أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

ترامب يضع إيران أمام ثلاثة مسارات: التصعيد، الخنق الاقتصادي أم صفقة تنهي الحرب

لم يعد السؤال الأميركي بشأن إيران محصوراً في كيفية مواصلة الحرب، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالخطوة التالية: هل تذهب واشنطن نحو تصعيد عسكري واسع، أم تواصل الضغط الاقتصادي، أم تعود إلى طاولة التفاوض؟

هذا هو الإطار الذي وضعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أحدث تصريحاته، عندما قال إنه في “مرحلة اتخاذ القرار” بشأن إيران، متحدثاً عن “أمور كبيرة” قد تحدث في المستقبل القريب، ومشيراً إلى ثلاثة مسارات محتملة: القضاء على إيران، ترك اقتصادها يواصل التدهور تحت الضغط، أو التوصل إلى اتفاق.

التصريح، بصيغته الحادة، لا يمثل إعلاناً عن قرار عسكري نهائي، كما أنه لا يعني أن اتفاقاً سياسياً بات قريباً. لكنه يكشف بوضوح أن الإدارة الأميركية تتحرك بين ثلاثة أدوات متوازية: القوة العسكرية، الضغط الاقتصادي، والتفاوض، وأن القرار بشأن أي منها سيأخذ الأولوية لم يُحسم علناً حتى الآن.

وفي المقابل، تقدم طهران صيغة مختلفة تماماً: لا عودة إلى المفاوضات من دون شروط مسبقة تتعلق بوقف الحرب، وإنهاء الحصار البحري، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ووقف التدخل الأميركي والهجمات على الأراضي الإيرانية.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية: واشنطن تريد أن تجعل الضغط مدخلاً إلى التفاوض، بينما تريد طهران أن يصبح وقف الضغط مدخلاً إلى التفاوض.

 ترامب يفتح الخيارات الثلاثة

في حديثه مع “فوكس نيوز”، قال ترامب إنه في “مرحلة اتخاذ القرار” بشأن إيران، وإن “أموراً كبيرة جداً” قد تحدث قريباً. وعندما سُئل عن الخيارات المطروحة، تحدث عن ثلاثة مسارات: القضاء على إيران، السماح باقتصادها بأن يتدهور تحت الضغط، أو إبرام اتفاق.

كما استخدم ترامب لغة شديدة التصعيد عندما قال، في معرض حديثه عن سلوكه المحتمل تجاه إيران، ما معناه: إذا كان سيتخذ قراراً بتدمير البلد بأكمله، فعلى الإيرانيين أن يتصرفوا بشكل لائق.

لكن التعامل مع هذا الكلام يحتاج إلى قدر من التحفظ، فالتصريحات الرئاسية، مهما بلغت حدتها، لا تساوي بالضرورة قراراً عسكرياً اتُخذ داخل مؤسسات الدولة. والأدق في هذه المرحلة هو اعتبار كلام ترامب إشارة سياسية وضغطاً تفاوضياً وتهديداً ردعياً إلى أن تظهر مؤشرات عملية تثبت الانتقال إلى خيار عسكري محدد.

وهذا مهم خصوصاً في حالة ترامب، الذي استخدم خلال الأشهر الماضية لغة متغيرة تجاه الحرب، فانتقل في فترات مختلفة بين الحديث عن قرب انتهائها، والضغط على إيران، والتهديد بتصعيد واسع. وبالتالي، فإن معيار الحكم على الاتجاه الأميركي لا ينبغي أن يكون التصريح وحده، وإنما ما يرافقه من قرارات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية.

الأحداث الكبرى”… ما الذي يعرفه ترامب وما الذي لا نعرفه؟

تحدث الرئيس الأميركي عن احتمال وقوع “أمور كبيرة” خلال المستقبل القريب، لكنه لم يقدم تفاصيل تسمح بتحديد المقصود. وهنا يجب عدم ملء الفراغ بالتكهنات، فلا توجد، وفق المعلومات العلنية المتاحة حتى الآن، قاعدة كافية للقول إن ترامب كان يشير تحديداً إلى ضربة عسكرية جديدة، أو عملية تفاوضية، أو تطور يتعلق بمضيق هرمز.

وفي المقابل يجب ان ننتبه الى التوقيت الذي نعتبره ليس عادياً، فالولايات المتحدة تدخل أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة فيما الأزمة الإيرانية لا تزال مفتوحة، فيما حصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وأعضاء الوفد الإيراني الأساسي على تأشيرات للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك.

وبذلك تجتمع في نيويورك، للمرة الأولى منذ تصاعد الأزمة الحالية، قناة سياسية محتملة مع إيران إلى جانب اجتماعات أميركية مع حلفاء وشركاء إقليميين.

 لقاء ترامب وبزشكيان: احتمال سياسي وليس اتفاقاً مسبقاً

أشار ترامب إلى أنه سيكون على الأرجح منفتحاً على لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لكن الصياغة هنا مهمة: الحديث يتعلق بالاستعداد للقاء واحتماله، وليس عن اجتماع تم الاتفاق عليه نهائياً. فقد نقل مراسل “فوكس نيوز” أن ترامب قال إنه “ربما” يكون منفتحاً على لقاء بزشكيان.

وجود بزشكيان في نيويورك يوفر، في حد ذاته، فرصة لاتصال سياسي مباشر، لكنه لا يعني أن الخلافات الأساسية تراجعت.

فالطرفان لا يزالان مختلفين حول شروط وقف الحرب، والعقوبات، والحصار البحري، والأموال الإيرانية المجمدة، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

لذلك فإن أي لقاء محتمل سيكون مهماً أساساً لأنه يسمح باختبار مدى وجود مساحة تفاوض حقيقية، وليس لأنه يمثل تلقائياً بداية اتفاق.

 إيران ترد بشروط… وهنا تظهر الفجوة

في الجانب الإيراني، أعلن محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن طهران نقلت إلى واشنطن شروطها لاستئناف المفاوضات عبر وسطاء قطريين، وقال إن إيران قدمت سبعة شروط.

وتتمثل الشروط في التالي:

  1. 1. إنهاء الحرب على جميع الجبهات، وخصوصاً الجبهة اللبنانية.
  2. 2. الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
  3. 3. إنهاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
  4. 4. وقف التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية الإيرانية.
  5. 5. وقف التعاون الأميركي مع الجهات التي تصفها طهران بالمعارضة للثورة.
  6. 6. وقف جميع الهجمات الأميركية على الأراضي الإيراني.

 مضيق هرمز يدخل مباشرة في المعادلة

لا تنفصل الشروط الإيرانية عن ملف مضيق هرمز، فوفق التصريحات الإيرانية الأخيرة، فإن إعادة فتح المضيق والعودة إلى الوضع السابق للمفاوضات مرتبطتان بتنفيذ الالتزامات التي تطالب بها طهران.

كما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن المضيق سيبقى مغلقاً إلى أن تُنفذ الالتزامات الأميركية ويجري الاعتراف بما تعتبره إيران حقوقها المشروعة.

وهذا يحول هرمز من مجرد ملف عسكري إلى ورقة تفاوضية واقتصادية مباشرة، فالمضيق ليس مسألة إيرانية ـ أميركية فقط؛ بل يرتبط بحركة الطاقة والتجارة البحرية العالمية. ولذلك فإن استمرار الأزمة فيه يرفع كلفة المواجهة على أطراف عديدة، بما فيها الدول الخليجية والأسواق الدولية.

وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الأزمة وضوحاً: كلما اتسع استخدام أدوات الضغط، ازدادت في الوقت نفسه احتمالات ارتفاع كلفة الحرب على الأطراف التي تحاول واشنطن حمايتها.

 الخيار العسكري: أقصى الضغط وأعلى المخاطر

الخيار الذي يلمح إليه ترامب بتدمير إيران أو “القضاء عليها” يمثل أقصى درجات التصعيد، لكن بين التهديد بتنفيذ ضربة وبين القدرة على تحقيق نتيجة سياسية مستقرة فرق كبير، فالولايات المتحدة تستطيع استخدام قدراتها العسكرية لضرب أهداف محددة، لكن تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية أكثر تعقيداً. كما أن أي توسع في العمليات قد يفتح جبهات إضافية ويؤثر في الملاحة والطاقة والقواعد الأميركية في المنطقة.

ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربة أقوى؟ بل: ما النتيجة السياسية التي تريد واشنطن تحقيقها بعد الضربة، وكيف تمنع اتساع الصراع وتحافظ على مصالحها وحلفائها إذا لم تؤد الضغوط إلى قبول إيراني بالشروط الأميركية؟

هذه هي النقطة التي تجعل الخيار العسكري مختلفاً عن مجرد عملية عسكرية ناجحة من الناحية التكتيكية.

 الضغط الاقتصادي: أداة مستمرة وليست حلاً تلقائياً

المسار الثاني الذي طرحه ترامب هو مواصلة الضغط على الاقتصاد الإيراني، وهذا المسار قائم بالفعل ضمن السياسة الأميركية، وليس خياراً نظرياً جديداً. وقد واصلت إدارة ترامب استخدام أدوات اقتصادية وضغوط مرتبطة بالطاقة والتجارة، بينما عرض ترامب نفسه خلال سبتمبر صوراً وتقديرات بشأن تدهور الاقتصاد الإيراني، لكن الضغط الاقتصادي لا يملك نتيجة سياسية آلية.

قد يؤدي إلى تقليص الموارد وزيادة كلفة الحرب، لكنه قد يدفع الدولة المستهدفة أيضاً إلى البحث عن قنوات بديلة للتجارة والتمويل، أو إلى زيادة الاعتماد على شركاء آخرين.

كما أن تأثيره لا يقتصر على إيران، فارتفاع مخاطر الملاحة والطاقة يمكن أن ينعكس على الأسعار والأسواق الدولية، ما يعني أن جزءاً من تكلفة هذه الاستراتيجية قد ينتقل إلى الاقتصاد العالمي.

 الخيار الثالث: اتفاق… ولكن بأي شروط؟

أما الاتفاق، فهو المسار الوحيد الذي يمكن أن ينهي الحرب من دون استمرار استنزاف عسكري واقتصادي مفتوح، لكنه في الوقت نفسه الأكثر تعقيداً من الناحية السياسية، فالخلاف لا يتعلق بموضوع واحد.

هناك الحرب نفسها، والحصار البحري، ومضيق هرمز، والأموال المجمدة، والعقوبات، والبرنامج النووي، والسيادة وعدم التدخل، إضافة إلى الترتيبات الأمنية الإقليمية.

وتكشف الشروط الإيرانية الحالية أن طهران لا تتعامل مع التفاوض باعتباره عودة بسيطة إلى الصيغة السابقة، بل تريد تحويل نتائج الحرب وموازين الضغط الحالية إلى عناصر تفاوضية.

وفي المقابل، فإن واشنطن لا تبدو مستعدة، وفق مواقفها المعلنة، للعودة إلى التفاوض من دون الاحتفاظ بأوراق الضغط التي بنتها خلال الصراع. وهذا يعني أن المشكلة ليست في وجود قناة تفاوضية من حيث المبدأ، وإنما في **نقطة البداية التي يريد كل طرف أن تنطلق منها المفاوضات.

نيويورك: دبلوماسية وسط أزمة مفتوحة

تكتسب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام أهمية إضافية بسبب تزامنها مع الأزمة الإيرانية. فترامب سيجتمع خلال الأسبوع مع قادة من بريطانيا واليابان ودول مجلس التعاون الخليجي، كما يتوقع أن يلتقي القيادة الفنزويلية خلال وجوده في نيويورك. وتؤكد التقارير الأميركية أن ملف إيران سيكون حاضراً في عدد من هذه الاتصالات، خصوصاً في الاجتماعات مع دول الخليج.

وهذا يعني أن واشنطن لا تتعامل مع الملف الإيراني في مسار ثنائي فقط. فأي قرار أميركي بشأن إيران ستكون له انعكاسات مباشرة على الدول الخليجية، وعلى أمن الملاحة، وأسواق الطاقة، وانتشار القوات الأميركية في المنطقة.

أما بالنسبة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فلا ينبغي إدراج اجتماع محتمل معه ضمن الاجتماعات المؤكدة ما لم يصدر تأكيد رسمي واضح.

 أين تقف الأزمة الآن؟

المشهد الحالي لا يشير إلى حسم واضح لأي من المسارات الثلاثة، ترامب يلوّح بخيار التصعيد، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام الاتفاق، وإيران ترفض، في المقابل، العودة إلى التفاوض من دون شروط، لكنها لا تغلق الباب أمام الوساطة أو القنوات السياسية. وقد نقلت شروطها إلى واشنطن عبر قطر، فيما قالت إنها تنتظر الرد الأميركي.

وهذا السلوك المتزامن يكشف شيئاً مهماً: الحرب والدبلوماسية تسيران في الوقت نفسه، وليس بالضرورة أن تكون إحداهما بديلاً عن الأخرى، فكل طرف يستخدم أدوات القوة لتحسين موقعه قبل أي تفاوض محتمل.

الخلاصة

تصريحات ترامب الأخيرة لا تقدم قراراً أميركياً نهائياً بقدر ما تكشف عن مفترق طرق حقيقي في السياسة الأميركية تجاه إيران.

الخيار العسكري موجود في الخطاب الأميركي وبدرجة غير مسبوقة من الحدة، والضغط الاقتصادي مستمر، فيما تبقى إمكانية الاتفاق قائمة رغم اتساع الفجوة بين مواقف الطرفين.

وفي الجهة المقابلة، لا تبدو إيران مستعدة للعودة إلى المفاوضات من دون مقابل. شروطها المعلنة تربط أي عودة إلى المسار السياسي بوقف الحرب والحصار والإفراج عن الأموال ووقف الهجمات والتدخل الأميركي.

أما الحديث عن “سبعة شروط” فيحتاج إلى الدقة نفسها التي يقتضيها التعامل مع تصريحات ترامب: الرقم أعلنته طهران عبر رضائي، لكن التفاصيل المنشورة علناً تضمنت ستة بنود واضحة؛ ولذلك ينبغي عدم تقديم شرط سابع غير موثق باعتباره حقيقة.

المرحلة المقبلة، وخصوصاً خلال اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك، قد تكون اختباراً مهماً لما إذا كان الطرفان يريدان فعلاً الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية.

لكن حتى الآن، لا توجد معطيات كافية للقول إن واشنطن اختارت الحرب الشاملة، أو أن طهران قبلت بتسوية، أو أن لقاء ترامب وبزشكيان سيقود إلى اتفاق.

المؤكد فقط أن الضغط والتفاوض يتحركان في المسار نفسه، وأن كلا الطرفين يحاول الدخول إلى أي تفاوض محتمل من موقع قوة لا من موقع تنازل. وهذا هو العامل الذي سيحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً جديداً، أم ترتيبات مؤقتة، أم مفاوضات حقيقية تنتهي باتفاق أوسع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق