أخبار العالم

إثيوبيا وإريتريا.. البحر الأحمر في قلب صراع النفوذ

لم يأت الانهيار الجديد في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا في فراغ، بل في لحظة يتقاطع فيها التصعيد في شمال إثيوبيا مع خلافات متراكمة حول الأمن والحدود والوصول إلى البحر الأحمر، وبعد سنوات من المصالحة التي فتحت صفحة جديدة بين البلدين عادت لغة القطيعة والاتهامات ليصبح البحر الأحمر مجددا في قلب التوتر بين أديس أبابا وأسمرة.
القطيعة الدبلوماسية.. أبعد من مجرد رد بالمثل
جاء قطع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا بعد تصعيد دبلوماسي متبادل، في تطور يعكس عمق التوتر بين الجارتين
ويرى الباحث والمحلل السياسي الأفريقي جبرسن عيسى في تصريح ل “الأيام نيوز”، أن القرار لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء دبلوماسي متبادل، وإنما بوصفه مؤشرا على وصول الخلاف بين الطرفين إلى مرحلة أكثر خطورة
ويضيف أن الاتهامات المتبادلة بشأن دعم جماعات معارضة، إلى جانب الخلاف حول الوصول إلى البحر الأحمر، جعلت العلاقة تنتقل من خلاف سياسي إلى صراع على المصالح والنفوذ
من اتفاق 2018 إلى عودة القطيعة
كان اتفاق السلام الذي وقع عام 2018 قد وضع حدا لمرحلة طويلة من العداء بين البلدين، وفتح الطريق أمام استعادة العلاقات الدبلوماسية والتعاون السياسي والاقتصادي، لكن عودة القطيعة اليوم تكشف حجم التراجع الذي أصاب مسار التطبيع
ويرى جبرسن عيسى أن ما انهار فعليا هو مسار التهدئة الذي تأسس بعد اتفاق السلام، حتى وإن كان قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني من الناحية القانونية إلغاء الاتفاق نفسه، مشيرا إلى أن الأكثر دلالة أن هذا التراجع يحدث في وقت عادت فيه الحرب إلى تيغراي، المنطقة التي شكلت سابقا ساحة لتعاون عسكري وثيق بين أديس أبابا وأسمرة
عصب ومصوع.. جوهر المعضلة
في خلفية التوتر الإثيوبي الإريتري يوجد سؤال استراتيجي بالغ الحساسية، يكمن في كيف تحصل إثيوبيا وهي دولة حبيسة على منفذ إلى البحر الأحمر؟
أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا بالنسبة إلى أديس أبابا التي ترى أن موقعها الجغرافي واقتصادها وحجمها السكاني يجعل الوصول إلى البحر مسألة ذات أهمية استراتيجية طويلة الأمد، لكن بالنسبة إلى إريتريا، فإن ميناءي عصب ومصوع جزء من سيادتها وأمنها القومي، وبالتالي فإن أي مطالبة إثيوبية بالوصول إلى البحر تصطدم بحسابات أسمرة السيادية والأمنية
ويرى جبرسن عيسى أن هذه العقدة البحرية تشكل أحد أهم جذور الأزمة الحالية، لأن الخلاف لم يعد متعلقا فقط بالحدود أو التحالفات السياسية وإنما بموقع إثيوبيا في المعادلة الجيوسياسية للبحر الأحمر
من حليف في حرب تيغراي إلى خصم
تعد المفارقة الكبرى في العلاقة بين البلدين أن إريتريا كانت حليفا لإثيوبيا خلال الحرب السابقة ضد جبهة تيغراي، قبل أن تتحول العلاقة إلى مواجهة سياسية وأمنية جديدة
واليوم تتهم أديس أبابا أسمرة بدعم جبهة تيغراي وقوى معارضة أخرى، بينما ترفض إريتريا هذه الاتهامات وتتهم إثيوبيا بانتهاج سياسة عدائية تجاهها
ويقرأ جبرسن عيسى هذا التحول باعتباره انعكاسا لتغير المصالح والتحالفات في المنطقة، فما يجمع الدول في لحظة معينة قد يتحول إلى مصدر صراع عندما تتغير الحسابات الاستراتيجية
الحرب بالوكالة.. هل تقترب المواجهة المباشرة؟
يرى جبرسن عيسى أن أحد السيناريوهات التي يمكن أن تتطور إليها الأزمة يتمثل في تصاعد الحرب بالوكالة، مع استمرار دعم أطراف محلية مختلفة
ويحذر من أن استمرار القتال لفترة طويلة قد يدفع هذا النوع من الصراع إلى مرحلة أكثر مباشرة، خصوصا إذا دخلت إريتريا عسكريا على خط المواجهة داخل تيغراي
غير أن طبيعة ومدى أي تحرك عسكري إريتري مباشر تبقى موضع تقارير واتهامات متبادلة، ولا يمكن التعامل معها جميعا باعتبارها حقائق مستقلة مؤكدة.
وفي هذه الحالة، ستنتقل الأزمة من مواجهة غير مباشرة إلى مستوى أكثر خطورة، بما قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب واسعة للتحالفات في القرن الأفريقي
السودان في قلب التداعيات
ويحذر جبرسن عيسى من أن أي تصعيد إثيوبي إريتري لن يبقى محصورا بين البلدين، لأن السودان يقع جغرافيا وسياسيا في قلب هذه المعادلة، فالسودان يعيش حربا داخلية مستمرة، وأي توتر جديد على حدوده الشرقية قد يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى وضع أمني وإنساني هش أصلا
ومن هذا المنظور، فإن اتساع التوتر بين أديس أبابا وأسمرة يمكن أن يخلق مساحات جديدة للتنافس الإقليمي، خصوصا إذا أصبحت الحدود السودانية جزءا من حسابات الأطراف المتصارعة
البحر الأحمر.. ساحة الصراع الأوسع
لا تتوقف المعادلة عند إثيوبيا وإريتريا، لأن البحر الأحمر نفسه تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي متزايد
وتتقاطع فيه مصالح دول عربية وإفريقية ودولية، من أمن الملاحة والتجارة الدولية إلى الموانئ والقواعد العسكرية والتحالفات السياسية
ويرى جبرسن عيسى أن أي مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا ستكون لها انعكاسات تتجاوز حدود البلدين، بالنظر إلى موقعهما على أحد أهم الممرات البحرية في العالم
وهنا تصبح مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر جزءا من معادلة أكبر تتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في أمن البحر الأحمر وتوازناته
الرياض وأبوظبي وواشنطن والقاهرة.. مسارات الاحتواء
في ظل هذه التعقيدات، تبرز أدوار القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح المباشرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي
ويرى جبرسن عيسى أن الرياض وأبوظبي وواشنطن والقاهرة ستكون عواصم مهمة في أي مسار يرمي إلى احتواء التصعيد، بالنظر إلى اختلاف المصالح وتشابك الملفات بين هذه الأطراف ودول المنطقة، لكن نجاح أي مسار للتهدئة سيظل مرتبطا بقدرة الأطراف على الفصل بين الملفات المتداخلة خصوصا ملف الحرب في تيغراي وملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر
منفذ بحري بالتفاوض أم إعادة رسم للمنطقة؟
يطرح جبرسن عيسى احتمال الوصول إلى صيغة تفاوضية تمنح إثيوبيا منفذا إلى البحر الأحمر مع الحفاظ على السيادة الإريترية، باعتبار ذلك أحد المخارج الممكنة لتجنب تحول الخلاف إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مثل هذا الترتيب، إذا تحقق، يمكن أن يحول البحر من نقطة صراع إلى مجال لتقاطع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية
لكن في المقابل، فإن استمرار التصعيد وتصلب المواقف قد يدفعان نحو سيناريو أكثر خطورة، تتحول فيه مسألة الوصول إلى البحر إلى جزء من الصراع العسكري
وعندها لن يكون الأمر مجرد أزمة بين إثيوبيا وإريتريا، بل أزمة قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر
وفي النهاية، تكشف الأزمة الحالية أن السؤال الإثيوبي لم يعد فقط سؤالا عن الحرب داخل الحدود، وإنما أيضا عن موقع الدولة الحبيسة في محيط بحري شديد الأهمية، وعن حدود قدرتها على الوصول إلى البحر دون الاصطدام بسيادة الدول الساحلية، ومن هنا، يصبح مستقبل العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة مرتبطا ليس فقط بمآلات الحرب في تيغراي، وإنما أيضا بكيفية إدارة معادلة البحر والسيادة والنفوذ والتحالفات في القرن الأفريقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق