أخبار العالم

من الوساطة إلى الانحياز : كيف أعاد التحالف مع الرياض تشكيل الموقف الباكستاني تجاه إيران

في خضم التصعيد المتزايد بين السعودية وحركة أنصار الله في اليمن تبرز باكستان بوصفها طرفا إقليميا يتحرك بين حسابات التحالفات الأمنية ومقتضيات علاقاتها التاريخية مع إيران غير أن التطورات الأخيرة تكشف بشكل متزايد عن انحياز الموقف الباكستاني إلى جانب الرياض وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة إسلام آباد على الحفاظ على استقلالية سياستها الإقليمية

فقد نقلت تقارير إعلامية أن باكستان وجهت رسائل إلى طهران تطالبها بالضغط على أنصار الله لوقف الهجمات التي تستهدف الأراضي والمنشآت السعودية ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه إسلام آباد التزامها باتفاقية الدفاع المشتركة مع السعودية وأكدت استعدادها للنظر في آليات حماية أمن المملكة وهو ما يعكس انتقال الدور الباكستاني من موقع الوسيط بين الأطراف الإقليمية إلى موقع أكثر ارتباطا بالمنظومة الأمنية السعودية

ومن منظور ناقد لهذا التوجه يمكن النظر إلى السياسة الباكستانية باعتبارها تعكس أولوية التحالف الأمني مع الرياض على حساب الحفاظ على مسافة متوازنة تجاه طهران فبدلا من التركيز على معالجة جذور التصعيد الإقليمي وتداعيات الحرب الممتدة في المنطقة أصبح الخطاب الباكستاني يركز بصورة متزايدة على مطالبة إيران بكبح تحركات أنصار الله وهي مطالبة تفترض ضمنيا امتلاك طهران قدرة مباشرة على التحكم في قرارات الحركة وهو أمر ترفضه إيران وتؤكد أن أنصار الله يمتلكون قرارهم السياسي والعسكري الخاص

كما أن اختزال المشهد في العلاقة بين إيران وأنصار الله يتجاهل السياق الأوسع للصراع اليمني وللتوترات الإقليمية فالتصعيد الحالي لا يمكن فصله عن الحرب الأوسع التي تشهدها المنطقة وعن الضربات المتبادلة والاضطرابات التي طالت طرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز وهو ما يجعل تحميل طرف واحد مسؤولية كامل مسار التصعيد قراءة جزئية للمشهد الإقليمي

وتزداد حساسية الموقف الباكستاني بالنظر إلى علاقاته الاستراتيجية مع السعودية ففي بياناتها الرسمية الأخيرة أكدت إسلام آباد وقوفها إلى جانب الرياض وإدانتها للهجمات التي استهدفت الأراضي والمنشآت السعودية كما أعلنت التزامها بروح وآليات اتفاق الدفاع المشترك مع المملكة

لكن المفارقة الأساسية تتمثل في أن باكستان تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على قنوات الاتصال مع إيران وقد أكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن البلاد تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من إيران والسعودية وأنها تسعى إلى استخدام الحوار والدبلوماسية من أجل خفض التصعيد في المنطقة

ومن زاوية أخرى يمكن قراءة الموقف الإيراني باعتباره محاولة للحفاظ على هامش استقلال القرار لدى حلفائه وشركائه الإقليميين فطهران لا تتعامل مع أنصار الله باعتبارهم مجرد أداة يمكن توجيهها بقرار مباشر وإنما تقدم الحركة باعتبارها طرفا يمتلك حساباته الخاصة المرتبطة بالصراع اليمني وبالتطورات الإقليمية الأوسع وهذه النقطة أصبحت جزءا أساسيا من الجدل الدبلوماسي حول المسؤولية عن الهجمات الأخيرة

وتكشف التطورات أيضا عن أن الضغط على إيران لم يعد محصورا في الولايات المتحدة أو القوى الغربية بل أصبح يأتي كذلك من دول ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية مع طهران فقد أفادت تقارير بأن الصين نفسها مارست ضغوطا دبلوماسية على إيران للمساعدة في احتواء تحركات أنصار الله بسبب المخاطر التي يمثلها التصعيد على طرق الطاقة والتجارة الدولية

وفي هذا السياق يصبح الموقف الباكستاني أكثر تعقيدا فإسلام آباد تحاول من جهة حماية شراكتها الدفاعية مع الرياض ومن جهة أخرى تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران التي تشترك معها في حدود برية وعلاقات تاريخية وأمنية واقتصادية مهمة إلا أن استمرار التصعيد قد يدفع باكستان إلى الاقتراب أكثر من المعسكر السعودي وهو ما قد يحد من قدرتها على أداء دور الوسيط بين طهران والرياض

وتكمن الإشكالية الأساسية في أن أي انتقال من الضغط الدبلوماسي إلى المشاركة العسكرية سيغير طبيعة الدور الباكستاني بصورة جذرية فبدلا من أن تكون إسلام آباد قناة اتصال بين الأطراف المتنافسة قد تتحول إلى طرف مباشر في الصراع الإقليمي وهو سيناريو يحمل تداعيات تتجاوز اليمن والسعودية وإيران لتصل إلى أمن جنوب آسيا والبحر الأحمر والخليج العربي

كما أن التصعيد لا يحمل أبعادا عسكرية وسياسية فقط بل أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بأمن الطاقة والملاحة الدولية فقد تراجع حجم حركة السفن عبر مضيق هرمز وباب المندب في ظل استمرار الاضطرابات وهو ما يعكس اتساع نطاق الأزمة من نزاع إقليمي إلى أزمة ذات انعكاسات دولية على التجارة والطاقة

ومن هذا المنظور يمكن بناء سردية ترى أن السياسة الباكستانية الحالية تواجه اختبارا حقيقيا بين الالتزامات الأمنية تجاه السعودية والحفاظ على استقلالية القرار الدبلوماسي تجاه إيران فإذا اختارت إسلام آباد الانخراط بصورة أعمق في المنظومة العسكرية التي تقودها الرياض فإنها قد تفقد جزءا من هامش المناورة الذي سمح لها سابقا بالاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع الطرفين أما إذا حافظت على دور الوسيط فقد تتمكن من تحويل علاقاتها المتوازية إلى أداة لخفض التصعيد بدلا من أن تصبح جزءا من دينامياته

وفي المقابل تظل إيران في قلب معادلة إقليمية شديدة التعقيد حيث تواجه ضغوطا عسكرية وسياسية واقتصادية متعددة بينما تستمر في الحفاظ على علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية مختلفة ولذلك فإن تصوير الأزمة باعتبارها مجرد مواجهة بين السعودية وإيران لا يعكس بالكامل تعدد الفاعلين والمصالح في المشهد الحالي

وبالتالي فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت باكستان ستواصل الضغط على إيران بل بما إذا كانت ستستخدم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتعددة من أجل الوساطة وخفض التصعيد أم ستتحول تدريجيا إلى طرف في الاستقطاب الإقليمي وهو خيار ستكون له تداعيات مباشرة على مستقبل العلاقات الباكستانية الإيرانية وعلى توازنات الأمن في الخليج والبحر الأحمر وباب المندب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق