أخبار العالمأنشطة المركزبحوث ودراسات

كلمة الدكتور عز الدين الجبالي حول مبادرة الحضارة العالمية والتبادل الحضاري التونسي والصيني

الدكتور عز الدين الجبالي رئيس جمعية الصداقة التونسية الصينية 

نحو حضارة مفتوحة متعلّمة: التعلّم الحضاري المتبادل من خلال الطب التقليدي

يسعدني ويشرفني أن أكون بينكم اليوم في هذا الملتقى الحواري التونسي الصيني، وأن أتوجه بالشكر الجزيل إلى السيدة الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية على هذه الدعوة الكريمة، وعلى إتاحة هذه الفرصة الثمينة للحوار والتبادل الفكري والحضاري.

اسمحوا لي أن أقدم نفسي بإيجاز: أنا طبيب تونسي، وأتشرف برئاسة جمعية الصداقة التونسية الصينية، وكذلك الجمعية التونسية للوخز بالإبر والطب التقليدي الصيني.

لقد كان اهتمامي بالطب التقليدي الصيني نقطة تحول في مسيرتي الفكرية والمهنية. درست هذا الطب في الصين، وأدركت منذ البداية أن تعلّمه على أسس سليمة يقتضي أولاً إتقان اللغة. فتعلمت اللغة الصينية الحديثة، ثم وجدت نفسي مدفوعاً لدراسة اللغة الصينية القديمة، إذ إن معظم المراجع الأساسية كانت مكتوبة بها. وأثناء هذه الرحلة المعرفية، اكتشفت أن جذور الطب التقليدي الصيني ضاربة في عمق التاريخ الصيني، في الثقافة والفلسفة الصينية القديمة. فأطلعت على فكر لاوتسي (老子)، وكونفوشيوس (孔子)، وتشوانغ تسي (庄子)، ومنسيوس (孟子)، وهان فاي تسي (韩非子)، وكذلك الفكر البوذي ذي الخصائص الصينية، وغيرها من المدارس الفكرية.

وهنا اكتشفت حقيقة لافتة: إن التاريخ الصيني القديم حافل بالمدارس الفكرية المختلفة. لم يكن هناك “فكر واحد” يُفرض على الجميع، بل كانت هناك مئات المدارس الفكرية تتنافس وتتجادل وتتصارع وتتصالح كذلك. وكما يقول حكماء الصين القدامى: “دع مئة زهرة تتفتح، ومئة مدرسة فكرية تتنافس”.

من هذه البيئة الفكرية الغنية خرج كونفوشيوس، ولاوتسي، ومنسيوس، وسون تسي، وغيرهم. كل منهم قدّم رؤيته، وكل منهم حاول أن يغيّر العالم بطريقته، ويركّز على المجال الذي يستهويه.

والحقيقة أن الطب التقليدي الصيني ليس هو الطب التقليدي الوحيد الذي ظهر عبر التاريخ. فهناك الطب العربي الإسلامي، والطب الهندي، والطب المصري، والطب التقليدي في أمريكا اللاتينية. كلها تركت بصماتها في مسيرة الإنسانية نحو المعرفة والشفاء.

لقد طوّر الغرب الطب الحديث وحقق إنجازات تُذكر فتُشكر، وأصبح الطب الغربي الطب المرجعي في العالم المعاصر لكل الأمم جمعاء. لكن الصينيين، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وعلاوة على تطويرهم للطب الغربي لديهم، لم يتخلّوا عن طبهم التقليدي، بل طوّروه كذلك وجعلوه مواكباً للعصر. فالصينيون معروفون بالاعتزاز بالنفس، وقد جعلوا من ذلك شكلاً من أشكال الاحترام لحضارتهم وثقافتهم وميراث أجدادهم، دون التخلي عن الرقي والازدهار. فطرحوا فكرة “الطب المتكامل” (Integrative Medicine) الذي يجمع بين فوائد الطب الحديث والطب التقليدي. وهم يدعون بقية الأمم والحضارات إلى العودة لطبهم التقليدي والبحث فيه، وخلق موجة عالمية جديدة تسمى “الطب التقليدي العالمي” (Traditional Global Medicine).

وعلينا نحن كعرب ومسلمين أن نشارك في هذه الموجة الجديدة التي تقودها الصين، وبذلك نستطيع أن نساهم في بناء جسور التفاهم والتعاون في عالم متحول، وأن ننتقل من مفهوم الحضارة المغلقة المكتفية بذاتها إلى مفهوم الحضارة المفتوحة والمتعلّمة، حيث يُنظر إلى التنوع الثقافي والعلمي بوصفه مصدراً للإثراء العلمي والمعرفي، لا سبباً للنزاع والهيمنة.

هذا هو جوهر رسالتي اليوم:

إن التعلّم الحضاري المتبادل ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية في عالم متحول.

فلنفتح نوافذنا على تجارب الآخرين، ولنتعلم من بعضنا البعض، ولنجعل من تنوعنا مصدر قوة وإثراء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق