قبل قمة ترامب وشي… واشنطن وبكين تفاوضان على ما هو أبعد من التجارة

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية 20-09-2026
تدخل المفاوضات الأميركية/الصينية في نيويورك مرحلة مختلفة عن الجولات السابقة. فاجتماع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ، بمشاركة الممثل التجاري الأميركي جاميسون غرير، يأتي قبل أيام قليلة من اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في واشنطن، وفي وقت تقترب فيه الهدنة التجارية الحالية من موعد انتهائها في 10 نوفمبر المقبل.
لكن أهمية الاجتماع لا ترتبط بالموعد وحده. الأجندة نفسها تكشف أن الخلاف بين واشنطن وبكين لم يعد يدور حول الرسوم الجمركية بالمعنى التقليدي. المعادن الأرضية النادرة، المغناطيسات، الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد أصبحت جميعها جزءاً من التفاوض، مع دخول ملف الطاقة والعقوبات المرتبطة بإيران على خط المحادثات أيضاً.
وهذا يضع الطرفين أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على مستوى من الاستقرار التجاري من جهة، وعدم التخلي عن الأدوات التي يستخدمها كل طرف لحماية مصالحه الاقتصادية والتكنولوجية من جهة أخرى.
مفاوضات تسبق القمة
اختيار نيويورك مكاناً لهذه الجولة لا يغير طبيعتها. الاجتماع بين بيسنت وخه لي فنغ هو، في جوهره، محاولة لتقليص مساحة الخلاف قبل انتقال الملف إلى المستوى الرئاسي.
المفاوضون الأميركيون والصينيون لا يبدأون من أرضية خالية. هناك هدنة قائمة وتفاهمات سابقة، لكن تنفيذ بعضها ظل موضع خلاف، خصوصاً فيما يتعلق بالمعادن الحيوية. لذلك تبدو المهمة الحالية أقرب إلى البحث عن نقاط يمكن تثبيتها قبل أن يجتمع ترامب وشي، بدلاً من محاولة حل كامل للخلاف الأميركي/الصيني خلال ساعات.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الطرفين يبحثان عن ترتيبات يمكن أن تسمح بتمديد الهدنة أو تعديلها، مع إبقاء التصعيد الجمركي تحت السيطرة. بالنسبة إلى واشنطن، لا يبدو أن المطلوب هو العودة إلى الوضع التجاري الذي سبق حرب الرسوم؛ وبالنسبة إلى بكين، لا يبدو أن القبول بترتيبات مؤقتة يعني استعدادها للتخلي عن مصالحها في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
هذه النقطة مهمة لفهم طبيعة المفاوضات: الهدنة ليست تسوية للنزاع، وإنما آلية لمنع النزاع من الخروج مجدداً عن السيطرة.
المعادن الأرضية النادرة: الورقة التي لا يمكن تجاهلها
يبرز ملف المعادن الحيوية باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في هذه الجولة، فالولايات المتحدة تريد ضمان تدفقات مستقرة من المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من الصناعة والتكنولوجيا والطاقة، بينما تحتفظ الصين بموقع قوي في عمليات المعالجة والتصنيع المرتبطة بهذه المواد.
وهنا تتجاوز المسألة حدود التجارة، واشنطن تنظر إلى الاعتماد المفرط على مصدر خارجي في مواد تدخل في صناعات استراتيجية باعتباره نقطة ضعف في سلاسل الإمداد الأميركية. وبكين تدرك في المقابل أن موقعها في هذه السلسلة يمنحها ورقة تفاوض لا يمكن تجاهلها.
لذلك يصعب فصل هذا الملف عن بقية المفاوضات. إذا قدمت الصين تسهيلات في تصدير المعادن والمغناطيسات، فستكون هناك حاجة إلى مقابل أميركي، سواء في الرسوم أو في بعض القيود التجارية والتكنولوجية. وإذا لم يحصل تقدم في هذا الجانب، فستظل إحدى نقاط التوتر الأساسية قائمة حتى لو اتفق الطرفان على تمديد الهدنة.
التقارير الأخيرة تشير بالفعل إلى أن تدفقات المعادن الأرضية النادرة أصبحت جزءاً أساسياً من التفاوض الأميركي/الصيني، وأن واشنطن تريد ضمانات أكثر وضوحاً بشأن انتظام الإمدادات.
الذكاء الاصطناعي: المنافسة تدخل مرحلة جديدة
اللافت أيضاً هو إدخال الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة في هذه الجولة، لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى واشنطن وبكين ملفاً تجارياً أو تكنولوجياً منفصلاً عن الأمن القومي. تطور النماذج المتقدمة، والقدرة الحاسوبية، والرقائق المستخدمة لتشغيلها، كلها أصبحت مرتبطة بالتنافس بين البلدين.
ولهذا فإن الحديث الأميركي عن ضوابط وقائية للنماذج المتقدمة لا يعني أن واشنطن وبكين تقتربان من تعاون تكنولوجي واسع. ما يجري أقرب إلى محاولة وضع حدود للمخاطر التي قد تنتج عن منافسة لن تتوقف.
المشكلة أن الطرفين يريدان في الوقت نفسه شيئاً مختلفاً. الولايات المتحدة تسعى إلى منع انتقال بعض التقنيات المتقدمة إلى جهات تعتبرها خطراً أمنياً، بينما ترى الصين في القيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدمة محاولة للحد من قدرتها على تطوير قطاعها التكنولوجي.
ومن الصعب، في ظل هذه المعطيات، تصور اتفاق شامل حول الذكاء الاصطناعي. الممكن أكثر هو التوصل إلى تفاهمات محدودة حول بعض المخاطر والاستخدامات، مع استمرار التنافس على الرقائق والبنية التحتية والنماذج المتقدمة.
التجارة لم تعد منفصلة عن الأمن القومي
هذه هي النقطة الأوسع التي تكشفها محادثات نيويورك. خلال السنوات الماضية، انتقلت العلاقة الأميركية/الصينية تدريجياً من نموذج يقوم على توسيع التجارة إلى نموذج أكثر تعقيداً، تحاول فيه كل دولة تقليل نقاط الضعف لديها من دون أن تقطع علاقاتها الاقتصادية مع الأخرى.
ولهذا يمكن أن نرى في الوقت نفسه مفاوضات لخفض أو تثبيت بعض الرسوم، وتشديداً للقيود على قطاعات تكنولوجية أخرى.
المعادلة ليست تناقضاً من وجهة نظر صانعي القرار في واشنطن أو بكين. إنها تعكس واقع العلاقة الجديدة: التجارة تستمر، لكن القطاعات التي تعتبر استراتيجية تخضع لحسابات مختلفة.
وهذا يفسر أيضاً حضور الممثل التجاري الأميركي إلى جانب وزير الخزانة في المفاوضات. فالملف لم يعد مجرد خلاف على التعرفة الجمركية، وإنما أصبح مرتبطاً بالاستثمار، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والوصول إلى الأسواق.
إيران والطاقة: ملف إضافي في الحسابات الأميركية
الولايات المتحدة تواصل استخدام أدوات مالية وعقوبات للضغط على إيران، بينما ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية وطاقة مع طهران. لذلك فإن أي محاولة أميركية لتشديد الضغط على التجارة أو النفط الإيراني يمكن أن تنعكس على العلاقة مع بكين.
وتشير تقارير إلى أن هذا الملف حاضر في الاتصالات الأميركية/الصينية، وإن لم يكن في مستوى الملفات التجارية والتكنولوجية نفسها.
وجود إيران في خلفية المفاوضات مهم لأنه يوضح إلى أي حد أصبحت العلاقة بين واشنطن وبكين مرتبطة بملفات تتجاوز العلاقة الثنائية. فكلما توسعت العقوبات الأميركية لتشمل شبكات أو مؤسسات ذات صلة بالتجارة الصينية، أصبحت بكين أمام مسألة تتعلق مباشرة بمصالحها الاقتصادية.
ماذا تريد واشنطن من هذه الجولة؟
الموقف الأميركي يبدو مركباً. واشنطن تريد استمرار الهدنة ومنع عودة التصعيد الجمركي، لكنها تريد في الوقت نفسه نتائج ملموسة من الصين، خصوصاً فيما يتعلق بالمعادن الحيوية والوصول إلى السوق وبعض الالتزامات التجارية.
وفي الجانب التكنولوجي، تريد الإدارة الأميركية الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة في فرض القيود التي تعتبرها مرتبطة بالأمن القومي.
بمعنى آخر، لا تبدو واشنطن مستعدة لمقايضة كل أدوات الضغط التي تملكها مقابل استمرار الهدنة التجارية. ما تبحث عنه أقرب إلى ترتيب يسمح باستمرار التجارة في المجالات التي يمكن أن تستمر فيها، مع الإبقاء على القيود في المجالات التي تعتبرها استراتيجية.
وماذا تريد بكين؟
بالنسبة إلى الصين، الأولوية تبدو مرتبطة بمنع تحول القيود الأميركية المؤقتة إلى وضع دائم.
بكين تريد الوصول إلى الأسواق، وتريد تقليل أثر الرسوم، كما تريد تخفيف الضغوط المفروضة على قطاع التكنولوجيا الصيني. وفي الوقت نفسه، لديها أدوات تفاوضية خاصة بها، أبرزها موقعها في المعادن الأرضية النادرة وسلاسل التصنيع.
لكن استخدام هذه الأدوات له حدود أيضاً. فالصين تعتمد بدورها على استمرار الأسواق الخارجية وعلى استقرار التجارة، ولذلك فإن العودة إلى تصعيد تجاري واسع ليست بلا تكلفة عليها.
وهنا تلتقي مصالح الطرفين جزئياً، رغم استمرار الخلاف الاستراتيجي بينهما.
قمة ترامب وشي.. ما الذي يمكن أن تحسمه؟
من المقرر أن يصل شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة في 23 سبتمبر، على أن يلتقي ترامب في اليوم التالي. واستقبال ترامب للرئيس الصيني شخصياً في قاعدة أندروز عند وصوله يعطي الزيارة وزناً بروتوكولياً وسياسياً واضحاً، لكن لا ينبغي تحميل هذا الجانب أكثر مما يحتمل.
فالاختبار الحقيقي سيكون في مضمون التفاهمات، إذا تمكن المفاوضون في نيويورك من تقليص الخلافات، فقد تدخل القمة وهي تحمل مجموعة من الترتيبات المحدودة: تمديد للهدنة، بعض التسهيلات التجارية، تفاهم حول المعادن الحيوية، وربما إطار لمواصلة النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي.
أما الملفات الأصعب، وفي مقدمتها القيود على التكنولوجيا المتقدمة ومستقبل سلاسل الإمداد، فمن غير المرجح أن تختفي من جدول الأعمال بمجرد انعقاد القمة.
قراءة في اتجاه المفاوضات
ما يظهر حتى الآن هو أن واشنطن وبكين لا تتحركان باتجاه إنهاء المنافسة، وإنما باتجاه إدارتها بصورة أقل كلفة، وهذا فرق جوهري، فالقضية لم تعد: هل ستتعاون الولايات المتحدة والصين أم ستتصادمان اقتصادياً؟
الواقع أكثر تعقيداً، البلدين يتعاونان في مجالات ويختلفان في أخرى، ويتبادلان الضغط في قطاعات ثالثة، بينما يحاول كل منهما إعادة بناء قدرته على تقليل الاعتماد على الآخر.
لذلك فإن استمرار الهدنة التجارية، إذا حصل، لن يعني نهاية الحرب التجارية، كما أن أي تفاهم بشأن المعادن أو الذكاء الاصطناعي لن يعني انتهاء المنافسة التكنولوجية.
الأرجح أن المرحلة المقبلة ستقوم على مبدأ أكثر براغماتية: تثبيت ما يمكن تثبيته، وتأجيل ما يصعب حسمه، ومنع الخلافات القطاعية من التحول إلى أزمة شاملة.
وهذا هو الاختبار الفعلي لاجتماع نيويورك ثم لقمة ترامب وشي.
الخلاصة
محادثات نيويورك تعكس تحولاً واضحاً في طبيعة العلاقة الأميركية/الصينية. التجارة ما زالت في قلب العلاقة، لكنها لم تعد وحدها التي تحدد اتجاهها. المعادن الحيوية أصبحت جزءاً من حسابات الأمن الاقتصادي، والذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطاً بالتنافس التكنولوجي والأمني، والطاقة والعقوبات تضيف ملفات أخرى إلى المشهد.
لذلك لا يبدو أن السؤال المطروح قبل قمة ترامب وشي هو ما إذا كان البلدان سيصلان إلى تسوية شاملة. الأهم هو ما إذا كان بإمكانهما الاتفاق على حد أدنى من القواعد يمنع عودة التصعيد إلى مستوى يضر بمصالح الطرفين وبالاقتصاد العالمي في الوقت نفسه.
وإذا نجحت محادثات نيويورك في توفير هذا الحد الأدنى، فقد تدخل القمة وهي تحمل فرصة لتثبيت الهدنة وإعادة ترتيب بعض الملفات. أما إذا بقيت الخلافات حول المعادن والتكنولوجيا والقيود التجارية من دون حلول عملية، فستظل الهدنة أقرب إلى تأجيل للصراع منها إلى تسوية له.
وفي كلتا الحالتين، فإن العلاقة الأميركية/الصينية دخلت مرحلة جديدة: منافسة طويلة الأمد، يتعايش فيها التعاون الاقتصادي مع الاحتواء التكنولوجي، وتصبح إدارة الاعتماد المتبادل جزءاً من الصراع نفسه.



