أحداث وشخصياتأخبار العالمأنشطة المركز

كلمة السيدة سهير اللحياني في اللقاء الحواري حول تطور قضايا المرأة  الصين وتونس

المحور الأول: تحّول صورة المرأة في المرآة العالمية والسرديات الرقمية

من الحالة التونسية إلى آفاق الحوار الثقافي الصيني-التونسي حول “قوة المرأة”

ُتعّد العالقة بين العالم وصورة المرأة من أكثر الحقول خصوبة في علوم الأعالم والأتصال؛ فهي لا ُتختزل في مجرد “انعكاس” واقعي لمكانة المرأة االجتماعية، بل هي عملية بناء رمزي مستمرة يتداخل فيها االجتماعي والثقافي والسياسي واالقتصادي. فحين نّبهت لورا مولفي إلى ما أسمته “النظرة الذكورية” في السينما، وحين اعتبر جون بيرجر أن المرأة ُتصَّور تاريخيا بصفتها موضوعا للرؤية أكثر منها ذاتا رائية، فإنهما أ ّسسا لتقليد نقدي يرى في الصورة اإلعالمية مجاال للتفاوض على السلطة الرمزية بين الجنسين، لا مجرد مرآة عاكسة لواقع جاهز. وقد ّطور ستيوارت هول هذا الطرح ضمن نظرية التمثيل، مؤكدا أن المعاني المرتبطة بالهوية النسائية ُتنَتج داخل الخطاب الأعلامي نفسه، ولا تسبقه بشكل جاهز. من هذا المنظور، يتنّزل هذا المحور في مساءلة تحّول صورة المرأة أوال في المرآة اإلعالمية التقليدية، وثانيا في السرديات الرقمية الجديدة، انطلاقا من الحالة التونسية بمعطياتها اإلحصائية الحديثة، تمهيدا للحوار المقارن مع التجربة الصينية.

أولا: من “النعكاس” إلى “البناء”: الأساس النظري

لا يزال نموذج “الغرس الثقافي” الذي صاغه جورج غربنر صالحا لفهم كيف يعيد التكرار الإعلامي طويل المدى تشكيل تصورات الجمهور حول الأدوار الاجتماعية للمرأة، بصرف النظر عن الوقائع الميدانية. وفي هذا السياق، أظهرت ليسبت فان زونن في مؤلفها المرجعي Feminist Media Studies أن الإعلام لا يكتفي بتوزيع الأدوار النمطية (الأم، الزوجة، الجسد كموضوع…)، بل يساهم أيضا في “تجنيس” الفضاء العام نفسه، بحيث تصبح مشاركة المرأة في القضايا العامة مشروطة بطريقة عرضها الإعلامي لا بكفاءتها الموضوعية.

ثانيا: صورة المرأة في المرآة الإعلامية التونسية: حضور كمي محدود وتمثيل نوعي منقوص

تشير الدراسات الرصدية التي أُجريت في تونس، منذ الرصد الذي أعدّته المجموعة العربية لرصد الإعلام بالتعاون مع التحالف من أجل نساء تونس، إلى أن حضور المرأة في وسائل الإعلام التونسية (كصحفيات وكضيفات) لم يكن يتجاوز عتبة %22 من مجموع الحضور الكلي، أي بمعدل امرأة واحدة مقابل خمسة رجال، مع تفاوت لصالح القطاع السمعي البصري (%16.5) مقارنة بالصحافة المكتوبة (%14). وقد أكدت الدراسات اللاحقة، على غرار دراسة النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين (2022) وأعمال مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة “كريديف”، استمرار خلل بنيوي مزدوج: تغييب المرأة عن مواقع القرار داخل المؤسسات الإعلامية من جهة، وإعادة إنتاج صورتها النمطية المرتبطة بالجسد والاستهلاك والحياة الخاصة من جهة أخرى. وهو ما دفع الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا)، بالتعاون مع كريديف ونقابة الصحفيين، إلى إصدار وثيقة توجيهية لمعالجة قضايا النوع الاجتماعي إعلاميا، تحذّر العاملين في القطاع من الانزلاق نحو تكريس صور دونية أو تمييزية.

وعلى مستوى المقارنة الدولية، يذكّرنا التقرير الأخير لمشروع الرصد العالمي لوسائل الإعلام الذي تُشرف عليه هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بأن المرأة، وهي تمثل نصف سكان المعمورة، لا تحضر في الأخبار العالمية إلا بنسبة %26 فقط، مع تغيّر لا يتجاوز تسع نقاط خلال ثلاثين سنة، وأن أقل من قصتين من كل مائة قصة إخبارية تتصدى فعليا للأعم يستدعي تفسيرا بنيويا لا للصور النمطية السائدة عن المرأة. وهذا يضع الحالة التونسية ضمن اتجاه عالمي ظرفيا.

ثالثا: من “المتلقية” إلى “المنتجة”: المرأة في السرديات الرقمية الجديدة

يمثل الانتقال الرقمي تحوّلا نوعيا في موقع المرأة من الخطاب الإعلامي. فبحسب المسح الوطني الأخير لمرصد الهيئة الوطنية للاتصالات حول “استخدام الإنترنت والمهارات الرقمية” لسنة 2026، بلغت نسبة استخدام الإنترنت في تونس %85.9 من العيّنة، وامتلاك الهواتف الذكية %84.3، في حين لا يزال الهاتف الجوال يمثل البوابة الرئيسية للنفاذ إلى الشبكة بنسبة %70.4 من المستخدمين. هذا الانتشار الواسع فتح المجال أمام ما رهن له أكسل برونز بمفهوم “الإنتاج-الاستهلاك” (Produsage)، حيث لم تعد المرأة التونسية، خاصة الشابة، مجرد متلقية لصورة تُصنع عنها في غرف الأخبار أو استوديوهات الدراما، بل صارت فاعلة في إنتاج سرديّتها الخاصة عبر المحتوى القصير والمدونات الصوتية والصفحات الشخصية، في مسار يعيد تعريف “قوة المرأة” بوصفها قدرة على التعبير الذاتي والتموقع العلني، وهو ما تدعو إليه إشكالية هذا اللقاء نفسها.

بيد أن هذا الانعتاق الظاهري يقترن، كما تُظهر أدبيات النسوية الإعلامية النقدية، وبالأخص طرح روزاليند غيل حول “ثقافة ما بعد النسوية”، بإعادة تسليع صورة المرأة عبر منطق “التمكين المُسوَّق” الذي يختزل القوة في المظهر والنجاح الفردي أكثر من التحوّل البنيوي في العلاقات الاجتماعية. كما أن الفضاء الرقمي نفسه لم يكن محايدا: فقد كشفت دراسة إقليمية أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أوردتها منسقة برامج الهيئة بثينة همامي في حوار صحفي معي، أن %54 من النساء في تونس يصرّحن بأنهن لا يشعرن بالأمان في الفضاء الرقمي، بصرف النظر عن نوع المنصة المستعملة، وأن امرأة من كل ثلاث نساء عانين من عنف رقمي رأت هذا العنف يمتد إلى خارج الشاشة ليتحوّل إلى عنف جسدي فعلي. وتذهب معطيات أخرى أن %19 من النساء التونسيات صرّحن بأنهن ضحايا عنف رقمي، وأن %41 منهن تعرّضن لهذا العنف بصفة متكررة، وذلك على الرغم من صدور القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، الذي يُعدّ من أوائل التشريعات العربية الرائدة في هذا الميدان.

وتماشيا مع هذه المعطيات، أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تونس، بالشراكة مع شركة نوكيا وبدعم من سفارة فنلندا، منذ سنة 2021، مسارا تشاركيا لتطوير حلول تكنولوجية (روبوتات محادثة قائمة على الذكاء الاصطناعي، تطبيقات ويب تقدمية، أنظمة مساعدة عبر الرسائل النصية القصيرة) لحماية النساء من العنف الرقمي، على غرار تجربة رائدة سبق اختبارها في كينيا. وقد تمخضت هذه المقاربة عن طاولة مستديرة نظمت في تونس في 26 سبتمبر 2024، جمعت مؤسسات حكومية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص (أوريدو تونس، سوفريكوم)، بهدف إحداث منصة وطنية موحّدة توفّر معطيات لحظية عن معدلات العنف بحسب الولاية ونوع العنف، وتيسّر للنساء ضحايا العنف النفاذ الآمن إلى المعلومة القانونية والمؤسساتية اللازمة. وهو ما يجعل من تونس، بحسب همامي، نموذجا إقليميا محتملا يمكن أن يُلهم بلداناً عربية أخرى.

رابعا: من العنف الرقمي إلى “الفيمينيسيد”: تصعيد ميداني يستدعي التشريع والتقنية معا

لا يمكن فصل تصاعد العنف الرقمي عن مساره الميداني الأكثر تراجيدية، وهو جرائم قتل النساء. فحسب معطيات نشرت في 27 جانفي 2024، سُجّل في تونس مقتل 13 امرأة على يد أزواجهن منذ بداية سنة 2023، مقارنة بـ15 حالة خلال سنة 2022 بأكملها، أي بمعدل يقارب امرأة واحدة تُقتل كل شهر على يد شريكها. وهذا يضع تونس، رغم تقدمها التشريعي النسبي، أمام ما يصفه الخطاب الحقوقي الدولي بأنه “فشل جماعي” في حماية النساء. وقد تزامن هذا التصاعد مع دخول “المرسوم عدد 54 لسنة 2022” المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بمنظومات المعلومات والاتصال حيز التنفيذ، وهو نص يعاقب على نشر “الأخبار الزائفة” والبيانات الشخصية بقصد الإضرار بالغير، لكنه أثار في المقابل جدلا واسعا حول تداعياته المحتملة على حرية التعبير والصحافة، بما يفرض على الباحثين في علوم الإعلام والاتصال مقاربة نقدية توازن بين ضرورة الحماية من خطاب الكراهية الرقمي وضرورة صون الحق في التعبير.

خامسا: الذكاء الاصطناعي بين الحماية الرقمية والحوكمة الخوارزمية: أفق تونسي-صيني محتمل

يفتح توظيف الذكاء الاصطناعي في كشف خطاب الكراهية الرقمي بابا جديدا للتفكير في هذا المحور. فبحسب أعمال الباحثة إيرينا إيلينا (جامعة لورين، معهد …)، فإن نماذج الشبكات العصبية العميقة تمكّن اليوم من رصد نحو ثلاثة من كل أربعة رسائل تحمل خطاب كراهية، أي بحساسية تقارب %75، متجاوزة بذلك حدود الفلترة القديمة القائمة على الكلمات المفتاحية والتي بيّنت الدراسات محدوديتها. وتزخر التجربة المقارنة بنماذج متعددة: من “قانون أفيا” الفرنسي الذي يفرض سحب المحتوى الكراهي المُبلّغ عنه خلال 24 ساعة، إلى الدليل التوجيهي الذي أصدرته اليونسكو بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية سنة 2023 لفائدة صانعي القرار والمربّين. وفي السياق الصيني تحديدا، طوّرت مجموعة Tencent برنامج “Midnight Patrol” القائم على تقنية التعرّف على الوجه لتطبيق التشريع الصيني الخاص بحماية القاصرين من إدمان الألعاب الرقمية، في نموذج يبيّن قدرة الفاعلين الصينيين، حكوميين وخاصين، على تطوير حلول خوارزمية واسعة النطاق قابلة للتكييف مستقبلا مع أهداف حماية النساء والفتيات من العنف الرقمي، وهو ما يمكن أن يشكّل محورا خصبا لتبادل الخبرات التقنية والتشريعية بين تونس والصين.

وتتجاوز إشكالية اللامساواة بين الجنسين حدود الإعلام والفضاء الرقمي إلى حقول أخرى تستحق الإشارة في سياق مقارن، من ذلك أن تقرير البنك الدولي “المرأة وأعمال الأنشطة الاقتصادية والقانون 2022” يقدّر أن نحو 2.4 مليار امرأة في سن العمل حول العالم لا يتمتّعن بتكافؤ الفرص الاقتصادية، وأن المعدل العالمي لمؤشر الحقوق القانونية للمرأة لا يتجاوز 76.5 من 100 نقطة. كما تظهر معطيات “لوحة القيادة الاجتماعية” التي نشرها المعهد التونسي للتنافسية والدراسات الكمية في ديسمبر 2023 أن كثافة الأطباء في تونس لا تتجاوز 1.3 طبيب لكل ألف نسمة، مقارنة بـ6.5 في فرنسا، وأن نصف السكان التونسيين فقط يتمتّعون بتغطية اجتماعية كافية، وهي معطيات تذكّرنا بأن “قوة المرأة” لا تُقاس بمعزل عن شروطها الاجتماعية والصحية والاقتصادية.

سادسا: أسئلة مفتوحة للحوار التونسي-الصيني

في ضوء ما سبق، يمكن أن يُثري الحوار مع التجربة الصينية تفكيرنا حول محاور من قبيل: كيف تتفاعل صناعة الدراما والمحتوى الرقمي القصير في الصين مع التصورات التقليدية للأسرة والنجاح النسائي؟ وهل يمكن الحديث عن مسار مشترك بين التجربتين التونسية والصينية، من “الجسد المُمثّل” إلى “الذات المُعبّرة”، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بخصوصية كل سياق ثقافي واجتماعي؟ وإلى أي حد يمكن للتشريعات ومواثيق التحرير الإعلامي، في البلدين، أن تواكب هذا التحول السريع نحو الفضاءات الرقمية؟ وهل يمكن التفكير في شراكة تونسية-صينية، على غرار الشراكة القائمة مع نوكيا وفنلندا، لتطوير حلول ذكاء اصطناعي مكيّفة مع خصوصية النساء التونسيات ضحايا العنف الرقمي؟

في الختام إن صورة المرأة في المرآة الإعلامية والسردية الرقمية التونسية اليوم هي، في نهاية التحليل، ساحة تفاوض مفتوحة بين ميراث نمطي متجذّر ومنطق رقمي إتاحي، بين إحصائيات تكشف استمرار العجز التمثيلي وممارسات فردية تعيد تعريف الظهور والصوت والفاعلية. وهذا بالضبط ما يجعل من مفهوم “قوة المرأة”، كما صاغته إشكالية هذا اللقاء، مفهوما قيد التشكل لا معطى جاهزا، يستحق أن نتحاور حوله، بيننا وبين أصدقائنا الصينيين، بروح علمية نقدية بعيدة عن كل مقارنة تفاضلية.

Berger, J. (1972). Ways of Seeing. London: Penguin Books

Bruns, A. (2008). Blogs, Wikipedia, Second Life, and Beyond: From Production to Produsage. New York: Peter Lang

Gerbner, G. (1978). “Cultural Indicators: Violence Profile No. 9”. Journal of Communication, 28(3).

Gill, R. (2007). “Postfeminist Media Culture: Elements of a Sensibility”. European Journal of Cultural Studies, 10(2).

Hall, S. (ed.) (1997). Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. London: Sage

Mulvey, L. (1975). “Visual Pleasure and Narrative Cinema”. Screen, 16(3).

van Zoonen, L. (1994). Feminist Media Studies. London: Sage.

Global Media Monitoring Project (GMMP) / UN Women (2025). Who Makes the News? Global Report

الهيئة الوطنية للاتصالات، تونس (2026). المسح الوطني حول استخدام الإنترنت والمهارات الرقمية.

مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (كريديف). دراسات حول العنف الرقمي ضد النساء في تونس.

النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين (2022). دراسة صورة المرأة وحضورها في وسائل الإعلام.

الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا)، كريديف، نقابة الصحفيين التونسيين. الوثيقة التوجيهية لمعالجة قضايا النوع الاجتماعي في الإعلام التونسي.

المجموعة العربية لرصد الإعلام، التحالف من أجل نساء تونس (2013). دراسة حضور المرأة في وسائل الإعلام التونسية.

ONU Femmes (2021). Violence against Women in the Online Space. New York: UN Women

Lahiani, S. (2024). “Boutheina Hammami : n’ayez pas peur du monde digital, mais apprenez à vous y protéger !” — Entretien avec la coordinatrice de programme ONU Femmes Tunisie

سهير، لحياني (2024). “Féminicide : l’urgence d’une action concertée contre un fléau persistant”. Espace Manager، 27 جانفي 2024.

سهير، لحياني (2024). “Lutte contre la violence à l’égard des femmes : le rôle clé de la technologie”. Réalités، 28 سبتمبر 2024.

سهير، لحياني (2024). “Genre et santé : l’intelligence artificielle pour contrer le défi des inégalités”. Réalités، 10 مارس 2024.

سهير، لحياني (2024). “Discours de la haine en ligne : l’IA à la rescousse ?”. Réalités، 1 مارس 2024.

البنك الدولي (2022). المرأة وأعمال الأنشطة الاقتصادية والقانون 2022 (Women, Business and the Law).

المعهد التونسي للتنافسية والدراسات الكمية (2023) (ITCEQ). لوحة القيادة الاجتماعية: الرفاه الاجتماعي وجودة الحياة.

الجمهورية التونسية (2022). المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بمنظومات المعلومات والاتصال، الرائد الرسمي عدد 103.

الجمهورية التونسية (2017). القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق