أخبار العالم

انطلاق قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان لبحث آفاق التعاون بين الجمهوريات السوفياتية السابقة

انطلقت اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 في مدينة تركمانباشي بتركمانستان أعمال قمة رابطة الدول المستقلة بمشاركة قادة الدول الأعضاء وذلك في إطار المشاورات الدورية الرامية إلى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين دول الفضاء السوفياتي السابق. وتنعقد القمة في سياق إقليمي ودولي يتسم بتغير التوازنات الجيوسياسية وتزايد أهمية آسيا الوسطى والقوقاز في شبكات التجارة والطاقة والنقل الدولية بما يجعل مستقبل العلاقات بين هذه الدول موضوعا يتجاوز حدود التعاون الثنائي ليرتبط بموقع المنطقة ضمن التحولات التي يشهدها النظام الدولي.

وتستمد القمة أهميتها من طبيعة المنظمة التي تجمع دولا تشترك في خلفية تاريخية وجغرافية واقتصادية واحدة رغم اختلاف مساراتها السياسية وتوجهاتها الخارجية منذ نهاية الاتحاد السوفياتي. ولذلك تمثل اجتماعات الرابطة مناسبة لمناقشة المصالح المشتركة وتقييم آليات التنسيق القائمة والبحث في سبل تطوير التعاون في المجالات التي تظل فيها الروابط الإقليمية عاملا مؤثرا في استقرار الدول الأعضاء وتنميتها.

المشاركون في القمة 

تجمع قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانباشي ممثلين عن الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تواصل المشاركة في هذا الإطار الإقليمي، مع اختلاف مستويات تمثيلها وتوجهاتها السياسية. وتشمل قائمة القادة المشاركين:

  • إلهام علييف — رئيس جمهورية أذربيجان.

  • نيكول باشينيان — رئيس وزراء جمهورية أرمينيا.

  • ألكسندر لوكاشينكو — رئيس جمهورية بيلاروسيا.

  • قاسم جومارت توقاييف — رئيس جمهورية كازاخستان.

  • صادير جاباروف — رئيس الجمهورية القرغيزية.

  • سردار بيردي محمدوف — رئيس تركمانستان ورئيس القمة.

  • فلاديمير بوتين — رئيس الاتحاد الروسي.

  • إيمومعلي رحمون — رئيس جمهورية طاجيكستان.

  • شافكات ميرضيايف — رئيس جمهورية أوزبكستان.

كما تشهد القمة مشاركة مسعود بزشكيان رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية بصفة ضيف خاص، في خطوة توسع نطاق الحوار ليشمل طرفا إقليميا من خارج عضوية الرابطة. وتأتي هذه المشاركة في سياق العلاقات المتداخلة بين دول حوض بحر قزوين، ولا سيما في مجالات النقل والطاقة والتعاون البيئي والتنسيق الإقليمي

ويعكس تنوع المشاركين الطبيعة الجغرافية والسياسية للفضاء الذي تتحرك ضمنه الرابطة، إذ يجمع بين دول القوقاز وآسيا الوسطى وروسيا، وهي مناطق تتقاطع فيها المصالح التجارية والأمنية والطاقية مع اختلاف أولويات السياسات الخارجية. كما أن حضور إيران بصفة ضيف خاص يبرز أهمية القنوات الدبلوماسية التي تربط الرابطة بمحيطها الإقليمي الأوسع، دون أن يعني ذلك انضمام طهران إلى المنظمة أو تحولها إلى عضو فيها.

السياق التاريخي لتأسيس رابطة الدول المستقلة

يعود تأسيس رابطة الدول المستقلة إلى التحولات العميقة التي شهدها الاتحاد السوفياتي خلال أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبداية التسعينيات. فقد تزامنت الأزمة الاقتصادية وتراجع قدرة المؤسسات المركزية على إدارة شؤون الاتحاد مع تصاعد المطالب القومية والسياسية داخل الجمهوريات السوفياتية وازدياد الدعوات إلى السيادة والاستقلال. وأدت هذه التطورات إلى إضعاف البنية الاتحادية التي قامت عليها الدولة السوفياتية منذ سنة 1922 وفتحت الطريق أمام تفككها النهائي في ديسمبر 1991.

وفي 8 ديسمبر 1991 وقعت روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا اتفاقية بيلوفيجسكايا التي أعلنت انتهاء وجود الاتحاد السوفياتي بصيغته القائمة وأقرت إنشاء رابطة الدول المستقلة. ثم جاء بروتوكول ألماتي الموقع في 21 ديسمبر من العام نفسه ليوسع نطاق المشاركة ويؤكد انضمام عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى الإطار الجديد. ومع الإعلان الرسمي عن انتهاء الاتحاد السوفياتي في 26 ديسمبر 1991 بدأت مرحلة سياسية جديدة انتقلت فيها العلاقات بين هذه الجمهوريات من إطار الدولة الاتحادية إلى علاقات بين دول مستقلة ذات سيادة.

ولم يكن إنشاء الرابطة محاولة لإعادة تأسيس الاتحاد السوفياتي تحت مسمى جديد بقدر ما كان استجابة للحاجة إلى إدارة تداعيات تفككه وتنظيم العلاقات بين الدول التي ورثت مؤسساته وشبكاته الاقتصادية والاجتماعية. فقد أدى انهيار الدولة الاتحادية إلى ظهور حدود دولية جديدة بين جمهوريات كانت ترتبط بمنظومة إنتاج وتوزيع واحدة وتعتمد على شبكات مشتركة للنقل والطاقة والاتصالات. كما أثار أسئلة تتعلق بحركة السكان والتبادل التجاري والتعاون العسكري وتسوية المسائل القانونية والإدارية التي نشأت عن الانتقال المفاجئ من نظام اتحادي إلى مجموعة من الدول المستقلة.

وفي ظل هذه الظروف برزت الحاجة إلى إطار مؤسسي يسمح بالمحافظة على قنوات الحوار والتنسيق وتجنب القطيعة الشاملة بين الجمهوريات السابقة. وجاءت رابطة الدول المستقلة لتؤدي هذه الوظيفة من خلال إرساء صيغة مرنة للتعاون تراعي استقلال الدول الأعضاء وتتيح لها الاتفاق على مجالات مشتركة للعمل دون الخضوع لسلطة مركزية واحدة. وقد عكس هذا التوجه طبيعة المرحلة الانتقالية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وما رافقها من إعادة تشكيل للحدود السياسية ومراكز النفوذ في أوراسيا.

أهداف الرابطة ومجالات التعاون

تستند رابطة الدول المستقلة إلى مجموعة من الأهداف التي تتمحور حول تطوير العلاقات بين الدول الأعضاء وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية. ويشمل إطارها المؤسسي التشاور بين الحكومات وتنسيق المواقف بشأن القضايا المشتركة وتطوير آليات التعاون التي تسمح بمعالجة التحديات الناجمة عن الترابط الجغرافي والتاريخي بين دول المنطقة. كما يؤكد ميثاق الرابطة مبادئ المساواة في السيادة واحترام استقلال الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

ويمثل التعاون الاقتصادي أحد أبرز الأهداف التي قامت عليها المنظمة إذ سعت الدول الأعضاء منذ السنوات الأولى لتأسيسها إلى الحد من الآثار السلبية لتفكك السوق السوفياتية وتراجع الروابط الإنتاجية والتجارية بين الجمهوريات السابقة. وشمل ذلك البحث في تسهيل المبادلات التجارية وتنظيم حركة السلع والخدمات وتطوير التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات والمحافظة على بعض أشكال التكامل الاقتصادي التي كانت قائمة قبل الاستقلال. وفي سنة 1993 وقعت الدول المشاركة اتفاقا بشأن إنشاء اتحاد اقتصادي في محاولة لتطوير إطار للتعاون يتناسب مع التحولات التي عرفتها اقتصاداتها الوطنية.

ولا يقتصر التعاون على الجوانب الاقتصادية بل يمتد إلى المسائل الأمنية التي تفرضها الطبيعة العابرة للحدود لعدد من التحديات الإقليمية. فمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع بالمخدرات وتبادل المعلومات الأمنية وتطوير التنسيق بين المؤسسات المختصة تمثل مجالات يمكن أن تتقاطع فيها مصالح الدول الأعضاء. غير أن طبيعة هذا التعاون ومستواه يختلفان بحسب الاتفاقات المعتمدة ومشاركة كل دولة فيها إذ لا تقوم الرابطة على نظام دفاع جماعي موحد يشمل جميع أعضائها بصورة تلقائية.

أما في المجالات الاجتماعية والثقافية والإنسانية فتسعى المنظمة إلى المحافظة على الروابط بين المجتمعات وتطوير التبادل العلمي والتعليمي والثقافي وتيسير بعض أشكال التعاون بين المؤسسات الوطنية. وتكتسب هذه الأهداف أهمية بالنظر إلى الإرث المشترك الذي تركته المرحلة السوفياتية من لغات متداولة وروابط عائلية ومؤسسات تعليمية وشبكات مهنية ممتدة عبر الحدود. ومع ذلك فإن المحافظة على هذه الروابط أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بقدرة الدول المستقلة على التوفيق بين إرثها التاريخي وبناء هوياتها الوطنية وسياساتها الخاصة.

منظمة للتعاون بين دول مستقلة لا اتحاد سياسي موحد

تختلف رابطة الدول المستقلة عن الاتحادات السياسية والاقتصادية التي تقوم على مؤسسات فوق وطنية تمتلك صلاحيات واسعة في اتخاذ القرارات الملزمة لأعضائها. فهي توفر إطارا للتشاور والتنسيق وتطوير الاتفاقات المشتركة مع احتفاظ الدول المشاركة بسيادتها واستقلال قراراتها. ولذلك لا تعني العضوية في الرابطة وجود سياسة خارجية موحدة أو تطابق في المواقف بشأن القضايا الدولية والإقليمية.

وقد انعكس هذا الطابع المرن على تطور المنظمة منذ تأسيسها إذ شهدت مسارات الدول الأعضاء تباينا واضحا في توجهاتها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الخارجية. فبعضها حافظ على مستويات واسعة من التعاون مع شركائه داخل الرابطة بينما اتجه بعضها الآخر إلى تطوير ترتيبات إقليمية بديلة أو تعزيز علاقاته مع قوى دولية خارج الفضاء السوفياتي السابق. كما شهدت المنظمة تغيرات في نطاق المشاركة ومستويات الالتزام بالاتفاقات المختلفة وهو ما يعكس صعوبة المحافظة على إطار موحد للتعاون في منطقة تتباين فيها المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية.

ويكشف هذا الواقع أن استمرار الرابطة لا يعتمد فقط على الروابط التاريخية التي جمعت الدول الأعضاء في الماضي بل يتوقف أيضا على قدرتها على تقديم فوائد عملية في الحاضر. فالتعاون في مجالات التجارة والطاقة والنقل والتعليم والتنسيق الأمني يظل مرتبطا بمدى توافقه مع احتياجات الدول المشاركة وقدرتها على الالتزام بالتفاهمات المشتركة. ومن ثم فإن فعالية المنظمة تقاس بقدرتها على إدارة الاختلافات وتطوير مجالات التعاون الممكنة أكثر مما تقاس بمجرد انتظام الاجتماعات الدورية.

الأهمية الجيوسياسية للفضاء السوفياتي السابق

تنبع الأهمية الجيوسياسية لرابطة الدول المستقلة أيضا من الموقع الذي تشغله دولها ضمن المجال الأوراسي الممتد بين أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط. فهذا الفضاء يضم موارد استراتيجية مهمة تشمل النفط والغاز والمعادن إلى جانب ممرات برية وسكك حديدية وشبكات نقل للطاقة تربط مناطق الإنتاج بالأسواق الدولية. وقد جعلت هذه المقومات من آسيا الوسطى والقوقاز مجالا متزايد الأهمية في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية.

وفي ظل تنامي المبادرات الرامية إلى تنويع طرق التجارة الدولية وتطوير الممرات العابرة للقارات أصبحت البنية التحتية للنقل والطاقة عاملا مؤثرا في العلاقات بين دول المنطقة. فالممرات التي تربط الصين بآسيا الوسطى وبحر قزوين وأوروبا تفتح فرصا جديدة للتبادل التجاري وتوسيع الاستثمارات لكنها تطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتنسيق السياسات الحدودية والجمركية وضمان أمن البنية التحتية وتحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والمشاريع الإقليمية.

كما تواجه دول الفضاء السوفياتي السابق تحديات متفاوتة تتصل بالأمن الحدودي والتفاوت الاقتصادي والتغيرات الديمغرافية والاعتماد على أسواق خارجية محددة. وتختلف قدرتها على التعامل مع هذه التحديات وفقا لمواردها الاقتصادية وموقعها الجغرافي وطبيعة مؤسساتها وعلاقاتها الدولية. ومن هنا تبرز أهمية الأطر الإقليمية التي يمكن أن تسهم في تبادل المعلومات وتنسيق المبادرات وتطوير حلول مشتركة للمشكلات التي تتجاوز الحدود الوطنية.

وفي هذا السياق تتخذ القمة المنعقدة في تركمانستان دلالتها من كونها تجمع ممثلي دول ترتبط فيما بينها بمصالح متداخلة لكنها لا تتبنى بالضرورة الرؤية نفسها لمستقبل المنطقة. فالتعاون الإقليمي يجري اليوم في بيئة متعددة الشراكات تتفاعل فيها المصالح الروسية والصينية والأوروبية والتركية وغيرها من المصالح الدولية مع أولويات الدول الوطنية. ويجعل هذا التعدد من الضروري النظر إلى رابطة الدول المستقلة باعتبارها أحد أطر التعاون في أوراسيا لا الإطار الوحيد الذي يحدد علاقات دولها أو خياراتها الاستراتيجية.

قمة تركمانباشي في سياق التحولات الإقليمية

تأتي القمة الحالية في إطار استمرار المشاورات بين الدول الأعضاء بشأن مستقبل التعاون المشترك وتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والإنسانية. وتتيح اجتماعات القادة فرصة لتقييم المبادرات القائمة ومناقشة القضايا التي تتطلب تنسيقا إقليميا وتحديد المجالات التي يمكن أن تشهد تقدما في المرحلة المقبلة. وتبرز أهمية هذه المشاورات في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير شبكات النقل والتجارة وتعزيز التعاون الاقتصادي ومواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود.

كما تمنح استضافة تركمانستان للقمة بعدا دبلوماسيا يتعلق بدور دول آسيا الوسطى في تعزيز الحوار الإقليمي والاستفادة من موقعها الجغرافي في تطوير العلاقات بين مختلف مراكز القوة المحيطة بها. وتكشف هذه الاستضافة عن أهمية المنصات المتعددة الأطراف في المحافظة على قنوات الاتصال بين الدول التي تختلف في أولوياتها لكنها تتقاطع في عدد من المصالح الاقتصادية والأمنية.

وبعد خمسة وثلاثين عاما من تأسيس رابطة الدول المستقلة أصبحت المنظمة تواجه مرحلة مختلفة عن الظروف التي نشأت فيها. ففي مطلع التسعينيات كان التحدي الأساسي يتمثل في تنظيم العلاقات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والحد من الاضطرابات الناتجة عن تفكك منظومته الاقتصادية والمؤسسية. أما اليوم فتتمثل القضية الرئيسية في تحديد المجالات التي يمكن أن تستمر فيها المصالح المشتركة في ظل استقلال الدول الأعضاء وتنوع علاقاتها الدولية وتغير موقع المنطقة ضمن الاقتصاد العالمي.

وعليه فإن أهمية قمة تركمانباشي تتجاوز الاجتماع الدوري للقادة لتطرح مسألة مستقبل التعاون بين دول الفضاء السوفياتي السابق وحدود قدرة المؤسسات الإقليمية على التكيف مع التحولات الدولية. وستظل فعالية رابطة الدول المستقلة مرتبطة بمدى قدرتها على تحويل أهدافها العامة إلى برامج عملية تعزز المصالح المشتركة وتحترم السيادة الوطنية وتستجيب للتحديات الاقتصادية والأمنية المتجددة. وفي هذا الإطار يشكل استمرار الحوار بين الدول الأعضاء وسيلة للحفاظ على التعاون في المجالات الممكنة رغم اختلاف مساراتها السياسية وتباين حساباتها الاستراتيجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق