أخبار العالمأمريكا

واشنطن تعيد رسم أولوياتها التسليحية في مواجهة تراجع مخزونات الصواريخ

يتجه البنتاغون إلى إعادة هيكلة واسعة لمنظومة المشتريات الدفاعية الأميركية في محاولة لمعالجة النقص في مخزونات الصواريخ والذخائر الذي كشفته الحرب على إيران منذ اندلاع المواجهة في فبراير 2026. ويقود نائب وزير الدفاع الأميركي ستيف فاينبرغ هذه الجهود بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، مع التركيز على تسريع إنتاج الأسلحة وتقصير آجال تسليمها وتوسيع القدرات الصناعية للشركات المتعاقدة مع وزارة الدفاع. وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديا يتمثل في إعادة بناء مخزوناتها الاستراتيجية بالتوازي مع الحفاظ على قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية مستقبلية والاستجابة للأزمات الإقليمية والدولية.

وقد كشفت الحرب عن حجم الضغط الذي يمكن أن تتعرض له منظومات التسليح الأميركية عندما يتزايد الاستخدام العملياتي للصواريخ الهجومية والاعتراضية خلال فترة زمنية قصيرة. ووفقا لتقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس في 5 أكتوبر 2026 فإن العمليات العسكرية ضد إيران استنزفت كميات كبيرة من بعض أنواع الذخائر الأميركية، فيما قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن الولايات المتحدة استخدمت ما بين نصف وثلثي مخزونها من بعض صواريخ الاعتراض خلال الفترة التي شملها تقييمه. ولا تتعلق المسألة بعدد الصواريخ المستخدمة فحسب، بل أيضا بالوقت والتكلفة اللازمين لتعويضها، إذ قد يستغرق تجديد مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية سنوات حتى مع رفع وتيرة الإنتاج.

وفي هذا السياق، يسعى فاينبرغ إلى تغيير الطريقة التي تتعامل بها وزارة الدفاع مع شركات الصناعات العسكرية، من خلال دفعها إلى تقديم جداول زمنية أكثر طموحا للإنتاج والتسليم، وتشجيعها على توسيع منشآتها الصناعية والاستثمار في خطوط إنتاج إضافية. وكانت الوزارة قد منحت شركات الدفاع مهلة لتقديم مقترحات تتضمن تسريع الإنتاج وزيادة الطاقة التصنيعية للأنظمة التي تعتبرها حيوية، في خطوة تعكس انتقال الأولوية من تطوير الأسلحة وفق دورات زمنية طويلة إلى توفير كميات أكبر منها في آجال أقصر. كما تعمل الإدارة الأميركية على إبرام اتفاقات متعددة السنوات وإطارات تعاون مع شركات كبرى بهدف منحها رؤية أوضح بشأن الطلب الحكومي المستقبلي وتشجيعها على توسيع قدراتها الإنتاجية

غير أن إعادة تنظيم المشتريات لا تقتصر على زيادة الطلبيات أو الضغط على الشركات المصنعة، بل تشمل أيضا مراجعة آليات الإدارة والتعاقد والرقابة على سلاسل التوريد. فإنتاج الصواريخ الحديثة يعتمد على شبكة معقدة من الموردين الذين يوفرون المحركات الصاروخية والمواد المتخصصة والإلكترونيات وأنظمة التوجيه، ما يجعل أي اختناق في أحد مكونات السلسلة قادرا على تأخير إنتاج المنظومة بأكملها. لذلك تحاول وزارة الدفاع معالجة العقبات الصناعية والتنظيمية التي تحول دون رفع الإنتاج بسرعة، إلى جانب تحسين التنسيق بين الجهات العسكرية والمصنعين والموردين. إلا أن هذه الإجراءات تطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مدى قدرة البيروقراطية الدفاعية على تنفيذ إصلاحات واسعة من دون إضافة مستويات جديدة من الإدارة والتكاليف.

وتبرز صعوبة التمويل بوصفها أحد أبرز العوائق أمام هذه الخطة. فالاتفاقات الأولية مع الشركات لا تعني بالضرورة أن جميع الطلبيات أصبحت ممولة أو أن التوسع الصناعي سيبدأ بصورة كاملة، إذ يتوقف جزء مهم من التنفيذ على موافقة الكونغرس وتخصيص الاعتمادات اللازمة. وقد أشار تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال في 8 أكتوبر إلى أن عددا من الترتيبات التي دفعت بها الإدارة لا يزال ينتظر التمويل، رغم توقيع اتفاقات أولية مع شركات تصنيع الأسلحة. ويعني ذلك أن قدرة البنتاغون على إعادة بناء مخزوناته لا ترتبط بقرارات القيادة العسكرية وحدها، بل تتأثر أيضا بالتجاذبات السياسية والمالية داخل واشنطن وبمدى استعداد المشرعين لتوفير الموارد المطلوبة.

وفي مؤشر عملي على مساعي التعويض، أعلنت شركة «رايثيون» التابعة لمجموعة «آر تي إكس» في 8 أكتوبر حصولها على عقد أميركي متعدد السنوات تصل قيمته إلى 6.3 مليارات دولار لإنتاج صواريخ «ستاندرد ميسايل-3» من النسخة «بلوك آي بي» ودعمها. ويأتي هذا العقد ضمن سلسلة اتفاقات كبيرة تستهدف توسيع إنتاج الصواريخ الاعتراضية، بعدما حصلت شركات دفاعية أخرى على عقود لإنتاج صواريخ «باتريوت» و«ستاندرد ميسايل-6». وتعكس هذه الصفقات اتجاها نحو تأمين طلبات طويلة الأجل تمنح الشركات حافزا للاستثمار في خطوط الإنتاج، غير أن أثرها الفعلي سيظل مرتبطا بسرعة التنفيذ وتوافر المكونات والعمالة والتمويل اللازم

وتتجاوز تداعيات نقص الصواريخ حدود العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، إذ ترتبط المخزونات الأميركية بالتزامات واشنطن تجاه حلفائها وبقدرتها على الاستجابة لأزمات محتملة في مناطق أخرى، ولا سيما منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فالصواريخ الاعتراضية التي تُستخدم لحماية القوات والمنشآت والقواعد العسكرية لا يمكن تعويضها بالسرعة نفسها التي تُستهلك بها خلال المواجهات، كما أن الولايات المتحدة مطالبة بالموازنة بين احتياجات قواتها ومتطلبات دعم الشركاء وتسليم الأسلحة المتعاقد عليها. وقد يؤدي إعطاء الأولوية لإعادة بناء المخزون الأميركي إلى تأخير بعض عمليات التسليم الخارجية، بما يفرض تحديات على خطط الدفاع لدى الدول التي تعتمد على الأنظمة الأميركية.

كما تثير الأزمة سؤالا أوسع بشأن طبيعة القوة العسكرية في الحروب الحديثة، حيث لا تكفي التكنولوجيا المتقدمة أو التفوق العملياتي وحدهما لضمان الاستدامة إذا لم تدعمهما قدرة صناعية على إنتاج الذخائر وتعويض المستهلك منها. فالصواريخ الدقيقة وأنظمة الاعتراض المتطورة تمنح القوات المسلحة مزايا تكتيكية مهمة، لكنها مرتفعة التكلفة وتتطلب وقتا طويلا للتصنيع، خصوصا عندما يعتمد إنتاجها على مكونات محدودة الموردين. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي الاستخدام المكثف لهذه الأنظمة في مواجهة ممتدة إلى استنزاف المخزونات بوتيرة تفوق قدرة المصانع على التعويض، وهو ما يضع التخطيط الصناعي والاحتياطي الاستراتيجي في قلب الحسابات العسكرية.

وتكشف هذه التطورات أيضا عن مفارقة في السياسة الدفاعية الأميركية، إذ تسعى واشنطن إلى الحفاظ على التفوق العسكري العالمي وتوسيع قدرتها على الردع، بينما أظهرت الحرب أن الاستعداد لمواجهة واسعة النطاق لا يقاس فقط بحجم الإنفاق الدفاعي أو تطور الأسلحة، بل كذلك بمدى توافر الذخائر اللازمة لاستمرار العمليات. ومن هنا تأتي أهمية الإصلاحات التي يقودها فاينبرغ، لكنها تظل خاضعة لاختبار التنفيذ: فرفع الإنتاج يتطلب استثمارات مستدامة وتعاقدات واضحة وتنسيقا بين الحكومة والقطاع الصناعي، وليس مجرد إصدار توجيهات عاجلة أو الإعلان عن اتفاقات جديدة.

وبذلك، تمثل إعادة هيكلة مشتريات البنتاغون استجابة لتحدٍ استراتيجي أظهرته الحرب على إيران، يتمثل في الفجوة بين سرعة استهلاك الصواريخ والذخائر في ميدان القتال والوقت اللازم لتعويضها. وستتوقف نتائج هذه الجهود على قدرة الإدارة الأميركية على تحويل الاتفاقات الأولية إلى عقود ممولة، وتوسيع الطاقة الصناعية بصورة فعلية، ومعالجة الاختناقات التي تعرقل الإنتاج. وفي المحصلة، لا تتعلق المسألة بإعادة ملء المستودعات فحسب، بل بضمان قدرة الولايات المتحدة على مواصلة عملياتها العسكرية والوفاء بالتزاماتها الدفاعية من دون أن يؤدي استنزاف مخزوناتها في مواجهة واحدة إلى تقليص خياراتها الاستراتيجية في أزمات لاحقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق