بزشكيان يتهم واشنطن بإفشال المفاوضات وترمب يبدي انفتاحاً على المحادثات

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم الأخبار الدولية 06-10-2026
تتواصل حالة التجاذب السياسي بين طهران وواشنطن وسط تباين واضح في مواقف الطرفين بشأن استئناف المفاوضات، في وقت تتزامن فيه التصريحات السياسية مع استمرار التوتر العسكري والأمني في المنطقة. ويعكس هذا المشهد استمرار صعوبة الانتقال من مرحلة التصعيد والضغوط المتبادلة إلى مسار تفاوضي مستقر، خصوصاً في ظل تراكم الخلافات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية والملفات الأمنية الإقليمية.
اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة بإفشال مسار التفاوض، معتبراً أن الحوار مع واشنطن يفقد جدواه في ظل استمرار العقوبات والتهديدات وما وصفه بنقض الالتزامات. وأشار إلى أن إيران واجهت التصعيد العسكري في مراحل سابقة كلما دخلت في مسار تفاوضي مع الجانب الأميركي، وهو ما يعكس حجم انعدام الثقة الذي بات يشكل أحد أبرز العوائق أمام استئناف الحوار بين الطرفين.
وأكد بزشكيان أن إيران سبق أن أبدت استعدادها للحوار بشأن أنشطتها النووية، مشيراً إلى خضوعها لعمليات تفتيش ورقابة دولية. وفي المقابل، ترى طهران أن العقوبات والضغوط الأميركية لا تتوافق مع الدعوات إلى التفاوض، وأن استمرار سياسة الضغط يجعل تقديم تنازلات جديدة أمراً أكثر صعوبة من الناحية السياسية.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى التجربة التي أعقبت الاتفاق النووي لعام 2015، الذي أُبرم بين إيران والقوى الدولية بهدف الحد من الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف العقوبات. فقد أدى انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الأميركية إلى إضعاف الثقة الإيرانية في إمكانية الاعتماد على الالتزامات الأميركية، قبل أن تتصاعد الخلافات لاحقاً بشأن مستوى تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة الدولية والضمانات المطلوبة لأي اتفاق جديد.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه منفتح دائماً على إجراء محادثات مباشرة مع إيران، مؤكداً أن الحرب بين الطرفين يمكن أن تنتهي سريعاً، سواء من خلال التوصل إلى اتفاق أو عبر استمرار التطورات العسكرية. ويعكس هذا الموقف استمرار الجمع بين المسار الدبلوماسي والضغط السياسي والعسكري باعتبارهما أداتين متوازيتين في التعامل مع طهران.
غير أن الحديث عن استئناف المفاوضات لا يعني بالضرورة تجاوز الخلافات الأساسية. فالملف النووي لا يزال يمثل جوهر التوتر بين الطرفين، في ظل مطالبة واشنطن بقيود وضمانات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل تمسك طهران بحقوقها النووية ورفضها ما تعتبره شروطاً تمس سيادتها أو تستخدم المفاوضات كوسيلة لفرض ضغوط إضافية عليها.
وتتجاوز الخلافات في الوقت نفسه الملف النووي لتشمل العقوبات الاقتصادية. فبالنسبة إلى إيران، لا يمكن فصل أي مفاوضات عن مسألة رفع العقوبات وضمان عدم إعادة فرضها مستقبلاً، بينما تسعى واشنطن إلى الحصول على التزامات إيرانية واضحة وقابلة للتحقق قبل تقديم تنازلات اقتصادية. ومن هنا تبرز إشكالية أساسية تتمثل في ترتيب الخطوات: هل تقدم إيران التزاماتها أولاً مقابل وعود أميركية بتخفيف العقوبات، أم يتم رفع جزء من العقوبات قبل تنفيذ الالتزامات الإيرانية؟
ويُضاف إلى ذلك البعد الأمني والإقليمي للمواجهة. فالعلاقة بين طهران وواشنطن لم تعد مرتبطة بالبرنامج النووي وحده، بل أصبحت متشابكة مع ملفات أمنية تمتد إلى الخليج والشرق الأوسط، بما في ذلك أمن الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية الأميركية وانتشار القوى الإقليمية والدولية في المنطقة.
ويبرز مضيق هرمز بصورة خاصة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في هذا السياق، نظراً إلى أهميته لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. ولذلك فإن أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود البلدين لتطال أسواق الطاقة وحركة الملاحة والحسابات الأمنية لدول الخليج.
وفي هذا الإطار، تحاول طهران التأكيد على أن المسار الدبلوماسي يمثل وسيلة لتجنب التصعيد، في حين تستمر واشنطن في ربط أي تسوية بإجراءات وضمانات تعتبرها ضرورية لأمن المنطقة. ويجعل هذا التداخل بين الملف النووي والملفات الإقليمية من الصعب حصر المفاوضات في قضية تقنية واحدة، إذ أصبحت أي محادثات محتملة مرتبطة بصورة أوسع بتوازنات القوى في الشرق الأوسط.
كما أن طبيعة الخطاب السياسي الصادر عن الطرفين تكشف استمرار أزمة الثقة. فطهران تنظر إلى التجارب السابقة باعتبارها دليلاً على أن الاتفاقات وحدها قد لا تكون كافية إذا لم تترافق مع ضمانات تمنع الانسحاب منها أو إعادة فرض العقوبات. أما واشنطن فتسعى إلى الحصول على ترتيبات يمكن التحقق منها وتضمن استمرار الالتزامات الإيرانية، وهو ما يجعل مسألة الضمانات وآليات التنفيذ في صلب أي تفاوض محتمل.
ولا تقتصر أهمية هذه الأزمة على العلاقات الإيرانية الأميركية، إذ تراقبها القوى الدولية والإقليمية بالنظر إلى تأثيرها المباشر في أمن الشرق الأوسط وأسواق الطاقة ومستقبل الانتشار النووي. كما أن أي انفراج بين طهران وواشنطن يمكن أن ينعكس على عدد من الملفات الإقليمية، في حين أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والأمنية على الأطراف المختلفة.
وفي المقابل، فإن استمرار الحديث عن الحوار رغم التصعيد يشير إلى أن القطيعة بين الطرفين ليست كاملة. فحتى في أكثر مراحل التوتر، تظل إمكانية التواصل الدبلوماسي قائمة، سواء عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يجعل المفاوضات المحتملة أداة لإدارة الصراع وليس بالضرورة مؤشراً فورياً على قرب التوصل إلى اتفاق شامل.
وتشير التطورات الأخيرة بالتالي إلى أن قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران لم تُغلق بصورة نهائية، رغم تصاعد خطاب عدم الثقة بين الطرفين. فبينما يؤكد ترامب استعداده للحوار المباشر، يرى بزشكيان أن التجارب السابقة جعلت التفاوض من دون ضمانات أمراً غير مجدٍ. وبين الموقفين، يبقى احتمال العودة إلى طاولة المفاوضات قائماً، لكن نجاح أي مسار تفاوضي جديد سيكون مرتبطاً بقدرة الطرفين على معالجة أزمة الثقة، وتحديد خطوات متبادلة وقابلة للتحقق، والتوصل إلى تفاهمات بشأن الملف النووي والعقوبات والضمانات، بالتوازي مع احتواء التوترات العسكرية والأمنية في المنطقة.



