أخبار العالمبحوث ودراسات

ليبيا ومحيطها الإقليمي: انعكاسات الأزمة على دول الجوار

بين المتوسط والصحراء تقف ليبيا في قلب مساحة جغرافية تتقاطع فيها طرق التجارة والهجرة وممرات التهريب ومصالح القوى الإقليمية والدولية. لذلك لم يبقِ اضطرابها السياسي والأمني محصوراً داخل حدودها بل امتدت تداعياته إلى الدول المحيطة بها من تونس والجزائر ومصر شمالاً إلى السودان وتشاد والنيجر جنوباً لتصبح الحدود الليبية الممتدة مجالاً تتقاطع فيه تحديات الأمن والاقتصاد والهجرة والجريمة المنظمة.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي لم تتمكن ليبيا من بناء سلطة موحدة تفرض سيطرتها على كامل أراضيها فيما أدى انتشار السلاح وتعدد الجماعات المسلحة والانقسام المؤسساتي والتدخلات الخارجية إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسار التسوية. ومع استمرار الانقسام السياسي وتعثر الانتخابات وجدت دول الجوار نفسها أمام معادلة معقدة: حماية حدودها واحتواء تداعيات الأزمة من جهة والمساهمة في إنهائها من جهة أخرى في ظل اختلاف مصالحها وتداخلها مع حسابات القوى الإقليمية والدولية داخل ليبيا.
فإلى أي مدى امتدت تداعيات الأزمة الليبية إلى دول الجوار؟ وهل تستطيع هذه الدول رغم تباين مصالحها أن تتحول من أطراف تعاني من تداعيات الأزمة إلى قوة إقليمية مساندة لمسار يقود إلى تسوية مستدامة في ليبيا؟


من أزمة داخلية إلى مصدر قلق إقليمي


لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً محصوراً في حدود الدولة الليبية بل تحولت تدريجياً إلى أزمة إقليمية تتقاطع تداعياتها مع المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية لدول الجوار. فمنذ 2011 أدى انهيار مؤسسات الدولة وانتشار السلاح وصعود الجماعات المسلحة إلى إضعاف قدرة السلطة المركزية على فرض سيطرتها على كامل التراب الليبي قبل أن يتعمق الانقسام السياسي والمؤسساتي ويتحول إلى صراع بين مراكز قوى وحكومات متنافسة تداخلت فيه الحسابات المحلية مع مصالح قوى إقليمية ودولية. ومع أن وقف إطلاق النار وضع حداً لمراحل واسعة من الحرب المفتوحة فإنه لم ينهِ الانقسام الأمني والسياسي إذ بقيت المؤسسات منقسمة واستمرت مشكلة توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية فيما ظلت العملية الانتخابية متعثرة لسنوات. وحتى في عام 2026 ما زالت الأمم المتحدة تتحدث عن الحاجة إلى توحيد المؤسسات ومعالجة الانقسام السياسي والأمني رغم إحراز تقدم حديث في خارطة الطريق الانتخابية.

مظاهر تأثير الأوضاع في ليبيا على دول الجوار

جعلت الازمة في ليبيا الحدود الليبية الطويلة والمفتوحة نسبياً نقطة تماس مباشرة مع محيطها.
فتونس بحكم حدودها البرية والروابط الاقتصادية والاجتماعية العميقة مع ليبيا كانت من أكثر الدول تأثراً بالاضطراب الليبي إذ انعكست الأزمة على حركة الأشخاص والتجارة والمعابر الحدودية كما فرض تدفق الليبيين إلى الأراضي التونسية أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية إضافية خاصة وأن تونس الدولة الوحيدة التي أبقت على حدودها مفتوحة مع ليبيا حيث اتجه آنذاك أكثر من مليوني لاجئ ليبي إلى الاراضي التونسية. وفي الوقت نفسه أثارت هشاشة الحدود مخاوف تونس من انتقال الجماعات المسلحة والشبكات المتطرفة خاصة داعش والجريمة المنظمة و في المقابل فإن اعتماد مناطق حدودية تونسية في الجنوب الشرقي بالخصوص على المبادلات مع ليبيا جعل من استقرار الجارة الشرقية مسألة ذات صلة مباشرة بالاقتصاد المحلي التونسي. ويؤكد البنك الدولي أن الروابط الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بين ليبيا وتونس والجزائر ومصر تجعل اضطراب الوضع في بنغازي وطرابلس محسوساً في عواصم دول الجوار من خلال تنامي الظواهر الاجرامية المتمثلة في التجارة غير الرسمية وتهريب السلع و حتى البشر
أما الجزائر فقد وجدت نفسها أمام تحدي تأمين حدود صحراوية شاسعة مع دولة تعاني من هشاشة أمنية خصوصاً مع ارتباط الجنوب الليبي بمجالات الساحل والصحراء التي تنشط فيها شبكات التهريب والجماعات المسلحة
و يمكن تلخيص أهم التحديات التي تواجهها الجزائر جراء الازمة الليبية اللامتناهية في اولا تحمل الدولة الجزائرية عبئا أمنيا ضخما نتيجة طول حدودها البرية مع ليبيا في ظل غياب تام للتغطية الامنية و العسكرية من الجانب الليبي الذي اصبح بالتالي مصدرا للتهديد اما ثانيا فتعد تجارة السلاح و تهريبه جزء هام من التحديات التي تواجه الجزائر باعتبارها دولة مجاورة حيث خلق الانفلات الامني في ليبيا مجالا مفتوحا لتهريب السلاح خاصة بعد نهب مخازن السلاح من قبل الميليشيات الليبية المسلحة و هو الامر الذي اصبح يهدد الامن القومي لدول شمال افريقيا بأكملها و قد تمكن الجيش الجزائري في عدة مناسبات من إحباط بعض المحاولات التي تستهدف نقل و تهريب السلاح إلى الاراضي الجزائرية
وثالثا يعد تزايد تهديدات الجماعات الارهابية تحديا هاما للجزائر تمثلت خاصة في تهديدات داعش حيث أصبحت ليبيا في فترة ما عامل جذب للمقاتلين الاجانب من مختلف الجنسيات الذين تم استقطابهم من قبل المنظمات الارهابية مما يضاعف المخاوف من توغل هذه المنظمات و امتدادها الى كافة دول الجوار بما فيهم خاصة الجزائر
وبالنسبة إلى مصر ارتبط الملف الليبي بصورة مباشرة بأمن الحدود الغربية وبالمعادلات العسكرية والسياسية في شرق ليبيا فضلاً عن المصالح الاقتصادية والطاقة حيث لم تسلم مصر كذلك من تحولات الازمة في ليبيا التي اثرت بشكل مباشر على الامن القومي المصري نتيجة للتداخل الجغرافي و الاجتماعي و التاريخي بين البلدين و قد واجهت مصر هي الاخرى انماط مختلفة من التهديدات الامنية المرتبطة بالصراع الليبي كانتشار التنظيمات الارهابية و تهريب السلاح عبر الحدود و قد أظهرت الدراسات أن مصر طورت استراتيجيات امنية و عسكرية على عدة مستويات شملت تعزيز المراقبة الحدودية وزيادة التعاون الاستخباراتي والامني و تبنت بذلك مقاربة وقائية تمنع انتقال حالة الفوضى الى الداخل المصري .
أما في الجنوب فقد جعلت هشاشة الحدود مع السودان وتشاد والنيجر الأزمة الليبية جزءاً من شبكة أوسع من الأزمات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء فالحرب السودانية التي اندلعت عام 2023 زادت من تعقيد المشهد في حين تداخلت حركة الجماعات المسلحة وشبكات تهريب السلاح والمهاجرين عبر المجال الممتد من ليبيا إلى تشاد والنيجر والسودان. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن عدم تأمين الحدود الجنوبية لليبيا إلى جانب الصراعات في السودان وتشاد ومنطقة الساحل يزيد من قابلية المنطقة لاستغلالها من قبل شبكات إجرامية وجماعات مسلحة

انعكاس الازمة على الاوضاع الاقتصادية لدول الجوار.

لا تقتصر التداعيات على الجانب الأمني فـالاقتصاد والهجرة غير النظامية والتهريب أصبحت بدورها امتدادات للأزمة. فليبيا تمثل نقطة عبور رئيسية على طرق الهجرة نحو المتوسط كما ساهم ضعف الرقابة الحدودية وتعدد مراكز القوة في خلق بيئة مواتية لنشاط شبكات التهريب و بالتالي ظهور و توسع الاسواق الموازية في دول الجوار خارج الاطر القانونية في تهديد صارخ للاقتصاد المحلي بما يزيد الضغط الاقتصادي على هذه الدول . وفي المقابل ترتبط الاقتصادات الحدودية في دول الجوار بحركة السلع والطاقة والأشخاص مع ليبيا ما يجعل استمرار الاضطراب الليبي عاملاً مؤثراً في التجارة والأسواق المحلية وفي حركة العمالة. ومن هنا فإن الأزمة الليبية لا تنتقل إلى دول الجوار بالضرورة عبر مواجهة عسكرية مباشرة وإنما أيضاً عبر الحدود غير الآمنة، والهجرة والجريمة المنظمة، والتهريب، واضطراب وانتقال تداعيات الصراعات الليبية الى ما جاورها .

دول الجوار بين احتواء الأزمة والتأثر بها


مبررات ضرورة مساهمة دول الجوار في وضع حد للأزمة الليبية

وأمام هذه التداعيات حاولت دول الجوار الدفع باتجاه تسوية سياسية تحافظ على وحدة ليبيا ومؤسساتها، انطلاقاً من أن استقرارها يمثل جزءاً من أمن المنطقة. إلا أن قدرة هذه الدول على التأثير ظلت مرتبطة بتباين حساباتها الوطنية وبالتنافس الإقليمي والدولي حول ليبيا فالموقع الجغرافي للبلاد الذي يصل شمال أفريقيا بمنطقة الساحل والصحراء ويمنحها منفذاً واسعاً على المتوسط إلى جانب ثروتها النفطية جعلها مجالاً لتنافس قوى خارجية ذات مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية مختلفة. ولذلك لم يكن التدخل الخارجي عاملاً منفصلاً عن الأزمة الداخلية بل أصبح في مراحل مختلفة جزءاً من معادلة الصراع نفسها خصوصاً مع حصول أطراف ليبية على دعم سياسي وعسكري من قوى خارجية. وتقر الأمم المتحدة اليوم بأن التدخل الخارجي عبر تمويل الجماعات المسلحة ودعم أطراف سياسية متنافسة، إلى جانب وجود مقاتلين ومرتزقة أجانب ما زال من التحديات التي تعرقل توحيد المؤسسات الأمنية الليبية
ومن ثم فإن الدور الذي تستطيع دول الجوار القيام به لا يقتصر على حماية حدودها من تداعيات الأزمة بل يمكن أن يتحول إلى عامل دفع نحو التسوية إذا توحدت مواقفها حول دعم المسار السياسي الليبي ورفض تحويل الأراضي الليبية إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية وتعزيز التعاون الحدودي في مواجهة التهريب والإرهاب والجريمة المنظمة ودعم توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. وقد أصبح هذا البعد الإقليمي حاضراً في المسار الأممي نفسه الذي دعا إلى تعزيز الانخراط الإقليمي لمساعدة الأطراف الليبية على تجاوز خلافاتها والعمل نحو إعادة توحيد المؤسسات


محاولات جماعية خجولة لتسوية الوضعية في ليبيا.

مع تطور التهديد القادم من ليبيا بدأت دول الجوار في السعي إلى الاتحاد و تنسيق مواقفها و القيام بمبادرات جماعية بهدف دعم المسار السياسي و منع امتداد الصراع الى المنطقة نذكر من بين هذه المحاولات الالية الثلاثية بين مصر و الجزائر و تونس التي تم تدشينها سنة 2018 و توقفت سنة 2019 و قد عقد في 2025 وزراء خارجية الدول الثلاث اجتماعا في القاهرة لاستئناف التشاور حول الازمة الليبية هذا بالاضافة الى اجتماع سنة 2021 الذي تم في الجزائر بمشاركة تونس و مصر و السودان وتشاد الى جانب ليبيا و الجزائر بحضور ممثلين عن الامم المتحدة و الاتحاد الافريقي و جتمعة الدول العربية و ركز الاجتماع على تنسيق الجهود لايجاد حل دائم للازمة و دعم استقرار ليبيا و توحيد مؤسساتها السيادية على الرغم من جدية الحلول المطروحة في مختلف الاجتماعات لدول الجوار الا انها لا تتعدى كونها شعارات او عبارات نظرية لم تترجم الى مواقف سياسية مؤثرة او حلول واقعية مجدية
و لعل الجدير بالملاحظة في هذا السياق هو كون صعوبة توحيد مواقف دول الجوار تجاه الازمة الليبية لا تكمن في في غياب الادراك لخطورة تداعياتها بقدر ما تكشف تعارض المصالح و الحسابات الاستراتيجية لكل دولة فليبيا تمثل بالنسبة الى هذه الدول مجالا امنيا و جيوسياسيا مهم و بالرغم من حرص هذه الدول على ضرورة انهاء الانقسام الا ان اولوياتها المتعارضة و اختلاف اصطفافاتها الاقليمية مع ذلك قد تحول دون اقرار موقف سياسي موحد قادر على فرض التسوية
وبذلك يكشف تعثر دول الجوار في بناء موقف موحّد تجاه الأزمة الليبية عن تضارب واضح في حساباتها ومصالحها إذ لم تتعامل جميعها مع الانقسام الليبي باعتباره تهديداً مشتركاً بالدرجة نفسها. وتبرز مصر تحديداً التي دعمت خلال مراحل الصراع قوات خليفة حفتر في الشرق إلى جانب الإمارات وروسيا، بينما دعمت تركيا حكومة الوفاق والقوى العسكرية المرتبطة بها في الغرب كما ارتبطت أدوار فرنسا وروسيا بدعم معسكر الشرق بدرجات مختلفة. وبذلك تحولت ليبيا إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية ولم يقتصر استغلال الانقسام على استمالة الجماعات والسلطات الليبية بل امتد إلى توظيف البيئة الجغرافية لدول الجوار نفسها فحركة المقاتلين والمرتزقة وشبكات السلاح والتهريب عبر السودان وتشاد والنيجر ومصر وغيرها جعلت الحدود الإقليمية جزءاً من مسرح الصراع في حين استفادت قوى خارجية من هذه الشبكات ومن هشاشة دول الساحل لتأمين مقاتلين وإمدادات ونفوذ داخل ليبيا. ومن ثم فإن استمرار الانقسام الليبي لا يرتبط فقط بعجز الأطراف الداخلية عن التوافق وإنما أيضاً بتعدد القوى الخارجية التي وجدت في الانقسام وسيلة للحفاظ على مواقع نفوذها وهو ما جعل دول الجوار رغم تضررها جماعياً من الفوضى تتحرك وفق أولويات وطنية متباينة فتتقارب أحياناً وتتنافس أحياناً أخرى بما أضعف قدرتها على تشكيل جبهة إقليمية موحّدة لإنهاء الأزمة


تبدو معادلة ليبيا مرتبطة بدائرة إقليمية متشابكة فكلما طال الانقسام داخل ليبيا اتسعت مساحة التدخل الخارجي والتهريب والجريمة وعدم الاستقرار على الحدود وكلما تزايد اضطراب محيطها الإقليمي أصبحت مهمة بناء دولة ليبية موحدة أكثر تعقيداً. ومن هنا يبرز السؤال: هل تستطيع دول الجوار الانتقال من موقع الدول المتأثرة بتداعيات الأزمة الليبية إلى موقع الأطراف القادرة على الدفع نحو تسوية تنهي الانقسام وتحافظ على استقرار المنطقة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق