هل حان وقت إعادة إنتاج العمل العربي المشترك؟

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 10–09-2026
الأزمات المتراكمة قد تكون فرصة تاريخية لبناء موقف عربي جديد
يعيش العالم العربي واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا منذ عقود. فالحروب والأزمات المتتالية، من القضية الفلسطينية والعراق والكويت، إلى تداعيات ما سُمّي بالربيع العربي، ثم أزمات ليبيا وسوريا ولبنان واليمن، كشفت بوضوح حجم الانقسام العربي وضعف القدرة على بناء موقف مشترك تجاه قضايا تمس الأمن القومي العربي كله.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار الخلافات العربية لا يضعف طرفًا واحدًا، وإنما يترك المنطقة بأكملها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، ويمنح القوى الإقليمية والدولية مساحة أوسع لإدارة أزماتها ومصالحها على حساب المصالح العربية.
ولعل القضية الفلسطينية تبقى المثال الأوضح. فقد أدى الانقسام العربي والدولي إلى استمرار معاناة الفلسطينيين، بينما كشفت الحرب على غزة، وما رافقها من مخاوف بشأن التهجير وتغيير الواقع الديموغرافي، الحاجة إلى موقف عربي أكثر تماسكًا وقدرة على التأثير السياسي والدبلوماسي.
واليوم، ومع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، دخل الخليج والمنطقة كلها مرحلة جديدة من المخاطر. فاستهداف المنشآت والطاقة، وتهديد الملاحة، والتوتر حول مضيق هرمز، والهجمات التي طالت السعودية، لم تعد شؤونًا تخص دولة بعينها، وإنما أصبحت قضية تمس أمن الخليج والاقتصاد العربي والعالمي. وقد انعكست هذه التطورات سريعًا على أسواق الطاقة، إذ تجاوز سعر خام برنت حاجز المئة دولار للبرميل في التاسع من سبتمبر 2026.
وفي هذه الظروف، تعاملت دول الخليج مع الأزمة وفق حساباتها الأمنية والسياسية، بينما ظلت الحاجة قائمة إلى موقف عربي جماعي يساند أمن الخليج ويحمي المصالح العربية، من دون الانجرار إلى حرب إقليمية أوسع.
ومن هنا تبرز أهمية مصر، بحكم ثقلها السياسي والاستراتيجي وعلاقاتها التاريخية بدول الخليج، وكذلك أهمية السعودية والإمارات وقطر والبحرين والعراق والأردن وسائر الدول العربية في صياغة رؤية مشتركة للأمن الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، فإن التطورات في اليمن تؤكد أن استمرار الأزمات المفتوحة لا يمكن أن يكون حلًا دائمًا. فعودة التصعيد بين السعودية والحوثيين، وما صاحبها من هجمات على منشآت ومناطق سعودية، تضع أمن البحر الأحمر والخليج والطاقة العالمية أمام مخاطر جديدة.
أما لبنان وسوريا والعراق وليبيا، فهي ملفات أخرى تحتاج إلى مقاربة عربية أكثر فاعلية. ولا يمكن للعرب أن يطالبوا بتسوية أزمات المنطقة إذا ظلوا عاجزين عن تسوية خلافاتهم الداخلية.
وهنا ربما تأتي الفرصة التاريخية.
فإعادة إنتاج العمل العربي المشترك لا تعني بالضرورة إنشاء كيان سياسي جديد أو إلغاء الاختلافات بين الدول، وإنما تعني العودة إلى الحد الأدنى الضروري من التوافق: احترام سيادة الدول، حل الخلافات بالحوار، حماية الأمن القومي العربي، ومنع تحويل الدول العربية إلى ساحات صراع بالوكالة.
ومن المفترض أن تكون جامعة الدول العربية الإطار الطبيعي لهذا الدور، لا باعتبارها مؤسسة تصدر البيانات فقط، وإنما باعتبارها مساحة للوساطة والاحتواء وصناعة التوافق.
ومع تولي نبيل فهمي منصب الأمين العام للجامعة العربية، تبرز فرصة لإعادة التفكير في وظيفة الجامعة وآليات عملها، والانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى محاولة منعها قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة.
ويمكن أن تبدأ هذه العملية من داخل البيت العربي نفسه: دعم الحوار في لبنان، والمساهمة في استقرار سوريا، وتشجيع التسويات في العراق وليبيا، والعمل على احتواء الخلافات العربية ـ العربية، بما فيها الخلاف المغربي ـ الجزائري، وإيجاد أرضية مشتركة تعيد بناء الثقة بين الدول العربية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي تجاهل إيران. فالعلاقات العربية ـ الإيرانية تحتاج هي الأخرى إلى إعادة صياغة على أساس المصالح المتبادلة وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. فالمنطقة لا تستطيع أن تتحمل إلى ما لا نهاية حروبًا مباشرة أو غير مباشرة بين القوى الإقليمية.
وقد تكون الظروف الحالية، رغم خطورتها، دافعًا لإعادة التفكير في هذه العلاقة. فالضغوط الاقتصادية والعسكرية على إيران، وتغير موازين القوة، واتساع علاقاتها مع الصين وروسيا وأوروبا وآسيا، كلها عوامل قد تفتح مستقبلًا بابًا لحوار إقليمي أكثر واقعية. وليس المطلوب من العرب أن يكونوا مع إيران أو ضدها، وإنما أن تكون علاقاتهم معها قائمة على مصالحهم وأمنهم القومي.
كما أن التقارب السعودي ـ الباكستاني ـ التركي، وما يحمله من أبعاد أمنية واستراتيجية، يمكن أن يكون جزءًا من شبكة أوسع للتعاون الإقليمي، خاصة إذا انضمت إليها دول عربية مؤثرة مثل مصر والجزائر، بما يحقق توازنًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا أكبر.
ولا يمكن فصل ذلك عن التحولات الدولية المتسارعة. فالصين أصبحت شريكًا اقتصاديًا مهمًا للعالم العربي، وتركيا وباكستان تمتلكان علاقات متنامية مع عدد من الدول العربية، بينما تحاول الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا إعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة.
وهنا تمتلك الدول العربية أوراق قوة حقيقية: الطاقة، والموقع الجغرافي، والممرات البحرية، والأسواق، والاستثمارات، والموارد البشرية، والعلاقات الدولية. لكن قوة هذه الأوراق تتضاعف عندما تُستخدم في إطار رؤية مشتركة، بدل أن تتحول إلى أوراق متفرقة لكل دولة على حدة.
ومن الطبيعي أن يكون لمصر دور محوري في أي عملية لإعادة بناء العمل العربي المشترك، ليس فقط بسبب وزنها السياسي والتاريخي، وإنما أيضًا بسبب موقعها وعلاقاتها المتوازنة وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف العربية والإقليمية والدولية.
لقد جُرّبت الخلافات والانقسامات طويلًا، وكانت نتائجها في كثير من الأحيان مزيدًا من الحروب والضعف والاستنزاف.
وربما حان الوقت لتجربة طريق آخر.
طريق يقوم على المصالح المشتركة، وتسوية الخلافات بالحوار، وإعادة الاعتبار لدور الجامعة العربية، وبناء علاقات إقليمية أكثر توازنًا، والاستفادة من القوة الاقتصادية والجغرافية والسياسية التي يمتلكها العالم العربي.
إن السؤال اليوم لم يعد: هل يستطيع العرب أن يتفقوا على كل شيء؟
بل أصبح: هل يستطيع العرب أن يتفقوا على ما يكفي لحماية مصالحهم وأمنهم ومستقبلهم؟
وربما تكون الأزمات التي تعصف بالمنطقة اليوم، رغم قسوتها، فرصة تاريخية لإعادة بناء الحد الأدنى من العمل العربي المشترك، قبل أن تفرض الأحداث على الجميع خيارات أكثر صعوبة.



