أخبار العالم

قمة نيودلهي 2026 : ماذا تخبئ بريكس للعالم ؟

 

قمة بريكس في نيودلهي : استشراف لأبرز القضايا المرتقب طرحها.

أفادت وزارة الخارجية الهندية بأن القمة الثامنة عشر لقادة مجموعة بريكس ستعقد في نيودلهي يومي 12 و 13 سبتمبر 2026 تزامنا مع الذكرى ال20 لتأسيس المجموعة، و تنعقد القمة تحت شعار “بناء القدرة على الصمود و الابتكار و التعاون و الاستدامة ” في محطة مفصلية في مسار المجموعة التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعا لافتا عزز حضورها على الساحة الدولية .

و تكتسب قمة بريكس 2026 أهمية بالغة بالنظر إلى انعقادها في ظل تحولات جيوسياسية و اقتصادية متسارعة و تصاعد النقاش حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي و تنعكس هذه الأهمية على الملفات المرتقب طرحها و في مقدمتها تعزيز استخدام العملات المحلية و تقليص الاعتماد على المنظومة المالية الغربية ، و لا يتعلق الأمر بمجرد البحث عن بديل للدولار بقدر ما يعكس توجها أوسع نحو بناء قدر أكبر من الاستقلالية المالية لدول الجنوب العالمي و هو مسار يرتبط أيضا بدور بنك التنمية الجديد التابع لبريكس في تمويل مشاريع البنية التحتية و التنمية و يبقى نجاح هذا التوجه رهين قدرة الأعضاء على تجاوز الاختلافات الاقتصادية .

و من أبرز الاخبار الحالية أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يُتوقع أن يحضر قمة بريكس في نيودلهي بوفد كبير في أول زيارة له إلى الهند منذ سبع سنوات وفق مصادر نقلتها رويترز ، في أحدث مؤشر على تحسن العلاقات بين البلدين المتنافسين خاصة بعد الاشتباكات الحدودية الدامية التي وقعت سنة 2020.

ووفقا لتصريحات محافظ البنك المركزي الايراني  عبد الناصر همتي تتقدم إيران نحو الانضمام قريبا  إلى بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة بريكس، سعيا منها إلى أن تصبح عضوا مساهما في بنك التنمية الجديد ، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية والقيود الدولية المشددة التي تحول دون وصولها إلى النظام المالي الدولي ،  أما بالنسبة إلى بريكس يضيف انضمام إيران بعدا جديدا إلى جهود توسيع نفوذ المجموعة في الشرق الأوسط و آسيا ، فإيران تتمتع بعلاقات واسعة مع عدد من أعضاء بريكس كما تشغل موقعا مهما على طرق التجارة و الطاقة التي تربط آسيا بأوروبا و الشرق الأوسط، و قد يمنح وجودها داخل البنك فرصا لتعزيز مشاريع الربط الإقليمي بما في ذلك الممرات التجارية و شبكات النقل و الطاقة

 بريكس أمام مرحلة جديدة

بدأت بريكس كإطار يضم 4 دول و هي البرازيل و روسيا و الهند و الصين ، قبل أن تنضم جنوب أفريقيا سنة 2010 و يصبح اسمها الكامل بريكس، ورغم حداثة عهد مجموعة بريكس قلّة عدد أعضائها مقارنة بنظرائها من التكتلات الاقتصادية الأخرى  كالاتحاد الأوروبي وآسيان، أصبحت بريكس أحد أهم التكتلات الاقتصادية في العالم، نظراً للثقل الاقتصادي لدولها و بالنظر لما تتمتع به من إمكانات بشرية وصناعية وزراعية، بما جعل قرارارتها تحظى باهتمام كبير وتأثير عالمي.

هذا و قد شهدت مجموعة بريكس توسعا كبيرا خلال السنوات الأخيرة  الفارطة وذلك بانضمام دول جديدة إليها من بينها مصر و إثيوبيا و الإمارات و السعودية و إيران سنة 2024 ثم انضمت اندونيسيا سنة 2025 ليصبح العدد الكامل لأعضاء مجموعة بريكس 11 عضوا .

هذا التوسع جعل قمة نيودلهي مختلفة عن قمم بريكس الأولى فالمجموعة لم تعد مجرد تجمع لخمس اقتصادات ناشئة

إنما أصبحت اطارا أوسع للتنسيق بين دول ترى أن النظام الدولي يحتاج إلى تمثيل أكبر للقوى الصاعدة و الجنوب العالمي .

و لكن السؤال المطروح في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية هل أصبح توسع بريكس مصدر قوة للمجموعة أم مصدرها لهشاشتها؟ 

 

قمة نيودلهي اختبارا حقيقيا لبريكس

أهمية قمة بريكس 2026 لا تكمن فقط في عدد الدول المشاركة أو حجم اقتصاداتها، وإنما في قدرتها على تحويل الخطاب السياسي إلى مؤسسات وآليات اقتصادية عملية، فإذا تمكنت الدول الأعضاء من تحقيق تقدم فعلي في ربط أنظمة الدفع، وزيادة استخدام العملات المحلية، وتوسيع تمويل التجارة, وإنشاء سلاسل إنتاج مشتركة، فإن بريكس ستقترب خطوة إضافية من التحول إلى قوة اقتصادية مؤثرة في النظام العالمي.

أما إذا ظلت القرارات في إطار البيانات السياسية العامة، فإن التوسع الكبير للمجموعة لن يتحول بالضرورة إلى نفوذ اقتصادي مماثل خصوصًا أن المجموعة تضم قوى ذات مصالح وتحالفات متباينة, فالتوترات بين الهند والصين، والحرب الروسية في أوكرانيا والتصعيد المرتبط بإيران والشرق الأوسط، تضع أعضاء المجموعة أمام ملفات يصعب توحيد مواقفهم بشأنها.

 وقد ظهر هذا التباين بالفعل في اجتماعات وزراء خارجية بريكس في نيودلهي الذين لم ينجحوا في اصدار بيان مشترك مما دفع الهند المستضيفة للقمة الى الاكتفاء ببيان رئاسي كشف خلافاتهم، حيث ألقت حرب إيران بظلالها على النقاشات فمن جهة طالبت إيران بإدانة الحرب الامريكية-الاسرائيلية عليها كما نفت وجود خلاف مع بعض أعضاء بريكس كما أكدت على أن الإمارات العربية المتحدة لم تكن هدفها في الحرب الحالية و إنما استهدفت فقط القواعد و المنشآت العسكرية الامريكية الموجودة على أراضيها ، و من جهة أخرى جاء في البيان أن وزراء مجموعة «بريكس» «شددوا ⁠على أن ⁠قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة». وأكدوا أهمية توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت السلطة الفلسطينية، وجددوا تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وأشار البيان إلى أن أحد الأعضاء أبدى تحفظات على بعض جوانب البند المتعلق بغزة، دون أن يسميه

و هو ما يبرز  حجم التباينات داخل بريكس و خاصة اختلاف مواقف أعضاء المجموعة  حول عديد القضايا لا سيما أيضا مسألة الحرب الاوكرانية و الروسية فقد كشفت بدورها تباينًا في حسابات الأعضاء بين من يسعى إلى تقليص الهيمنة الغربية ومن يفضل الحفاظ على مسافة متوازنة بين موسكو والغرب. وبذلك، لا تواجه قمة دلهي تحدي توسيع التعاون فحسب، وإنما تحدي إدارة شبكة معقدة من المصالح المتعارضة دون أن تتحول بريكس إلى إطار فضفاض تضعف داخله الخلافات قدرة المجموعة على اتخاذ مواقف مشتركة ، الشيء الذي يعكس صعوبة تحويل بريكس إلى كتلة قادرة على صياغة مواقف جيوسياسية موحدة و ذلك يشكل اختبارا حقيقيا لتماسك المجموعة .

الرهانات الرئيسية لقمة بريكس 2026

يمكن اختزال الرهانات الرئيسية للقمة في أربعة مسارات أساسية:

أولًا، دفع التجارة البينية بين دول المجموعة نحو مزيد من النمو، عبر الحد من العوائق أمام حركة السلع والخدمات.

ثانيًا، توسيع الاعتماد على العملات المحلية وآليات الدفع البديلة، بما يساهم في خفض تكاليف المعاملات عبر الحدود.

ثالثًا، تعزيز الاستثمارات المشتركة في قطاعات استراتيجية، تشمل الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

رابعًا، ترسيخ حضور دول الجنوب العالمي في المؤسسات الدولية، والمساهمة بصورة أكبر في صياغة قواعد الاقتصاد العالمي.

التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي تحت قمة نيودلهي

ولا تقتصر أهمية قمة دلهي على الملفات الاقتصادية والجيوسياسية، إذ يُنتظر أن تفتح التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جبهة جديدة للتعاون بين دول بريكس، في ظل التحول المتسارع نحو اقتصاد رقمي أصبحت فيه البيانات والقدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي عناصر من القوة والنفوذ الدولي. وتسعى المجموعة إلى تعزيز التعاون في مجالات البحث والابتكار، وتبادل الخبرات والتقنيات، وتقليص الفجوة الرقمية بين دولها، بما يمنح دول الجنوب العالمي حضورًا أكبر في رسم قواعد التكنولوجيا العالمية. كما يطرح هذا المسار أسئلة تتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، وضرورة ألا تبقى معايير هذه التقنيات حكرًا على القوى التكنولوجية الكبرى. ومن هنا، قد تكون القمة فرصة أمام بريكس للانتقال من مجرد المطالبة بإصلاح النظام الاقتصادي العالمي إلى المشاركة في صياغة قواعد النظام التكنولوجي الذي يتشكل اليوم.

خلاصة ، تبدو قمة دلهي محطة مفصلية لبريكس، فهي تجمع بين رهان اقتصادي على توسيع التجارة والاستثمار، وطموح جيوسياسي لتعزيز صوت الجنوب العالمي، وتحدٍّ تكنولوجي يفرض نفسه مع صعود الذكاء الاصطناعي، في وقت تختبر فيه الخلافات بين أعضائها مدى قدرتها على الحفاظ على تماسكها. وبين طموح بناء قوة دولية أكثر تأثيرًا وتناقض المصالح داخلها، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح بريكس في تجاوز هذه الخلافات ، أم سيكشف توسعها عن هشاشة اكبر في تماسكها ؟ الإجابة ستحددها مخرجات قمة دلهي و ما ستسفر عنه من قرارات و مواقف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق