أدب الإنترنت الصيني يعيد تشكيل المشهد الإبداعي العالمي

اعداد شيا يوان يوان: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 25-06-2026
بعد أكثر من عشرين عاما من التطور، تجاوز أدب الإنترنت الصيني حدود القراءة الفردية، وصار ظاهرة ثقافية عالمية بارزة، إذ لا تقتصر شعبيته على جذب عشاق القصص الصينية فحسب، وإنما أيضا نموذجه المبتكر لسلسلة الصناعة الكاملة للملكية الفكرية الذي يعيد على نحو أعمق، تشكيل المنطق الأساسي لصناعة الترفيه الشامل عالميا، مثل المسلسلات الدرامية ومسلسلات الرسوم المتحركة عبر الإنترنت والألعاب الإلكترونية.
يشير “تقرير أبحاث تطور أدب الإنترنت الصيني لعام 2025” الصادر مؤخرا عن الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، إلى أن عولمة أدب الإنترنت الصيني قد دخلت مرحلة جديدة: ففي عام 2025، بلغت إيرادات السوق الخارجية لأدب الإنترنت الصيني 64ر5 مليارات يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا)، مع ما يقرب من مائتي مليون مستخدم نشط في أكثر من مائتي دولة ومنطقة حول العالم.
خلف هذه الأرقام البارزة، كيف تطور دور أدب الإنترنت الصيني؟ ما هي التحديات الواقعية التي يواجهها؟ وما التأثير الذي سيحدثه الذكاء الاصطناعي فيه؟ لاستجلاء إجابات حول هذه الأسئلة، أجرت “الصين اليوم” مقابلة خاصة مع خه هونغ، مدير قسم أدب الإنترنت في اتحاد الكتاب الصينيين.
بناء منظومة عالمية جديدة لأدب الإنترنت
يضع خه هونغ أدب الإنترنت الصيني المعاصر في إطار الإحداثيات التاريخية لتطور الأدب الصيني الحديث. وأشار إلى أنه بعد أكثر من مائة عام منذ حركة الرابع من مايو، ظلت الصين في وضع “المتعلم” ضمن النظام الثقافي العالمي. لكن انتشار شبكة الإنترنت في أنحاء العالم قدم فرصة جديدة لتطور الثقافة الصينية، ومن ثم استكشاف أدب الإنترنت الصيني كمنظومة فريدة ونابضة بالحياة.
أضاف خه هونغ: “يكمن جوهر هذه المنظومة في التفاعل العالي التردد والتداول الفعال: إذ يقوم المؤلف بتحديث الرواية على حلقات ليشكل مع القراء نوعا من ‘الإبداع المشترك’. كما يؤسس نموذج الاشتراك المدفوع دورة تجارية مستقرة، بينما تركز منصات أدب الإنترنت على تطوير سلسلة الصناعة الكاملة حول الملكية الفكرية لأدب الإنترنت العالي الجودة، وتحويلها بسرعة إلى أشكال ترفيهية مثل الأفلام والرسوم المتحركة.”
في الوقت الحاضر، أخذ هذا النموذج من الإنتاج الثقافي يتجاوز الحدود، ويجرى تعلمه وتطبيقه على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. في مجال السينما والتلفزيون، فإن نجاح منصة المسلسلات القصيرة “ريل شورت”، في أمريكا الشمالية جعل الصناعة المعنية في الخارج تبدأ أيضا في دراسة آليات إنتاج المحتوى القصير والسريع الإيقاع المعتمد على الحبكة بشكل متعمق.
قال خه هونغ: “هذا تحول رمزي، ويعني أن أدب الإنترنت الصيني وطريقة الإنتاج الثقافي التي يمثلها قد انتقلا رسميا من وضع ‘المتعلم’ الذي لازمهما لفترة طويلة إلى موقع ‘الرائد’ في المسار الجديد العالمي.”
أضاف خه هونغ: كان هناك من يقلق من أن عناصر الثقافة الصينية المميزة مثل “السعي إلى الخلود” و”اجتياز المحن” ستصبح عائقا أمام الانتشار عبر الثقافات. لكن التجربة أثبتت أن هذه الرموز الفريدة تزيد من فضول المستخدمين في الخارج. وأضاف خه: “هذا يوضح أن الجوهر الذي يمكن أن يثير الصدى عبر الثقافات هو المشاعر والقيم المشتركة بين البشر، بينما الأشكال الفريدة للتعبير الشرقي التي تحمل هذه المشاعر تشكل بالضبط الجاذبية الجوهرية.”
كسر الاعتماد على حركة مرور الإنترنت نحو الابتكار المشترك العالي الجودة
ومع ذلك، خلف هذه الأرقام التي تعكس التطور السريع، تواجه أدب الإنترنت والمسلسلات القصيرة على الإنترنت أيضا تحديات واقعية وضغوطا للتحول.
يتمثل التحدي الأول في قيود النموذج التجاري. وقد أشار خه هونغ إلى أنه عند التوسع في السوق الدولية، تعتمد أدب الإنترنت والمسلسلات القصيرة بشكل كبير على الإعلانات التجارية الكثيفة على وسائل التواصل الاجتماعي العالمية لجذب المستخدمين. مع تزايد حدة المنافسة في السوق العالمية، ارتفعت تكاليف اكتساب المستخدمين بشكل حاد، وتقلصت هوامش الربح، مما أجبر الصناعة على استكشاف مسارات نمو أكثر تنوعا واستدامة للمستخدمين.
ويتمثل التحدي الثاني في المتطلبات الداخلية لتطور الصناعة نحو التنظيم والجودة العالية. في مواجهة مشكلات تكرار المحتوى وغيرها من المشكلات التي يصعب تجنبها في المراحل الأولى لأي صناعة ناشئة، تمر الصناعة بتحول عميق من “السعي وراء حركة مرور الإنترنت” إلى “التركيز على الجودة”.
حاليا، تعمل جميع الأطراف معا لدفع هذه العملية قدما. إن التحسين المستمر لآلية المراقبة وتحمل شركات المنصات للمسؤولية الرئيسية، يعكسان بوضوح فكرة “التوازن بين التنظيم والتشجيع”. يظهر “تقرير أبحاث تطور أدب الإنترنت الصيني لعام 2025” أن حجم سوق تحويل الملكية الفكرية لأدب الإنترنت الصيني في عام 2025 قد وصل إلى 61ر367 مليار يوان. مثل هذا الحجم الهائل، لا بد أن يتطلب محتوى أكثر تنظيما وعالي جودة.
العودة إلى قوة الإبداع الأصلية في “الوعي بالحياة” في عصر الذكاء الاصطناعي
عندما يتعلق الأمر بالمستقبل، فإن الذكاء الاصطناعي هو متغير عميق لا مفر منه. يعتقد خه هونغ أن الذكاء الاصطناعي سيف ذو حدين يجمع بين الفرص والتحديات.
من ناحية، يمكن للذكاء الاصطناعي كأداة إنتاجية قوية أن يقلل التكاليف بشكل كبير ويزيد الكفاءة. وفقا لـ”تقرير أبحاث تطور أدب الإنترنت الصيني لعام 2025″، استخدمت منصة “ويب نوفل” وحدها تقنية الذكاء الاصطناعي لإنتاج أكثر من 17 ألف عمل، مما دفع التدفق السريع للثقافات عبر اللغات. من ناحية أخرى، فإن نضج الذكاء الاصطناعي سيسرع من القضاء على أعمال الإبداعات النمطية المتوسطة والمنخفضة المستوى. تحدث خه هونغ بصراحة، قائلا: “إذا اكتفى المبدع بالتقليد ‘المملوء بالفراغات’ الذي يفتقر إلى الأصالة، فإن خطر استبداله بالتقنية سيزداد بشكل حاد.”
إذن، ما هي القيمة الأساسية التي لا يمكن استبدالها للمبدعين البشر؟ قدم خه هونغ إجابة عميقة: “الوعي بالحياة.”
أضاف خه هونغ: “الإبداع الثقافي الحقيقي ينتمي دائما إلى ‘الإنسان’. إنه ينبع من التعبير الفريد للفرد عن تجاربه الحياتية الفريدة ومشاعره المعقدة وخياله الواسع بلا حدود. أساس الأدب والفنون هو شعورنا الشخصي كبشر محدودين تجاه الأبدية واللانهاية، والحب والموت، والنشوة والألم الشديد.” وأضاف خه: “الذكاء الاصطناعي لا يخاف من الموت، ولا يغرق في الحب، ولا يستطيع حقا فهم الدافع الإبداعي والوحي الفجائي المبني على ‘الوعي بالحياة’.”
يرى خه هونغ أن التقدم التكنولوجي في الواقع يهدف إلى “تخفيف العبء” عن المبدعين، وتحريرهم من قيود العمل المتكرر. لا يحتاج المبدعون إلى الذعر، بل يجب عليهم العودة إلى الأصل، لاستكشاف تجارب الحياة الفردية التي لا يمكن للبرامج الخوارزمية تقليدها. قال خه: “عندما يستنفد الذكاء الاصطناعي كل الأساليب، يبرز حينها بأقصى قدر قيمة الابتكار البشري الثمينة.”
لقد أكمل أدب الإنترنت الصيني قفزة عالمية رائعة بالفعل، لكن الطريق أمامه لا يزال مليئا بالتحديات. كيفية تحديث نماذج التجارة، وتحسين جودة المحتويات، وحماية الإبداع البشري في عصر الخوارزميات، سيقرر مدى تقدم هذا القطاع. ومن المؤكد أن هذا الفصل الأدبي الجديد، الذي يكتبه مئات الملايين من القراء والمبدعين حول العالم، قد بدأ للتو.
*****************
المصدر: الصين اليوم



