روما تحتضن “جولة الحسم”.. لبنان والكيان المحتل يختبران جدية التفاوض في اليوم الثاني

قسم الاخبار الدولية 2026/08/06
في مشهد يعيد إلى الأذهان تعقيدات الصراع العربي-الصهيوني، تواصلت في العاصمة الإيطالية روما، اليوم الأربعاء، أعمال الجولة السابعة من المفاوضات غير المباشرة بين الدولة اللبنانية والكيان الصهيوني المحتل، وسط ترقب إقليمي ودولي لمآلات هذا المسار الذي ترعاه الإدارة الأمريكية، وتحت أنظار أوروبية فرنسية وإيطالية.
وقد وصفت مصادر مطلعة على أجواء الجلسات، اليوم الثاني، بأنه كان “أكثر إيجابية وإنتاجية” من الجلسة الافتتاحية، إلا أن ذلك لم يرقَ إلى مستوى الاختراق، إذ ما تزال الخلافات الجوهرية قائمة حول النقاط الشائكة المتعلقة بالسيادة والانسحاب من الأراضي المحتلة وآليات المراقبة.
_ثلاثة مسارات تفاوضية متوازية_
انقسمت جلسات اليوم الثاني إلى ثلاثة مسارات منفصلة لكن متصلة، غطت المستويات السياسية والعسكرية والحدودية. وفي هذا السياق، كشف وفد الجمهورية اللبنانية، عبر قناة قصر بعبدا، عن تقديم “اقتراح متكامل وشامل” حول التسوية الحدودية، مُرفق بوثائق تاريخية وقانونية تُغطي الفترة الممتدة من خط الهدنة لعام 1949 مروراً بـ”الخط الأزرق” الذي رسمته الأمم المتحدة، وصولاً إلى الاحتلال الحالي للنقاط اللبنانية.
وأشارت المصادر إلى أن هذا الملف لاقى إشادة من الوسيط الأمريكي، الذي وصف التنظيم القانوني للوثائق اللبنانية بأنه “احترافي”، في مؤشر على أن بيروت دخلت هذه الجولة بتحضيرات دقيقة تغطي مختلف الاحتمالات.
_عقبة المراقبة ومن هو “الضامن_ “؟
أما على المسار الأمني، الذي يعتبر الأخطر والأكثر حساسية، فقد ركزت النقاشات حول “المناطق النموذجية” التي يجري فيها انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال، وإمكانية توسيعها لتشمل بلدات استراتيجية مثل الخيام وبنت جبيل. لكن المصادر اللبنانية أكدت أن وفد العدو الصهيوني لم يُبدِ أي موقف واضح بشأن هاتين البلدتين، مما يُفسر بأنه ورقة ضغط إضافية في جيبه.
وتمحور الخلاف الأعمق حول “طرف التحقق الثالث”، أي الدولة أو الكيان الذي سيتولى مسؤولية التأكد من التزام الطرفين بالاتفاق، خصوصاً فيما يخص انسحاب قوات الاحتلال بالكامل، وآلية التعامل مع ملف سلاح المقاومة. وفي تطور لافت، رجحت مصادر ديبلوماسية أن التوجه الأميركي يذهب بقوة نحو تعيين ضابط إيطالي لرئاسة لجنة المراقبة، مستبعداً الطرف الفرنسي، وذلك نتيجة اعتراضات أميركية-صهيونية مبطنة على باريس، تُفسر على خلفية المواقف الفرنسية الأخيرة من بعض الملفات الإقليمية.
_انقسام لبناني داخلي يعكس أزمة ثقة_
على وقع تقدم المفاوضات، لم يغب الانقسام الداخلي اللبناني عن المشهد السياسي، حيث سجّل المسار التفاوضي صدىً حاداً في بيروت. ففي الوقت الذي يراهن فيه فريق سياسي بقيادة رئيس الحكومة نواف سلام على أن هذا التفاوض هو المدخل الوحيد لاستعادة الدولة لجزء من سيادتها وإنقاذ الجنوب المحتل، يرفض حزب الله هذا المسار جملةً وتفصيلاً.
وأصدر الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، تصريحاً نادراً عشية الجولة، قال فيه: “الجلوس في غرف مغلقة مع العدو الصهيوني ليس خيارنا، ولن يفضي إلا إلى تنازلات موجعة، وهو خيبة أمل لكل من راهن على كسر إرادة هذا الكيان الغاصب”. وبالمقابل، رد رئيس الحكومة اللبنانية بلهجة حادة اعتُبرت استثنائية في تاريخ الخطاب السياسي اللبناني، متهافتاً على حزب الله بأن “من أدخل البلاد في حروب إسناد دون استشارة الدولة، وفرض على اللبنانيين واقعاً جديداً من الدمار والتهجير، لا يحق له اليوم أن ينكر على الدولة حقها في التفاوض لانتشال ما تبقى من سيادتها من براثن المحتل”.
ويعكس هذا التصعيد الداخلي حالة الإرباك التي تسبق أي تفاوض مصيري، حيث تُطرح أسئلة كبرى حول ما إذا كان ممكناً الفصل بين ملف السيادة وملف سلاح المقاومة، أم أن الرابط بينهما سيبقى عائقاً أمام أي اتفاق، مهما بلغت إيجابية الأجواء في روما
_خلفية الاتفاق وتداعياته_
تجدر الإشارة إلى أن هذه المحادثات تستند إلى “التفاهم الإطاري” الذي تم التوصّل إليه في واشنطن نهاية شهر يونيو من العام الفائت، والذي وضع خريطة طريق لانسحاب تدريجي لقوات الاحتلال الصهيوني من النقاط التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان، مقابل ترتيبات أمنية مشددة في المناطق الحدودية، وانتشار للجيش اللبناني في مواقع كانت سابقاً ضمن نفوذ المقاومة.
وتُعد هذه الجولة الثانية التي تستضيفها روما خلال أقل من ثلاثين يوماً، مما يعكس رغبة أمريكية واضحة في حشر الطرف الأوروبي كلاعب في الرقعة الشرقية، وتحميله مسؤولية متابعة تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، مع إبقاء زمام القرار النهائي بيد واشنطن والكيان المحتل.
_خلاصة المشهد_
في ختام اليوم الثاني، صرّحت مصادر رسمية لبنانية بأنه “لا اتفاق حتى الآن، ولا فشل حتى الآن”، مؤكدة أن النقاشات ستستكمل صباح الغد، وأن الأمور ما زالت في دائرة الغليان، وخصوصاً حول الاسم الثالث للمراقبة، وفيما إذا كانت المقاومة ستقبل بأي دور للدولة فوق سلاحها، أم أن التصعيد الداخلي سينعكس سلباً على تماسك الوفد اللبناني في روما.
ويبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابات الأيام القادمة: هل يخرج اللبنانيون من هذه المفاوضات بسيادة منقوصة، أم أن الرهان على الديبلوماسية سيكون بوابة لإنهاء عقود من الاحتلال الناقص، على وقع صفقات لا تخلو من تجاوزات على حساب ثوابت الأمة؟



