين القوى الإقليمية والدولية، وتعقيدات الوضع العسكري والإنساني، كلها عوامل تحد من قدرة التنسيق الدبلوماسي على إنتاج نتائج فورية.
وعليه، فإن المعيار الأساسي لتقييم نجاح الاجتماع يتمثل في قدرته على تحويل التوافق الدولي إلى خطوات عملية قابلة للقياس، تشمل خفض التصعيد، وتحسين وصول المساعدات، وتهيئة الظروف لوقف إطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة.
وفي المحصلة، لا يتوقف مستقبل السودان على نجاح الوساطة الدولية وحدها، بل يرتبط كذلك بقدرة القوى السودانية على الانتقال من التنافس المسلح على السلطة إلى بناء توافق سياسي ومؤسسي يضمن وحدة الدولة، ويعيد الاعتبار للمؤسسات المدنية، ويؤسس لسلام مستدام يحمي السكان ويعالج الأسباب البنيوية للنزاع.



