أخبار العالمإفريقيا

في انتخابات 23 سبتمبر.. المغرب أمام تحديات البطالة والمشاركة والثقة بالمؤسسات

يتوجه الناخبون في المغرب، الأربعاء 23 سبتمبر 2026، إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب، في انتخابات تشريعية يتنافس خلالها 28 حزباً وتحالفاً ولائحتان لمرشحين غير منتمين على 395 مقعداً. ويبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة نحو 15.8 مليون ناخب، وسط اهتمام سياسي وإعلامي بمدى المشاركة وبقدرة الأحزاب على استعادة ثقة فئات واسعة من الناخبين، ولا سيما الشباب.

وتأتي الانتخابات في ظل تركيز واضح على ملفات اجتماعية واقتصادية تمس الحياة اليومية للمغاربة، وفي مقدمتها البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية، إلى جانب جودة الخدمات العمومية في مجالات الصحة والتعليم والسكن. كما تطرح هذه الاستحقاقات مسألة العلاقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة، في وقت أصبحت فيه المشاركة السياسية للشباب ودرجة ثقتهم بالأحزاب والبرلمان من أبرز مؤشرات المشهد الانتخابي الحالي.

الشباب والبطالة في قلب النقاش الانتخابي

يمثل التشغيل أحد أكثر الملفات حساسية في هذه الانتخابات، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات الشابة. ووفق معطيات رسمية نقلتها تقارير حديثة، بلغ معدل البطالة العام في المغرب نحو 13% خلال عام 2025، بينما ارتفع معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً إلى نحو 37%، وهو ما يجعل إدماج الشباب في سوق العمل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً رئيسياً. كما يشير صندوق النقد الدولي إلى وجود عوامل هيكلية وراء استمرار بطالة الشباب، من بينها ضعف ديناميكية خلق الوظائف في القطاع الخاص وعدم تطابق المهارات مع احتياجات سوق العمل.

وتحاول الأحزاب المتنافسة تقديم برامج تتضمن وعوداً بخلق فرص عمل وتحسين الدخل والسكن وتعزيز الاستثمار، في محاولة لاستقطاب الناخبين الشباب. وقد وضعت أحزاب من الائتلاف الحكومي الحالي التشغيل ضمن أولويات حملاتها، مع طرح أهداف تتعلق بخلق وظائف جديدة والاستثمار في البنية التحتية خلال الولاية المقبلة.

غير أن حجم الفجوة بين الخطاب الانتخابي وانتظارات الشباب يمثل أحد التحديات المطروحة أمام الأحزاب، خصوصاً بعد احتجاجات شبابية شهدها المغرب خلال عام 2025، وركزت مطالبها على تحسين الصحة والتعليم وفرص العمل وظروف العيش والمساءلة السياسية. وقد أعادت تلك الاحتجاجات النقاش حول مدى قدرة المؤسسات السياسية على تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات ملموسة.

أزمة الثقة والمشاركة السياسية

لا تقتصر رهانات الانتخابات على المنافسة بين الأحزاب، بل تشمل أيضاً مستوى المشاركة الشعبية. وتظهر المعطيات الرسمية أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً لا يمثلون سوى نحو 4% من المسجلين في اللوائح الانتخابية، مقابل أكثر من 29% للفئة التي تبلغ 60 عاماً فأكثر. ويطرح هذا التفاوت تساؤلات بشأن حضور الشباب في العملية الانتخابية مقارنة بوزنهم الديموغرافي.

وتشير نتائج استطلاع نشره «أفروباروميتر» في مارس 2026 إلى أن نحو ثلث المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً يعبّرون عن ثقتهم بالبرلمان ورئيس الحكومة والأحزاب السياسية. وفي الوقت نفسه، أظهرت هذه الفئة أشكالاً أخرى من المشاركة السياسية، خصوصاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي والاحتجاجات، ما يعكس وجود اهتمام بالقضايا العامة لا يتطابق بالضرورة مع الانخراط في المؤسسات السياسية التقليدية.

القدرة الشرائية والخدمات العمومية

إلى جانب التشغيل، تشكل القدرة الشرائية والخدمات العمومية محوراً أساسياً في البرامج الانتخابية. وتواجه الأحزاب أسئلة تتعلق بقدرتها على الاستجابة لمطالب المواطنين في قطاعات الصحة والتعليم والسكن، خصوصاً مع استمرار النقاش حول التفاوتات الاجتماعية والمجالية.

وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية في ظل التحولات الاقتصادية التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، إذ حققت البلاد استثمارات كبيرة في البنية التحتية والصناعة والطاقة ومشاريع النقل، بينما لا تزال الاستفادة من النمو الاقتصادي متفاوتة بين المناطق والفئات الاجتماعية. وقد أصبحت مسألة توزيع ثمار التنمية وتحسين الخدمات العمومية جزءاً أساسياً من النقاش الانتخابي.

انتخابات في سياق إقليمي واستراتيجي أوسع

وتجري الانتخابات في مرحلة ترتبط فيها السياسة الداخلية المغربية أيضاً بعدد من الملفات الاستراتيجية، من بينها التحضيرات المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، ومشاريع البنية التحتية والاستثمار، إلى جانب الملفات المرتبطة بالسياسة الخارجية والقضية الوطنية للصحراء الغربية.

ومن الناحية الدستورية، تشكل انتخابات مجلس النواب محطة أساسية في تشكيل الأغلبية الحكومية، إذ ينص الدستور المغربي على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر نتائج انتخابات أعضاء مجلس النواب. وبذلك لا تقتصر نتائج اقتراع 23 سبتمبر على تحديد تركيبة البرلمان، وإنما ترتبط أيضاً بتشكيل الحكومة المقبلة وتوجهاتها في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

المشاركة والشرعية السياسية في الواجهة

وبينما تتنافس الأحزاب على المقاعد البرلمانية، تبدو نسبة المشاركة ومستوى انخراط الشباب من أبرز مؤشرات الانتخابات، إلى جانب النتائج نفسها. فالمسألة المطروحة لا تتعلق فقط بمن سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما أيضاً بمدى قدرة العملية الانتخابية على إعادة بناء علاقة أكثر ثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة.

ومن المنتظر أن تكشف نتائج اقتراع 23 سبتمبر عن اتجاهات الناخبين بشأن أولويات المرحلة المقبلة، ولا سيما التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم، كما ستحدد موازين القوى داخل مجلس النواب والمسار السياسي لتشكيل الحكومة الجديدة. وتبقى المشاركة الانتخابية، وخاصة بين الشباب، أحد العوامل الرئيسية لفهم طبيعة المرحلة السياسية المقبلة في المغرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق