مالي: الجيش يعلن استهداف مجموعات مسلحة ضمن عملية دوغوكولوكو

قسم الاخبار الدولية 2026/09/07
أعلن الجيش المالي تنفيذ عمليات عسكرية ضد مجموعات مسلحة في عدد من مناطق البلاد ضمن عملية دوغوكولوكو في خطوة تعكس استمرار اعتماد باماكو على المقاربة العسكرية لمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجهها البلاد وتأتي هذه العمليات في سياق أمني شديد التعقيد تشهده مالي منذ سنوات حيث لا تزال مناطق واسعة من الوسط والشمال تواجه نشاطا متزايدا للجماعات المسلحة التي تستفيد من اتساع المجال الجغرافي وصعوبة مراقبة المناطق الحدودية وضعف الحضور المؤسساتي للدولة في بعض المناطق
ركزت العملية على رصد تحركات مجموعات مسلحة واستهداف مواقع تستخدمها للتجمع والتنقل والإمداد وتشير المعطيات المعلنة إلى اعتماد القوات المالية على الاستطلاع وجمع المعلومات قبل تنفيذ الضربات وهو ما يعكس تطورا في طبيعة العمليات العسكرية مقارنة بالعمليات التقليدية التي تعتمد أساسا على الانتشار البري ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في بيئة صحراوية وشبه صحراوية تسمح للجماعات المسلحة باستغلال المسافات الواسعة والممرات غير الخاضعة للرقابة لإعادة الانتشار بعد كل عملية عسكرية
لا تتمثل أهمية عملية دوغوكولوكو في الجانب العسكري وحده بل ترتبط أيضا بمحاولة باماكو إعادة بناء مفهوم السيطرة على المجال الوطني فوجود جماعات مسلحة في مناطق بعيدة عن مراكز السلطة لا يمثل تحديا أمنيا فقط بل يضعف قدرة الدولة على ممارسة وظائفها الأساسية ويخلق مساحات يمكن أن تتداخل فيها الجماعات المسلحة مع شبكات التهريب والجريمة المنظمة والنزاعات المحلية ومن ثم فإن الهدف الاستراتيجي للعمليات يتجاوز القضاء على مواقع محددة ليشمل تقليص المساحات التي تستطيع هذه الجماعات استخدامها للحركة وإعادة التنظيم غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من الضربات العسكرية لأن السيطرة المؤقتة على منطقة لا تعني بالضرورة استعادة الدولة لنفوذها فيها
تعكس العملية توجها واضحا لدى السلطات المالية نحو تعزيز القدرات الوطنية وتقليل الاعتماد على التدخلات الخارجية في إدارة الملف الأمني وقد يمنح هذا التوجه باماكو هامشا أكبر في تحديد أولوياتها العسكرية وفي صياغة سياستها الأمنية بما يتوافق مع رؤيتها للسيادة الوطنية
لكن المقاربة العسكرية تواجه في الوقت نفسه حدودا بنيوية إذ إن الجماعات المسلحة لا تعتمد فقط على السيطرة على مواقع ثابتة وإنما تستفيد من شبكات اجتماعية واقتصادية وجغرافية تسمح لها بإعادة إنتاج نشاطها حتى بعد خسارة بعض مواقعها ولهذا فإن استمرار العمليات دون معالجة العوامل المحلية التي تسمح بإعادة تشكل هذه الجماعات قد يؤدي إلى تكرار دورة الهجوم والتراجع وإعادة الانتشار
تحمل عملية دوغوكولوكو أيضا بعدا إقليميا لأن الوضع الأمني في مالي يرتبط بصورة مباشرة بالتوازنات الأمنية في منطقة الساحل فالمجال الحدودي المفتوح بين دول المنطقة يسمح بانتقال الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة عبر الحدود ويجعل معالجة التهديد داخل دولة واحدة غير كافية للقضاء على مصادره وتسعى باماكو في هذا السياق إلى تعزيز موقعها كطرف أمني مستقل داخل منطقة تشهد تحولات عميقة في طبيعة التحالفات الأمنية والسياسية ويعكس ذلك انتقالا تدريجيا من نموذج يعتمد على الشراكات الأمنية الخارجية إلى نموذج يركز على بناء قدرة عسكرية وطنية قادرة على إدارة المجال الأمني بصورة أكبر
تظهر عملية دوغوكولوكو أن السلطات المالية تعتبر استعادة السيطرة الأمنية أولوية استراتيجية وأن المؤسسة العسكرية أصبحت الأداة الرئيسية لتنفيذ هذه السياسة لكن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بعدد المواقع التي يتم استهدافها أو حجم الخسائر التي تلحق بالجماعات المسلحة بل بقدرة الدولة على تحويل المكاسب العسكرية إلى حضور سياسي ومؤسساتي دائم فاستعادة الأمن تتطلب تثبيت مؤسسات الدولة وتعزيز الخدمات الأساسية ودعم المجتمعات المحلية ومنع تحول الفراغ الأمني إلى بيئة جديدة لإعادة إنتاج الجماعات المسلحة وبذلك تمثل عملية دوغوكولوكو مرحلة من صراع أوسع حول سلطة الدولة في مالي وليس مجرد عملية عسكرية محدودة
ويظل التحدي الأساسي أمام باماكو هو الانتقال من إدارة التهديد المسلح إلى معالجة البيئة التي تسمح باستمراره وهو ما سيحدد في النهاية ما إذا كانت العمليات العسكرية قادرة على إنتاج استقرار مستدام أم أنها ستبقى جزءا من مواجهة أمنية مفتوحة في منطقة الساحل



