أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

11 سبتمبر : مسار الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال ربع قرن

 

مقدمة

يمثل الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحول مفصلية في تاريخ النظام الدولي المعاصر فقد شكلت الهجمات التي استهدفت الولايات المتحدة صدمة أمنية وسياسية غير مسبوقة وأدت إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الأمريكي كما أعادت صياغة أولويات السياسة الخارجية لواشنطن لعقود لاحقة

وبعد مرور خمسة وعشرين عاما فإن تقييم هذه المرحلة لا يمكن أن يقتصر على استعادة أحداث ذلك اليوم أو الحديث عن ضحايا الهجمات وإنما يقتضي دراسة طبيعة الرد الأمريكي والنتائج التي خلفتها الاستراتيجية التي أطلقتها واشنطن تحت عنوان الحرب على الإرهاب

فمنذ عام 2001 دخل العالم مرحلة اتسمت بتوسع التدخلات العسكرية الأمريكية وبروز مفهوم الحرب الاستباقية وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وبروز مقاربة تعتبر مناطق واسعة من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ساحات مفتوحة للصراع ضد الإرهاب

غير أن هذه السياسة تطرح إشكالية أساسية تتمثل في التناقض بين الهدف المعلن المتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار وبين النتائج التي شهدتها عدة دول عربية وإسلامية من حروب واحتلالات وانهيار مؤسسات الدولة وتصاعد الصراعات الداخلية وتوسع التدخلات الأجنبية

ومن منظور الشعوب العربية تكتسب هذه الذكرى بعدا أكثر تعقيدا لأن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر تزامنت مع تحولات عميقة في المنطقة العربية كان للسياسة الأمريكية دور أساسي في تشكيل العديد منها كما ارتبطت باستمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل وبقاء القضية الفلسطينية خارج إطار تسوية عادلة وقابلة للاستمرار

 

من مكافحة الإرهاب إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط

بعد هجمات 11 سبتمبر أعلنت الولايات المتحدة ما عرف بالحرب العالمية على الإرهاب وقدمت هذه الحرب باعتبارها ضرورة لحماية الأمن الأمريكي والدولي

غير أن مفهوم الحرب على الإرهاب سرعان ما تجاوز ملاحقة التنظيمات التي نفذت الهجمات ليصبح إطارا استراتيجيا واسعا سمح لواشنطن بتوسيع وجودها العسكري والأمني في مناطق مختلفة من العالم فقد بدأت الحرب في أفغانستان عام 2001 ثم انتقلت إلى العراق عام 2003 رغم غياب علاقة مباشرة مثبتة بين النظام العراقي وهجمات 11 سبتمبر

وهنا ظهرت أولى التناقضات الكبرى في الاستراتيجية الأمريكية إذ انتقلت واشنطن من مواجهة تنظيم إرهابيإلى إسقاط نظام عربي واحتلال دولة ذات سيادة وإعادة هندسة بنيتها السياسية والأمنية

لقد كشفت هذه المرحلة أن مفهوم مكافحة الإرهاب لم يكن دائما منفصلا عن الحسابات الجيوسياسية المتعلقة بالنفوذ والطاقة والموقع الاستراتيجي وإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط

 

العراق نموذج لتحول القوة إلى عامل لزعزعة الاستقرار

يمثل العراق أحد أبرز الأمثلة على النتائج الكارثية للتدخل العسكري الأمريكي في المنطقة ففي عام 2003 شنت الولايات المتحدة حربا على العراق مستندة إلى مجموعة من المبررات الأمنية والسياسية كان من أبرزها امتلاك بغداد المزعوم لأسلحة الدمار الشامل لكن عدم العثور على هذه الأسلحة وضع المبررات الأمريكية للحرب أمام أزمة عميقة في المصداقية

ولم تكن النتائج مقتصرة على سقوط نظام صدام حسين بل أدت عملية الاحتلال إلى تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف البنية الأمنية وفتح المجال أمام صراعات داخلية وتدخلات إقليمية واسعة وبدل أن يؤدي التدخل إلى تحقيق الاستقرار الذي رفعته واشنطن كأحد أهدافها ساهمت الحرب في إنتاج بيئة سياسية وأمنية أكثر هشاشة

ومن المفارقات أن الحرب التي قدمت باعتبارها جزءا من استراتيجية مكافحة الإرهاب ساهمت في خلق الظروف التي سمحت لاحقا بظهور تنظيمات أكثر تطرفا وانتشارا وهنا يبرز سؤال جوهري حول المسؤولية السياسية للقوى الكبرى عندما تؤدي تدخلاتها إلى نتائج تتناقض مع أهدافها المعلنة 

 

أفغانستان وحدود القوة العسكرية

لم تكن أفغانستان مختلفة تماما في هذا الجانب فقد بدأ التدخل الأمريكي عام 2001 بهدف تفكيك تنظيم القاعدة وإسقاط نظام طالبان الذي وفر له ملاذا لكن العملية العسكرية تحولت تدريجيا إلى حرب طويلة وإلى مشروع واسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع والمؤسسات السياسية والأمنية وبعد عقدين من الحرب عادت طالبان إلى السلطة عقب الانسحاب الأمريكي عام 2021 وقد شكلت هذه النهاية مؤشرا واضحا على حدود القوة العسكرية في فرض ترتيبات سياسية مستدامة فالقوة العسكرية يمكن أن تسقط حكومة أو تدمر بنية عسكرية لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الشرعية السياسية ولا بناء السلام ولا معالجة جذور الصراعات 

وهذا الدرس ينطبق بدرجات مختلفة على عدد من التجارب الأمريكية في الشرق الأوسط حيث لم تؤد القوة العسكرية إلى إنهاء الأزمات بقدر ما ساهمت أحيانا في إعادة إنتاجها بأشكال جديدة

 

فلسطين بين الخطاب الأمريكي والممارسة السياسية

إذا كانت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر قد أعادت تشكيل مفهوم الأمن الأمريكي فإنها لم تؤد إلى تغيير جوهري في المقاربة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية بل استمر الدعم الأمريكي السياسي والعسكري لإسرائيل باعتبارها حليفا استراتيجيا رئيسيا في الشرق الأوسط وهنا تظهر واحدة من أبرز المفارقات في السياسة الأمريكية فالولايات المتحدة تؤكد باستمرار التزامها بالديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي وحماية المدنيين لكنها في الوقت نفسه واصلت توفير الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل رغم الانتقادات الدولية الواسعة الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين 

ومن منظور فلسطيني وعربي فإن هذه السياسة لا تبدو مجرد تحالف استراتيجي بين دولتين وإنما تمثل عاملا أساسيا في استمرار اختلال ميزان القوة بين إسرائيل والفلسطينيين فالاحتلال لا يستمر بالقوة العسكرية وحدها وإنما يحتاج أيضا إلى بيئة دولية تسمح له بالاستمرار سياسيا ودبلوماسيا وهنا يأتي الدور الأمريكي بوصفه أحد أهم عناصر هذه البيئة من خلال الدعم الدبلوماسي والعسكري والسياسي الذي وفرته واشنطن لإسرائيل عبر عقود 

 

الفيتو الأمريكي وأزمة العدالة الدولية

تتجاوز المسألة الفلسطينية حدود الدعم العسكري لتصل إلى المؤسسات الدولية فقد استخدمت الولايات المتحدة نفوذها داخل مجلس الأمن في مناسبات عديدة لحماية إسرائيل من قرارات أو مشاريع قرارات تنتقد سياساتها تجاه الفلسطينيين وهذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون الدولي فإذا كان النظام الدولي يقوم نظريا على مبدأ المساواة في السيادة وعلى خضوع جميع الدول للقواعد نفسها فإن الاستخدام المتكرر للقوة السياسية من أجل حماية حليف استراتيجي يخلق فجوة بين الخطاب القانوني والممارسة السياسية 

ومن هنا فإن الانتقادات الموجهة إلى الولايات المتحدة في العالم العربي لا ترتبط فقط بسياساتها العسكرية وإنما أيضا بالدور الذي تلعبه في تعطيل قدرة المؤسسات الدولية على ممارسة ضغط فعلي من أجل حماية الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال

 

غزة واختبار المصداقية الأمريكية

 

أصبحت غزة خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز الساحات التي اختبرت فيها المصداقية الأمريكية فمع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير البنية التحتية والمرافق الصحية والسكنية تعاظمت الانتقادات الموجهة إلى واشنطن بسبب استمرار دعمها السياسي والعسكري لإسرائيل وهنا تتجسد المفارقة بصورة أكثر وضوحا فالولايات المتحدة تقدم نفسها باعتبارها قوة عالمية تدافع عن النظام الدولي القائم على القواعد لكنها تجد نفسها في مواجهة انتقادات متزايدة من دول وشعوب ترى أن هذه القواعد لا تطبق بصورة متساوية عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين ومن منظور عربي فإن القضية لم تعد مرتبطة فقط بموقف واشنطن من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإنما أصبحت مرتبطة بصورة أوسع بسؤال العدالة الدولية ومن يملك حق تعريف الضحية ومن يملك حق تحديد معنى الإرهاب ومن يملك القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى شرعية سياسية

 

الحرب على الإرهاب وتعميم مفهوم التهديد

ساهمت الاستراتيجية الأمريكية بعد 11 سبتمبر في توسيع مفهوم التهديد الأمني فأصبح بالإمكان ربط الإرهاب بعدد كبير من القضايا السياسية والأمنية في الشرق الأوسط وتحولت مكافحة الإرهاب إلى مبرر لتدخلات عسكرية واستخباراتية واسعة وقد أدى ذلك إلى تبسيط بعض الصراعات المعقدة من خلال وضعها داخل ثنائية الإرهاب والأمن بدلا من تحليل جذورها السياسية والاجتماعية والتاريخية

وفي هذا السياق تعرضت شعوب عربية ومسلمة إلى تداعيات مباشرة وغير مباشرة للحرب على الإرهاب كما ارتبطت هذه المرحلة بتنامي ظواهر الإسلاموفوبيا والتمييز ضد المسلمين في عدد من المجتمعات الغربية وبذلك أصبح المسلم والعربي في بعض الخطابات الأمنية الغربية مرتبطا بصورة نمطية بالتهديد وهو ما خلق أثرا اجتماعيا وسياسيا تجاوز حدود العمليات العسكرية نفسها

 

منطق القوة وازدواجية المعايير

تكمن إحدى أهم نقاط النقد الموجهة للسياسة الأمريكية في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر في مسألة ازدواجية المعايير فواشنطن تدافع عن سيادة الدول عندما تتوافق هذه القاعدة مع مصالحها الاستراتيجية لكنها قبلت في حالات أخرى بتدخلات عسكرية أو سياسات أثارت جدلا واسعا حول احترام السيادة والقانون الدولي 

كما أن مفهوم الإرهاب نفسه أصبح في بعض السياقات أداة سياسية تحدد واشنطن من خلاله طبيعة الأطراف التي تستحق الإدانة أو الدعم وهنا ينبغي التمييز بين رفض الإرهاب كظاهرة تستهدف المدنيين وبين توظيف مفهوم الإرهاب سياسيا لتجريم بعض أشكال المقاومة دون معالجة السياق التاريخي والسياسي الذي نشأت فيه وفي الحالة الفلسطينية تحديدا فإن اختزال القضية في البعد الأمني يتجاهل حقيقة مركزية تتمثل في استمرار الاحتلال وغياب حل سياسي عادل وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره 

إن معالجة العنف بمعزل عن الاحتلال والاستيطان والتهجير والحصار تعني التعامل مع النتائج دون معالجة الأسباب

 

هل حققت الحرب على الإرهاب أهدافها 

بعد خمسة وعشرين عاما يمكن القول إن الولايات المتحدة حققت نجاحات حقيقية في تطوير قدراتها الاستخباراتية والأمنية وفي إضعاف عدد من التنظيمات الإرهابية ومنع تكرار هجمات واسعة النطاق على أراضيها لكن هذه النجاحات لا تلغي الإخفاقات الاستراتيجية 

فالحروب الطويلة لم تنجح في بناء استقرار دائم في عدد من الدول كما أن إسقاط الأنظمة لم يؤد بالضرورة إلى بناء أنظمة سياسية أكثر استقرارا كما أن الحرب على الإرهاب لم تمنع استمرار الصراعات التي تغذي التطرف بل إن بعض التدخلات العسكرية ساهمت في خلق فراغات أمنية وسياسية استغلتها جماعات مسلحة 

 

خاتمة

بعد خمسة وعشرين عاما من 11 سبتمبر 2001 تبدو الحصيلة أكثر تعقيدا من مجرد قصة نجاح أو فشل في مكافحة الإرهاب , لقد تمكنت الولايات المتحدة من تطوير منظومة أمنية واستخباراتية ضخمة ومن توجيه ضربات قوية إلى تنظيمات إرهابية لكنها في الوقت نفسه دخلت في حروب طويلة وأطلقت تدخلات عسكرية ساهمت في إعادة تشكيل الشرق الأوسط وأنتجت في بعض الحالات فراغات سياسية وأمنية عميقة أما بالنسبة إلى الشعوب العربية فإن الإرث الأكثر إشكالية لهذه المرحلة يتمثل في استمرار مقاربة أمريكية تجعل الأمن الإسرائيلي جزءا مركزيا من استراتيجيتها الإقليمية بينما تبقى حقوق الشعب الفلسطيني رهينة لحسابات التحالفات وموازين القوى

إن فلسطين تكشف بصورة خاصة حدود الخطاب الأمريكي حول حقوق الإنسان والقانون الدولي فلا يمكن الحديث عن نظام دولي قائم على القواعد في الوقت الذي يشعر فيه جزء كبير من العالم بأن هذه القواعد تطبق بصورة انتقائية وأن حقوق الفلسطينيين لا تحظى بالحماية نفسها التي تحظى بها حقوق شعوب أخرى 

إن الشعوب لا تطالب بمعاملة استثنائية وإنما تطالب بالمساواة أمام القانون الدولي وباحترام سيادتها وحقها في تقرير مصيرها وبإنهاء الاحتلال والتمييز وبإقامة نظام إقليمي لا تكون فيه القوة العسكرية معيارا للحق , وفي مقدمة هذه القضايا تبقى فلسطين فالقضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع إقليمي محدود بل أصبحت اختبارا حقيقيا لمدى قدرة النظام الدولي على تطبيق مبادئه بصورة متساوية

وبعد خمسة وعشرين عاما من 11 سبتمبر يظل السؤال مفتوحا هل تريد الولايات المتحدة أن تكون قوة مهيمنة تدافع عن مصالحها وحلفائها مهما كانت التكلفة أم قوة دولية تقبل بمنطق التعددية وتخضع هي نفسها للقواعد التي تطالب الآخرين باحترامها 

إن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية وإنما أيضا بميزان الشرعية والمصداقية وفي هذا السياق فإن تحقيق الأمن الحقيقي في الشرق الأوسط لن يكون ممكنا دون معالجة جذور الصراع وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني فلا يمكن بناء سلام مستدام فوق غياب العدالة ولا يمكن تحقيق استقرار حقيقي في منطقة يشعر جزء كبير من شعوبها بأن النظام الدولي لا ينظر إلى حقوقها بالمعيار نفسه الذي ينظر به إلى حقوق الآخرين

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق